فريدة النقاش تكتب : تصنيع الإرهاب

90

 

قضية للمناقشة

ترتد الحركة الإرهابية التى انتشرت فى بلادنا لتضرب الغرب، وتدفع أوروبا وأمريكا وبخاصة ساستهما ومفكريهما العنصريين ثمن ما ألحقوه بنا من أذي، بدءا من استعمارهم لبلداننا، وليس انتهاء بنزف ثرواتنا أو إنتاج الأفكار المعادية لثقافات الشعوب وبلدان المستعمرات فى مراكز تدبيج النظريات العنصرية وترويجها عبر امتلاك النسبة الغالبة من وسائل الإعلام العالمية، والسيطرة على المؤسسات المالية والثروات.

لعب المفكرون العنصريون وغير العقلانيين فى مؤسسة الاستشراق الأوروبية – وباستثناءات قليلة – أدوارا مركزية فى الترويج لدونية الشرق وهمجيته وتفوق الغرب وعقلانيته، لتصاحب هذه الأفكار الموجات المتعاقبة من الاستعمار منذ قال الشاعر الإنجليزى “كبلنج” إن الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا، إلى أن جاء “صامويل هانتنجتون” رجل الأمن القومى الأمريكى لينظر لصدام الحضارات واضعا نظرية “كبلنج” فى صياغة جديدة، حيث المعرفة والتفوق والعلم والديمقراطية من نصيب الغرب المسيحى والتخلف والعواطف الساذجة والاستبداد من نصيب الشرق الإسلامى والبوذي.

وتعلمنا تجربتنا فى مصر أن الاستعمار البريطانى الذى كان شعاره دائما – فرق تسد – لعب طيلة احتلاله لبلادنا على محاولة تعميق الانقسام الدينى بين المسلمين والمسيحيين، وعبر “لورد كرومر” مندوبهم السامى عن غضبه حين وجد أن شعب مصر عصى على هذا الانقسام وقال ما معناه إنك لا تعرف الفرق بين المسلم والمسيحى إلا حين يذهب الأول إلى الجامع والثانى للكنيسة.

ودعم الاحتلال لإنشاء جماعة “الإخوان المسلمين” فى بداية القرن العشرين معروف للجميع، وعلاقتهم بالاستعمار ونظم الاستبداد أشهر من أن نعيد روايتها.

ويكتب المؤرخ العربى “محمد عزت درورة” فى مذكراته أن زعماء القدس أرادوا أن يسموا جمعيتهم الجمعية العربية الوطنية فأوعزت لهم السلطات البريطانية بأن يسموها الجمعية الإسلامية المسيحية.

كان الهدف من كل هذه الممارسات ومئات غيرها إدخال الدين فى السياسة فى منطقتنا، بعد أن خاضت أوروبا حروبا دامية من أجل فصل الدين عن السياسة، وتعبيد الطريق أمام الديمقراطية والعلمانية والحداثة وبروز المجتمع المدنى القوى الذى يقيم التوازن بين الدولة والمجتمع.

وبرز موقف كل من الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة الأمريكية من قضية تطورنا الديمقراطى – الذى يتحدثون عنه فى الخطاب السياسى – حين قدموا دعما سافرا لجماعة “الإخوان” فى مصر حتى بعد أن مارست العنف والإرهاب واعتراف مفكريهم الشرفاء والموضوعيين بأن هذه الجماعة كانت ولاتزال هى الحاضنة الأساسية لكل الجماعات التكفيرية والمتطرفة فى كل من العالم الإسلامى وأوروبا وأمريكا، وها هما يدفعنا بعض الثمن مرة أخرى ولن تكون هجمات سبتمبر 2001 فى أمريكا، أو “شارلى إبدو” فى فرنسا هما آخر المطاف.

فمن يربى الوحش لن يستطيع – مهما احتاط – أن يتجنب النهش، ومن ينخرط فى تصنيع الجريمة لابد أن تطوله النيران.

نعرف جميعا أن مصالح ومنافع اقتصادية هائلة تقف وراء دعم أوروبا وأمريكا لليمين الديني، إضافة للأزمة العميقة التى يعيشها النظام الرأسمالى العالمي، وقد اعتاد هذا النظام أن ينتج صورا من الفاشية كرد مشوه على هذه الأزمة لتأجيل انفجارها وهو ما يحدث الآن.

فهل نحن أبرياء ومجرد مفعول بنا، إن الرد على هذا السؤال الكبير هو “لا” كبيرة، فنحن العرب والمسلمين الفاعل الأصلى إذ أننا نعيش منذ أكثر من ألف عام فى ظل الأفكار الدينية المحافظة والأبوية القمعية التى شكلت حماية لنظام الاستبداد والفساد، ولايزال أمامنا طريق طويل لتصميم الفهم الواعى للتاريخ والتراث الدينى الإسلامى والمسيحى واليهودى باعتباره نتاجاً بشرياً، وهذا موضوع آخر.

فريدة النقاش

 

التعليقات متوقفه