محمد فهمي يكتب : فقه.. الأولويات!

79

 هذا الزمان

تجديد الخطاب الديني.. ليس مسئولية الأزهر الشريف.. ولا رجال الدين.. ولا هو مسئولية أصحاب الدعوة للحوار بين المذاهب والمعتقدات.. التى تتصارع حولها المصالح الدنيوية.

لسبب بسيط هو أن جوهر ما نعانيه من مشاكل.. لا يتعلق بالأديان والمعتقدات.. وإنما يتعلق بالثقافة الاجتماعية التى سيطرت على حياتنا منذ أكثر من نصف القرن.. وأدت لانتشار الأمية بين نحو نصف سكان الوطن العظيم الذى ننتمى إليه.. وإلى انتشار العشوائيات التى يعيش فى سراديبها وأكواخها أكثر من 17 مليون مواطن.. علاوة على الملايين من أطفال الشوارع.. الذين يفتقدون النسل والذرية.. ويعانون كل ألوان المشكلات التى تتقطع من هولها نياط القلوب!

هذه الأوضاع.. التى لا تمت للأديان بأدنى صلة.. ولا تتعلق بتجديد الخطاب الدينى أدت بدورها لذيوع العديد من السلوكيات السلبية التى نلمسها فى تعاملاتنا العادية كل صباح ومساء.. وفى كل موقع على أرض مصر.. وإلى انتشار ثقافة الانتقام من المجتمع الذى ألحق بهم كل ألوان الظلم.. ويدفعهم إلى الثأر من كل رموز الوطن.. بمشاعر تغوص فى مستنقعات الجراثيم والحشرات السابحة والطائرة.

الطفل الذى يولد فى عشوائية.. لا يمكن أن يدين بالولاء للوطن!

والطفل الذى يتخذ من الشوارع مسكنا.. لا يمكن أن يدين بأى ولاء للوطن الذى أذاقه كل ألوان العذاب!

نحن إذن أمام قضية.. لا تتعلق بالخطاب الديني.. ولا بالحوار بين الفاتيكان والشيخ شومان.. ولا بالمكانة الرفيعة التى فيها الأزهر الشريف فى قلوب سكان المناطق الراقية.. وإنما هى قضية تجديد الثقافة السياسية التى سارت عليها البلاد منذ ستة عقود.

نحن فى حاجة إلى ثقافة اجتماعية جديدة.. تضع التشخيص السليم للأمراض التى نعانيها.. لأن التشخيص السليم هو نصف العلاج.

نحن فى حاجة إلى نشر ملايين المدارس الابتدائية.. ومراكز محو الأمية فى كل ربوع البلاد.. والتوقف عن دعم الجامعات.. وتوفير ميزانيات الجامعات.. وتحويل جامعات الأقاليم إلى مدارس ابتدائية وإعدادية.. وفنية.. وحرفية.. تعمل على إعداد الحرفيين.. فى كل الحرف.. ابتداء من السباكة.. والنجارة.. وحتى الحلاقة وقص الشعر.. وتهذيب الحواجب.

نحن فى حاجة إلى العامل الماهر.. وليس إلى طالب الجامعة.. الذى يتلقى العلم بالمجان.. ويعاكس النسوان.. ويشعل النار فى المدرجات.. ويلقى بأجهزة الكمبيوتر من النوافذ والفتحات.

ويتعين علينا هنا أن نشير إلى أن دعم التعليم الجامعي.. لم يهدر فقط مليارات الدولارات.. وإنما كان السبب فى انتشار البطالة بين خريجى الجامعات.. وتفاقم أمراض البيروقراطية التى أصابت جهازنا الإدارى بالشلل وكافة الأمراض والعلل.. وإلى اختفاء العامل الحرفى الماهر.. الذى افتقدناه منذ سنوات طويلة.. وأصبح كالخل الوفي.

نحن فى حاجة إلى ثورة ثقافية شاملة.. ومكافحة الأمية.. لإعداد شبابنا لمواجهة قضايا المستقبل وتحقيق التقدم.. وفق فقه الأولويات!

 

التعليقات متوقفه