د. جودة عبدالخالق يكتب : من كان عنده يعطى و يزاد !

128

لقطات

نعم. من كان عنده يعطى و يزاد، و من ليس عنده يؤخذ منه. كان هذا تشخيص السيد المسيح عليه السلام للأوضاع فى المجتمع اليهودى الذى نشأ فيه. و ينطبق الآن بعد نحو ألفى عام شهد فيها الجنس البشرى تطورات هائلة فى مجال نظم الحكم و العلم و التكنولوجيا. إذ تكشف الدراسات و الأبحاث العلمية الحديثة عن حقيقة مدهشة، وهى أن عالمنا محكوم فى ظل الرأسمالية بنفس القاعدة. الأغنياء يزدادون غنى و الفقراء يزدادون فقرا. يحدث ذلك رغم أن البنك الدولى تشدق منذ أربعين عاما بإعادة التوزيع مع النمو الإقتصادى. و رغم أن الأمم المتحدة  قد وضعت على رأس أهداف الألفية تخفيض الفقر إلى النصف بنهاية  العام الحالى مقارنة بعام 2000.

لكن الأمور سارت على النقيض تماما. فقد نشرت مؤسسة أوكسفام الخيرية  الشهر الماضى تقريرا بعنوان “الثروة: لديهم كل شىء و يريدون المزيد”.  يسجل التقريرحقائق صارخة عن علاقة الأغنياء بالفقراء فى عالمنا. إليك عزيزى القارئ أهم ما جاء فيه. ففى عام 2014 كان نصيب أغنى 1% من البالغين 48% من الثروة، بعد أن كان 46% فقط عام 2010. فى المقابل، انخفض نصيب الـ 99% الباقين من 54% إلى 52%. ألا يذكرك هذا بمقولة المسيح؟

كما نشر منذ أقل من عامين  كتاب “الرأسمالية فى القرن الحادى والعشرين” للافتصادى الفرنسى توماس بيكيتى. وهو العمل الذى جلب لمؤلفه جائزة نوبل فى علم الاقتصاد لعام 2014، و أثار ضجة كبيرة فى الأوساط العلمية و السياسية. وفى أكبر تجمع علمى فى مدينة بوسطن أوائل الشهرالماضى، عقدت مناظرة مثيرة لمناقشة الكتاب شارك فيها بيكيتى و عدد من كبار الاقتصاديين. و قد تابعت عن قرب كيف اتهم عدد منهم مؤلف الكتاب بالماركسية، وهى تهمة خطيرة فى السياق الأمريكى. كانت خطيئة بيكيتى أنه أثبت بالدليل الدامغ بالأرقام  أن الرأسمالية تزيد من نصيب الأرباح و الريع على حساب الأجور.

 

كيف نفسر هذه التطورات المزعجة؟ يبدو أن السبب هو العولمة و السياسات  الليبرالية الجديدة. فقد أدت هذه   و تلك  إلى إطلاق العنان لرأس المال (من خلال الشركات دولية النشاط) لتعمل عبر حدود  الدول فى حين بقى العمل حبيسا داخل تلك الحدود. وشاع التعبيرعن هذه الظاهرة بـ “الأوز الطائر و البط الكسيح”. و إنها عملية استقطاب كبرى، تجلت فى ضمورالطبقة الوسطى و تهميش الشباب. و قد لاحظت أثناء إقامتى الأخيرة فى الولايات  المتحدة كيف بلغ التفاوت الطبقى حدا غير مسبوق. إذ يقدر أن أغنى 10%  يمتلكون 70% من الثروة. كما لاحظث أن أحلام الشباب الأمريكى فى وظيفة و فيلا و سيارة بعد سنوات قليلة من تخرجه صارت سرابا. لذلك عزف الشباب عن المشاركة فى إنتخابات التجديد النصفى للكونجرس، و التى اكتسحها اليمين الجمهورى.

ويبقى السؤال: ما هى الدروس المستفادة لنا فى مصر؟

التعليقات متوقفه