د. رفعت السعيد يكتب : صراع الإسلام والتأسلم

50

ونمضى مع أحمد أمين وهذه المرة فى دعوته للتجديد الدينى، وسنكتشف أنها دعوة نابعة من تكوين خاص لمثقف أزهرى النشأة ذى ثقافة غربية وموقف اجتماعى متقدم . ولعل هذا المزيج كان مخرجاً له ولغيره من المثقفين غيره وخاصة أبناء الطبقة الارستقراطية الذين تحصنوا فى حزب “الأحرار الدستوريين” وبالتحالف مع القصر الملكى والاحتلال فوجدوا فى دعوة التجديد الواضحة والصارخة مثل ما كان عليه الشيخ على عبد الرازق فى كتاب “الإسلام وأصول الحكم” والدكتور طه حسين فى كتابه “فى الشعر الجاهلى” واندفاع أو اضطرار مثقفى الأحرار الدستوريين لمساندتهما فى وجه عواصف التكفير والإلحاد والشتائم البذيئة للشيخ رشيد رضا وفى عناد مع صيحات الجماهير الغاضبة وجدوا فى هذه المعركة صعوبة بالغة وخطراً داهما على جماهيرية حزبهم التى اهتزت كثيراً بسبب تحالفهم مع القصر والاحتلال وهجوم الوفد عليهم حتى فى مجال التجديد الدينى . وكان المثقف المزدوج الثقافة الذى نموذجه أحمد أمين هو الحل .

ونبدأ .. يؤكد أحمد أمين “هذا الدين ليس فيه نغمة ارستقراطية” [فيض الخاطر – الجزء الثانى – صـ230] ثم هو يدعو وبهدوء الى بناء دولة جديدة مستوحاة من الغرب فيقول “هناك إتجاه حثيث فى مختلف البلاد الشرقية للاتجاه لإرساء علاقات جديدة مستوحاة من مصادر أجنبية ويتم ذلك فى صمت وسكون وربما عُدت تركيا بعد انتصار أتاتورك فى طليعة الآخذين بذلك، ولا حل لمواجهة المتغيرات فى الحياة سوى المرونة والاجتهاد المطلق” [المرجع السابق – الجزء الثالث – صـ177] وهو يؤكد “أن كل تقدم فى العلم والمعرفة يجعلنا نواجه وجودنا الغامض ، مواجهة بعيدة عن العواطف والأوهام فلابد  من أن تتغير نظرة الناس إلى الطبيعة والى البيئة حسب ما يأتى به العلم من قوانين وليس على حسب أوهام الخرافات وجمود التقاليد. والعلم يجعل الناس يعتقدون أن الحاضر من صنع أيديهم وأنهم يستطيعون تغييره” [السابق – الجزء الثامن – صـ146] وتكمن المشكلة فى رجال الدين الذيم يمجزون عن ربط الدين بالحياة العلمية لأن تمسكهم بالظاهر يفوق تمسكهم بالجوهر، لأنهم كانوا من أهم أسباب تخلف المسلمين عن ركب الحضارة” [حياتى – صـ114] . ثم هو ينتقل الى رفض فكرة الحاكم الدينى “فالحكومة من عمل الشعب وليس من عمل القدر ، وصاحب السلطة يستمد شرعية وجوده من الأمة التى ينتمى إليها ، وليس من أية قوة ما ورائية” [يقصد بالطبع ميتافيزيقية] ويمضى أحمد أمين فى مواجهة الحكام فى شجاعة غير مفترضة فى مثقف أكد أنه يخاف السياسة و السجن والمطاردة فيقول “إن أكبر نصر نشأ عن النزاعات السياسية هو تقرير حقوق الإنسان وسيادة المبادئ التى تقرر أن الحكومة إنما وظيفتها أن تخدم كل الطبقات على السواء” [فيض الخاطر– الجزء العاشر – صـ165] ثم هو يناطح النظام الملكى بأكمله “فالنظام الجمهورى هو الأفضل فهو ينتج عزة النفس وارتفاع الرأس ، لأن حاكمه لا يستمد شرعيته من أسرة مالكة أو قوة غيبية” [السابق – الجزء التاسع – صـ125] ثم يتساءل كيف أن المسلمين قد توقفوا عن التطور والاجتهاد “فالمسلمون لم يلتزموا بالدستور القرآنى إلا فى عهد الرسالة وبعدها بقليل أما ما عدا هذه الفترة فقد عاش المسلمون عيشة منحرفة عن الدين ، وبعد ذلك عادت الجاهلية وقد تسترت برداء الدين ، فتأله الملوك وتوقف تيار التطور إلى أن أصبح اجتراراً لما قيل فى سائر الميادين ، وابتعد عن مواجهة مستجدات الحياة وأضحى عاجزاً عن النظر فى الواقع لفهمه وتغييره عبر العصور ، فيما عدا اجتهادات القرون الخمسة الأولى فإن ما بعد ذلك قد أصبح تقليداً ، والتقليد زيغ عن طريق الحياة الصحيح ، وحاجز أمام عوامل تنشيط النهضة بل أصبح المسلمون يعظمون الماضى ويحقرون الحاضر وتوقف التطور فى كل المجالات حتى اللغة “فهى واقفة حيث وقف المتقدمون ، والمعاجم كما كتب الأولون، والصناعات كما صنع السابقون” [السابق – الجزء الثالث – صـ175] ثم يمضى متحدياً الجميع “والحقيقة أنه ليس لنا من الماضى ما يصلح للمستقبل إلا بعد غربلته وإبعاد ما تعفن منه” [السابق – الجزء الأول – صـ204] ثم يتمادى رافضاً التقليد للغير حتى ولو كان الرسول [السابق – الجزء الأول – صـ204] وبهذا يتخطى أحمد أمين كل المحظورات ويمضى غير مبال لمساندة نظرية داروين مستنداً إلى الآية الكريمة “فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض” [الرعد27].

               وتتعالى صيحات التنوير والتكفير متصارعتين .. فيكون جديد . 

 

 

التعليقات متوقفه