ثورة “يناير” حلقة من نضال الشعب المصري ضد الظلم والطغيان

126

ليست فئوية ولا محدودة بل ثورة شعبية شاملة

تشبه انتفاضة يناير 77 في عدم وجود قائد

اهانة الكرامة والقهر والاذلال اكثر ما يدفع المصريين للثورة علي مدار التاريخ

ثورة 25 يناير 2011 تنضم لسلسلة الثورات الوطنية التي خاضها الشعب المصري دفاعا عن حريته ووقوفا ضد الظلم والظغيان باختلاف اشكاله وصوره ، وفي الذكرى الرابعة لاندلاع ثورة 25 يناير نتذكر ا نضالات الشعب المصري على مر التاريخ الحديث ، خاصة وان ثورة يناير تعتبر نتاجا تراكميا من مجمل هذه الثورات .. لياخذنا اساتذة التاريخ الحديث والمتخصصون في رحلة عبر الثورات المصرية …

اكد د.خلف عبد العظيم الميرى – استاذ التاريخ الحديث بكلية البنات اداب جامعة عين شمس :ان هناك فروق جوهرية تصب فى صالح ثورة يناير 2011 ،ومنها انه بينما كانت حركة 1805 دفاعا عن المصالح الخاصة لاصحابها من الفئة او الطبقة التى قادتها باعتبارهم من العلماء او الاعيان او كبار الملاك ؛ فانه 2011 ليس هناك مصالح خاصة لدى من قاموا وانما انصهروا فى هموم الوطن ؛ فاصبح الخاص عاما مثلما هو العام خاص ؛وهى فى هذه الحالة تعبير عن مصالح جمعية للشعب وليست مصالح خاصة لفئة او طبقة .

وكذلك تختلف ثورة يناير عن الثورات التي سبقتها في كونها قد بدات ارهاصاتها فى اكثر من موقع ، وتعالت مقدماتها وتنوعت تباعا ؛ سواء على صعيد حركات الرفض والمقاومة العمالية للخصخصة وتصفية القطاع العام ، او انها انتشرت فى سائر الاقاليم ، او ان ثورة يناير بدت بلا قائد ، اومن ظهروا على مسرح القيادة فى ساحة الميدان كــُثر ، لدرجة ادت الى ضياع معالم القيادة اساسا ان وجدت على وجه التحديد .

واشار د.”خلف” الي  ان ذلك ياتي على عكس حركات الانتفاضات التى كانت تحدث فى عهد المماليك وكانت جراء مواجهاتهم وبعضهم البعض تارة ، او انها كانت من الفلاحين فى بعض النواحى احتجاجا على رموز الادارة ، اوانها كانت بقيادة العلماء فى وجه الولاة الظلمة.

وثورة 1805 التى كانت احتجاجا على الوالى الذى ولاه السلطان حكم مصر ، كانت بقيادة العلماء الذين اعلنوا رفض الشعب له ، ومن ثم طلبهم تعيين محمدعلى ، والانتفاضات التى حدثت فى عهد محمد على كانت فئوية مجتمعية فى بقاع محددة ولم تكن شعبية كاملة فى سائر ربوع مصر ، والا كانت ثورة شاملة .

 

بدون قائد

تابع د.”خلف”  الثورة العرابية قادها احمد عرابى ، وثورة 1919 اشتعلت اثر القاء القبض على الوفد المصرى الذى سافر للتفاوض رمزها سعد زغلول ، ومشعلها الحقيقى داخل البلاد كان عبد الرحمن فهمى رئيس الجهاز السرى، وثورة 1935 كان الطلبة وقودها ،وثورة 1952 كان الضباط الاحرار هم قادتها الحقيقيون برئاسة جمال عبدالناصر ،رغم ان اللواء محمد نجيب هو الذى كان فى الواجهة يحمل راسه على كفيه متحملا العقاب الرئيسى فى حالة الفشل.

