أمينة النقاش تكتب: أنشودة البساطة

99

ضد التيار

خطفت “فاتن حمامة” قلوب عشاقها من المحيط إلي الخليج، من باب لم يستطع أحد آخر أن ينافسها فيه، باب البساطة والبراءة والتلقائية. حباها الله بصوت كصوت الكروان، وبوجه لا يقارن بمقاييس الجمال الصارخة، لكنه يتكامل في تكوينه ليقدم لوحة فاتنة لجمال وجه يخطف الألباب من فرط عاديته ودقة ملامحه، وجه وصفه مخرجها الأثير “بركات” بقوله “وجهها هو الشعر، هو الموسيقي، لا مثيل له، ولا بديل عنه للتعبير عن المعاني التي أبغيها”.

لم يكن التمثيل بالنسبة لها شهرة ومالا وحضورا دائما في قلب الأضواء، بل هو قضية تشغل تفكيرها ووجدانها، ومجتمعها، وحين تحمل من هي في مكانتها في قلوب الناس، وفي ساحة الإبداع، هذه القضية، فالتأثير الايجابي حاضر لا محالة. والأمثلة أكثر من أن تحصي. “آمنة” المحبة العاشقة والمتسامحة في “دعاء الكروان” التي حملت علي أكتافها أول معالجة لمسألة القتل ثأرا لقضايا الشرف في السينما العربية، والحب الذي دفعها للمشاركة في عمل سري ضد الاحتلال في “لا وقت للحب” ودعمها لقضية تعديل قانون الأحوال الشخصية لصالح النساء في “أريد حلا” ومناقشتها لقضية الديمقراطية في “امبراطورية ميم”، ومساندتها لأجيال تالية من الممثلين والمخرجين، في فيلمها “يوم مر.. ويوم حلو” للمخرج خيري بشارة والسيناريست “فايز غالي” مع نخبة من الممثلين الشباب بينهم “عبلة كامل، ومحمد منير، وأحمد كمال وحنان يوسف، وسيمون”. كما عملت مع “يحيي الفخراني” و”داود عبد السيد” في واحد من أجمل أفلامها، وآخرها، وهو فيلم “أرض الأحلام”.

حصنت “فاتن حمامة ” حياتها الخاصة ضد التلصص والحكايات الإثارية الفارغة، وآثرت أن تكون العلاقة المباشرة بينها وبين العالم، هو فنها وعملها العام، حين تدلي بأحاديث صحفية تقول فيها رأيها في الشأن  العام بحكمة وبصيرة، وتراكم ثقافي يتجلي في ابدائها لهذه الآراء.

لم تشغل فاتن نفسها بمعارك صغيرة، ولم تتلفظ بكلمة أو جملة تسيء إلي أحد من زملائها، في أي لحظة، علي الرغم من أن بعضهم قد وجه إليها بعض هذه الإساءات. تساءلت “مريم فخر الدين” بضيق كثيرا، لماذا تسمي فاتن حمامة سيدة الشاشة العربية وهل نحن خدمها؟ مع أن “فاتن” لم تسع يوما لإطلاق ألقاب علي حضورها الآخاذ في السينما العربية، كما تفعل غيرها، اكتفت بموهبتها الفذة الصادقة لتؤكد هذا الحضور، وكان الكاتب الصحفي “عبد النور خليل” هو الذي أطلق عليها هذا اللقب.

ملأت فاتن حمامة حياتنا بالبهجة والرقة والعذوبة والتحلي بالمسئولية الفنية والاجتماعية. وقدمت عبر مسيرتها التي يصعب اختزالها في كلمات قليلة نموذجا فنيا وإنسانيا وحياتيا حين يفكر المرء في الصورة المكتملة، لا يستحضره سواه. كما صنعت من هذا النموذج، معيارا لما هو جيد، وما هو رديء، وما هو طيب وما هو خبيث، في الفن والحياة معا، وليبقي هذا النموذج حيا في الضمائر، ومتربعا علي عرش القلوب.

التعليقات متوقفه