د. رفعت السعيد يكتب : صراع الإسلام والتأسلم

56

صفحة من تاريخ مصر

حول تجديد الفكر الدينى ( 32 )

ونأتى إلى مجدد من نوع خاص جداً . أرستقراطى سليل أسرة أرستقراطية ، مفكر موسوعى . ترجم العديد من الكتب وألف خمسة وثلاثين كتاباً ونشر عشرات المقالات والأبحاث وأصدر مجلة العصور [1927- 1930] وكتب كثيراً من مقالات كل عدد منها ، وتولى رئاسة تحرير المقتطف [1945-1949] . وفى البداية كان الفتى الارستقراطى يتسلى بالقراءة فوقع فى فخ العقل فترك كل شىء وأصبح راهباً فى محرابه . ونقرأ ما كتبه عن ذلك “وفى عام 1911 [كان فى العشرين من عمره] كنت مكباً فى الفلسفة القديمة أنهل من موارد العرب بأقصى ما تصل إليه استطاعتى ، حينذاك وقعت فى يدى نسخة من كتاب د.شبلى شميل “ترجمه شرح بوختر على مذهب داروين” “فأحدثت قراءته فى ذهنى من الانقلاب والأثر ما تعجز الكلمات واللغة عن التعبير عنه أو وصفه فزلفت بقدمى إلى مفازة الآراء المادية” [مقدمة ترجمته لكتاب أصل الأنواع ونشوءها بالانتخاب الطبيعى وحفظ الصنوف الغالبة فى التناحر على البقاء – جـ1- صـ4] وليس سهلاً أن يقع ارستقراطى فى فخ العقل فقد أنفق كل ما يملك على طباعة كتب وزع أغلبها بالمجان وعلى إصدار العصور . إستدان – رهن الأرض أستولى البنك على الأرض المرهونة ، وباع المطبعة ، ويكتب أحمد الصاوى محمد “لقد أضاع إسماعيل مظهر العزبة فى سبيل العلم والمثل العليا” المهم وفيما يستمتع الارستقراطى بالقراءة والترجمة بما دفعه الى كتابة “زادت الهوة التى تفصل عالمى الذى أعيش فيه وخلقته لنفسى عن العالم الذى يعيش فيه الناس ، ولكن مالى ومال الناس ؟ فإنى قانع بأن أسعد سويعات بعالمى الفسيح الذى خلقته وربيته منذ أن أمسكت بالقلم” . هذا الهدوء تبدد بعد أن أصدر ترجمته لداروين [1918] ، فإنهالت المطارق عليه وتعالت الاتهامات بالكفر والإلحاد ولم ينقذه من هذه الحملة الضارية إلا اشتعال ثورة 19 فأخفى وهجها أى شىء آخر . لكنه استعاد المعركة عندما صدر العدد الأول لمجلة العصور قائلا فى افتتاحيته إن هدفها هو “التنديد بأنماط التفكير الدينى[العدد الأول – سبتمبر 1927] وكالعادة تصدى له رشيد رضا قائلاً عن العصور إن بعض كتابها تنطوى أقوالهم على الإلحاد والتهجم على الدين . ورد مظهر رداً عنيفاً قال فيه ما أتفه أن يحاول شخص لظهور بمظهر يدافع عن الإسلام فى حين  “أنه يعيش على الذهب الذى اغدقه عليه البعض”وقال “لماذا يسكت رشيد رضا عن الحياة الخاصة التى يعيشها بعض العلماء الذين ينتمى إليهم والذين لم ينتقدهم رغم سلوكهم المهين ، بل توجه لمهاجمة من زعم أنهم ملاحدة لأنهم مجددون ، والحقيقة أن هذا الشيخ وأمثاله شر على الإسلام والمسلمين أكثر من الملاحدة والمجددين” [إسماعيل مظهر – فى النقد الأدبى – صـ7] ونلاحظ ملاحظة مهمة وهى أن مجلة العصور قد توجت افتتاحية العدد الأول بالآية الكريمة “عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم فى الأرض وينظر كيف تعملون” ثم هو ومنذ العدد الأول يتساءل “هل يمكن أن تكون هناك معاهد دينية حرة بعيدة عن زيغ العقل المنحرف فى حكومة حرة؟ وهل الفصل بين الناحيتين مستطاع عملياً ، وما هى المعاهد الدينية الحرة ؟ فإذا كان المقصود بها انفصالها من تسلط الحكومات والرؤساء الذين يجمعون بين سلطة الدنيا وسلطة الدين ، واستقلالها بناحيتها الذاتية عن مشاعر المجتمع ، كان هذا هو الخير بعينه بل أقرب الأشياء إلى الحرية الصحيحة . وقد جاهد الناس تحت تأثير فكرة الحرية فى سبيل الفصل بين الدين والسياسة متخيلين أن الفصل بينهما فى الاعتبار كان الفصل بينها فى الواقع ؟ ولقد قامت حول هذه المسألة عاصفة من الكلام ، ولكن هل تخلص الدين من مؤثرات العقل المنحرف تحت وهم القيام بالواجب إزاء المعتقد الثابت؟” ويجيب “لم يكن شىء من ذلك ، فإننا لم نزل نرى فى عصرنا الديمقراطى أن الدين تحت تأثير زعمائه قد عبر جسر الذاتية البشرية إلى موضوعات السياسة العملية بما افسد الديمقراطية وجعلها ابعد الأشياء عن الحرية الصحيحة ، إذ يقيد رجال السياسة الذين يخلطونها بالدين عواطف الجماهير ليكسبوا عطفها وتراهم وقد ألقوا فى روع الناس إن فهم أى موضوع فى السياسة لا ينفلت عن إطار الدين، ولهذا نرى أن عصوراً بأكملها تم فيها قتل العقول لأن هؤلاء السياسيين يروجون أن إدراك أى مسألة سياسية لن يتيسر إلا إذا ردت أصلاً وفرعاً وقاعدة وتفصيلاً إلى ناحية المعتقد الثابت” فيختلط فى العقول قليل من التفكير بكثير من الشعور والعواطف [العصور – العدد الأول – صـ8] ويستعيد مظهر ما قاله انه “ميراث العصور الوسطى من اللاهوت المذهبى، ومما يؤسف له أن هذا الميراث لم يزل شديد الأثر فى عقول فئة رجال الدين” [صـ62] وفى العدد الثانى يقدم مظهر دراسة مستفيضة بعنوان “فلسفة الانقلاب التركى الحديث” يلخص فيه كتابا تركياً صدر بعد إنقلاب أتاتورك جاء فيه “إن تعاليم أئمة الإسلام فى تركيا تقوم على أساس أن الحقيقة لا يمكن معرفتها بالعقل وإنما بالنقل والتلقين . وأن الحياة يجب ألا تحكم بمقتضى المبادئ الإنسانية المستمدة من غرائز ومصالح الإنسان بل بمقتضى الشرائع التى لا تتبدل ولا تتغير” [العصور العدد الثالث – أكتوبر 1927] وأثار هذا المقال صخباً ضارياً اتهم فيه مظهر بالإلحاد والكفر . ويمضى مظهر على هذا المنوال وفى العدد الحادى عشر نقرأ “نخطئ إذا اعتقدنا أن تراث الماضى يجب أن يكون نبراسنا الذى ينير لنا مفاوز الحاضر ، بينما الحاضر هو قائدنا وهادينا وما الماضى إلا صفحة بائدة وعلينا أن نقتل فى عقولنا فكرة التأثر بالماضى” [العصور – العدد11- يوليو 1928 – صـ 1172] وتتضاعف حملات التكفير والتحريض . وسنرى كيف تراجع مظهر كما تراجع غيره من ا
لليبراليين الأعيان والأغنياء .

 

التعليقات متوقفه