وتكرر المشهد تباعا فى تفرق القيادة ازاء الانتفاضة الشعبية 1977 اثر ارتفاع اسعار السلع الاساسية للمواطن الفقير اساسا ، فكانت انتفاضة وثورة شعبية لم يُعرف لها قائد لانها جاءت عفوية ،وامكن اجهاضها بسرعة تصرف القيادة السياسية ، فقضت على اسبابها ، بالعدول عما اتخته الحكومة من قرارات واقالة الحكومة ، وعادت الامور الى هدوئها سريعا ، ولكن المتابع للشارع السياسى يُدرك ان الارادة الشعبية فرضت ما تريد على السلطة السياسية وفاسد ذلك شيئا جديدا .

واضاف د.”خلف الميري” : انه باستعراض الثورات الوطنية في مصر الحديثة والمعاصرة بدءا من ثورتى القاهرة الاولى والثانية فى مواجهة الحملة الفرنسية ،مرورا بالرفض المصرى للوالى الذى ارسله السلطان وخلعهم له وتولية محمد على ، مرورا بالثورة العرابية وثورة 1919 وثورة يوليو 1952،وصولا الى ثورة يناير 2011، وما يراه من قواسم مشتركة بين الاحداث سواء كانت هبّات ام ثورات  يرى د.”خلف” انها  جميعا تتسق مع طبيعة وسمات الشخصية المصرية السوية البسيطة فى بيئة تعمرها السكينة ، وليست ذليلة مستكينة ولكنها معتدلة تنساب فى وداعة كالنهر، ليست عنيفة كامواج البحر، لكن اذا نفد صبرها ثارت كالفيضان مدمرة لكل مافى طريقها.

ويرى ان الكرامة والاحساس بالظلم والقهر هي اكثر ما يستثير المصريين، وان الشباب هم جُــلّ وقودها فى سائر اطوارها ، ثم حلل الظروف التى تصل بالشعب الى التظلم او الاعتراض او التظاهر او الهّبة او الانتفاض ، وجميعها فى رايه تُعتبر امورا جزئية سواء فى اسبابها او احداثها او فى اطاريها المكانى والزمانى ، وصولا الى قمتها الثورية .

قال المؤرخ د.محمد عفيفي -استاذ التاريخ الحديث رئيس قسم التاريخ بجامعة القاهرة : ان ثورات الشعب المصري يربطها جميعها كونها اندلعت في سبيل افكار وقيم الحرية والعدالة الاجتماعية ، وان الشعب المصري هو البطل وصاحب هذه الثورات .

مؤكدا ان الشعوب لا تقوم بثورات سريعا ولكن كل ثورة تندلع يكون لها عوامل عبر فترة طويلة ونلاحظ مدى زمني طويل الى ان تختمر عوامل الثورة وهذا شيء طبيعي ، وكل ثورة لها طابعها الخاص تتخذ طابعا للعصر الذي قامت خلاله وتندلع وفقا لوسائل الاتصال المتاحة ومقتضايات العصر.

واضاف د.”عفيفي” :الشعب المصري يعتبر من الشعوب الزراعية ذات الحضارة المستقرة ،وبالتالي لا ينجرف للتحولات السريعة في المجتمع واميل للاستقرار ، بعكس الحضارة البدوية المتقلبة التي تتجه للعنف ، وحتى الارهاب في بلدنا مختلف تماما عن الدول الاخرى مثل سوريا وليبيا والعراق .

وعن ثورة يناير يقول د.”عفيفي” :كانت عواملها الفساد السياسي وغياب العدالة الاجتماعية ، وتعتبر ثورة شعبية كبيرة قام بها الشعب المصري اثرت في الشعوب المجاورة .

وعن توقعاته باندلاع ثورة جديدة استبعد د.”عفيفي” حدوث ذلك خلال السنوات القادمة ولكن ستظل محتملة حال عدم تحقيق الاهداف التي قامت من اجلها ، وسنظل في خطر طالما اسباب المشكلة موجودة .

خصوصية كل ثورة

فيما اوضحت د.عايدة السيد سليمة – استاذ التاريخ الحديث بكلية البنات جامعة عين شمس  الثورات المختلفة التي مرت على تاريخ مصر الحديث حيث تنوعت الظروف والاسباب وظل لكل ثورة منهم خصوصيتها ، فثورة يناير لم تكن ضد احتلال ولكنها كانت ضد فساد سياسي في الداخل .

وعرضت د.”عايدة” عددا من الاحداث الخاصة بالثورات وهي : ثورتا القاهرة الاولى والثانية خلال الحملة الفرنسية كانت ضد احتلال قادها الازهر وظل يقود الحركة الوطنية وصولا الى الثورة العرابية و52 شارك فيها الازهرييون ولكن لم يقودوها فقد قادها الضباط ، وكانت الثورات قد اندلعت طيلة هذه الفترة بسبب المخاطر الخارجية والتدخلات الاجنبية ، فيما كان من ضمن اسباب الثورة العرابية منع الضباط المصريين من الترقيات التي بدات منذ عهد محمد علي الذي منع المصريين من الترقي في الجيش خوفا من نفوذهم.

وقالت د.”عايدة” إنه مع الاحتلال البريطاني ازداد الحراك الوطني وظهر مصطفى كامل ومن بعده محمد فريد ، واستمرت الحركة الوطنية حتى ظهور سعد زغلول وبدات في الظهور الحياة الحزبية وكانوا يتخذون مبدا لا تفاوض الا بعد الجلاء الى ان اندلعت ثورة 1919 بالتزامن مع نفي سعد زغلول وزملاؤه.

واستمرت الحركة الوطنية كذلك اعقاب الحرب العالمية الاولى للمطالبة بالغاء الحماية البريطانية على مصر ، ولكن فوجئوا بالمجتمع الدولي يوافق على الحماية البريطانية رغم انهم معترفين بحق تقرير الشعوب لمصيرها وهو ما تجده د.”عايدة” دليل على ان المصالح البريطانية وعلاقتها بامريكا كانت اقوى واهم من المطالب المشروعة للشعب المصري باستقلاله.

ومن القواسم المشتركة بين ثورة 1919 وثورة يناير كما تقول د.”عايدة” مشاركة جميع طوائف الشعب فيها فقد اشترك الموظفون لاول مرة في التاريخ وكذلك المراة لذلك تسمى ثورة شعبية حقيقية.

ونجحت الحركة الوطنية في الحصول على الاعتراف الجزئي بالاستقلال عن طريق تصريح 28 فبراير وانتقلت مصر الى الملكية برئاسة الملك احمد فؤاد ، واستمر النضال الوطني حتى اندلعت انتفاضة الطلبة عام 1935 التي نتج عنها بعد ذلك معاهدة 36 ، واستطاعت مصر ان تكون دولة مستقلة الى حد ما بدليل انها اصبحت تمارس سياستها الخارجية وهوما دعا مصر لانطلاقة جديدة ومشاركتها في القضايا العربية بجدية ، وظهر ذلك بعد الحرب العالمية الثانية وبعد تاسيس جامعة الدول العربية فاصبحت مصر تقود الدول العربية وتدافع عنهم.

وتابعت د.”عايدة” : وتجلت دور الحركة الوطنية في عام 46 بثورة طلابية عرفت باسم كوبري عباس ، واستمر النضال الوطني حتى اندلعت بعدها ثورة 52 وتم اعلان مصر جمهورية وانهاء النظام الملكي في 56 وتولي الرئيس محمد نجيب ومجلس قيادة الثورة الحكم ، وبعده جمال عبد الناصر وبدات مصر تتاثر بالاتحاد السوفيتي .

وبعدها قل الحراك الوطني لانه لم يصبح هناك احتلال وسيطرة اجنبية وحتى انتفاضة 77 حدثت لاسباب داخلية منها الغلاء والاحتكار ، ومن بعدها بدا يسيطر الخوف على الشعب المصري ، وبدات الظروف الاقتصادية في التدهور المستمر مما تسبب في خوف المصريين على مصدر رزقهم ، وكذلك عدم وجود حرية للراي والتعبير.

فقد ثار الشعب المصري في 25 يناير بسبب الكبت وقد شجعت المواطنين على التعبير عن ارائهم بحرية ، مضيفة ان كل الثورات كان الشباب هم من يقودوها ف25 يناير حركة شبابيةعفوية ، اما ثورة عرابي كان قائدها مجموعة من الضباط ، بخلاف الثورات الاوروبية التي كانت تقودها الطبقة البرجوازية والمثقفين ،وينفذها الفلاحيين والعمال .

دور الجيش

فيما قال الكاتب الصحفي شريف عارف – مدير مركز الوفد لدراسات الحركة الوطنية والتوثيق : إن الاشخاص يختلفون والقضية واحدة ، فكما قال وغنى وابدع سيد درويش “بلا امريكا بلا اوروبا “هو هنا كان يتحدث عن القضية ، والتي ظلت موجودة حتى بعد ثورة يناير ، الصراع القديم والازلي بين الشرق والغرب وان اختلف الاشخاص فثورة يناير هي امتداد طبيعي لثورة 1919 ورافد من روافد ثورة الطلبة 35 ، خاصة فيما يتعلق بمشاركة الشباب والطلاب .

واضاف “عارف” ان الثورات كانت تخرج من المدارس والجامعات خاصة الازهريين وجامعة القاهرة بخاصة كلية الحقوق ، وكان دائما ما يقاس الحركة الوطنية بحجم وجودها في الجامعات ، وما يفعله الجماعات الارهابية في الجامعات ما هو الا نتيجة لضعف التيارات الوطنية .

وفى الاطار نفسه من الرؤى يرى د. خلف الميري : ان الاليات الثورية تباينت حسب كل مرحلة فهى عسكرية مدنية فى ثورتى القاهرة الاولى والثانية ضد الفرنسيين ولكن التفاوت الكبير فى القدرات العسكرية افشلهما ، وتكرر الشئ نفسه بالنسبة للثورة العرابية ، بينما جاءت ثورة 1919 مدنية بعدما تم تحييد العسكرية المصرية وبالتالى لم يتحقق لها اجلاء الانجليز ، وجاءت ثورة 52 عسكرية ، ولكن تاكد نجاحهها بتعبيرها عما يريده الشعب ومن ثم التفافه حولها واحتضانه لها ، وهذا ما تفردت به ثورة يناير 2011 من دعم الجيش بعدم وقوفه ضدها ، ولكنها تفردت بمزايا عن كل ما سبقها ، ومن اهمها ذلك الزخم على صعيد التنوع كما وكيفا ، فهى وان كانت قد ارتكزت فى ميدان التحرير ؛ فقد انتشرت الى سائر الاقاليم ، وهى استخدام الشباب المصرى غير المسبوق لمنجز حضارى (الفيسبوك) بطريقة اذهلت حتى الدول المتقدمة صاحبة الاختراع ، وهى سلمية سلمية بطريقة حضارية ..

وفيما يتصل بثورتي عرابى و25يناير 2011 ذكر د.خلف الميري :ان الثورة العرابية هى ثورة الطبقة الوسطى وبالتالى علينا ان لا نتعجب من وجه الشبه بينها وبين ثورة 25 يناير لان من قام بها الطبقة الوسطى ايضا.. هذا بالاضافة الى ان عرابى ورفاقه كانوا من الشباب وكانت مطالبهم ثورية وحماسية كما هو الحال فى ثورة يناير.. اى مثل الثوار الشباب فى ميدان التحرير، وهناك تشابه اخر فى الثورة العرابية وثورة 25 يناير وهى ان كلاهما رفع الشعار الرافضة للظلم الاجتماعى وهو ايضا ما رفعته ثورة 1919 بزعامة سعد زغلول كذلك ثورة يوليو 1952.

وحول وجود علاقة بين الاحتلال البريطانى وثورة عرابى اكد الميرى ان القوى العالمية تتربص بمصر منذ 1799 مع قدوم الحملة الفرنسية على مصر ومحاولة كسر شوكة محمد على بعد امتداد مصر وتوسعها الجغرافى سواء فى افريقيا وشبه الجزيرة العربية ،اما الاحتلال البريطانى فقد جاء ليقطع الطريق على فرنسا بعد ان احتلت تونس وبدات تفكر فى مصر.

 

التعليقات متوقفه