أمينة النقاش تكتب : البطحة الأمريكية

99

 ضدالتيار

فى كتابه” محاوراتى مع السادات” ذكر أحمد بهاء الدين أن الرئيس السادات فى أوئل عام 1974وفى معرض حديثه عن أن مثله الأعلى بين كل زعماء العالم هو “شاه إيران” قد برر له ذلك بقوله نصا:

زعماء عدم الانحياز بتوعك ملأوا الدنيا ضجيجاً منذ سنوات: نهرو ونكروما وسوكارنو وحتى عبدالناصر وحتى تيتو اللى لسه عايش.. أين هم الآن؟ راحوا فين: اللى مات واللى انهزم واللى راح فى انقلاب واللى انكمش داخل حدوده زى تيتو. واحد فقط من هذا الجيل وهذه المرحلة كلها باق على مقعده بكل سلطانه وهيلمانه والدنيا تسعى إليه وهو شاه إيران.. والسبب بسيط كل هؤلاء تصوروا أن فى العالم قوتين عظيميين هما روسيا وأمريكاوحاولوا التعامل معهما على قدم المساواة والحقيقة غير ذلك تماماً فهناك دولة عظمى واحدة هى أمريكا وروسيا ليست دولة عظمى ثانية أنها تأتى بعد امريكا بعشر أو بعشرين درجة وبعدهما دول أوروبا واليابان. فقد كان شاه إيران هو الوحيد الذى أدرك هذه الحقيقة قام عمل إيه؟ قعد على حجر أمريكا، ومسك فى هدومها وأديك شايف كل أصحابك راحوا، الشاه عملتله امريكا اللى هو عايزه، قامت ثورة وهرب إلى ايطاليا، والأمريكيون جابوه ورجعوه وقعدوه على العرش لحد دلوقت!.

غنى عن القول أن الاشارة الأخيرة فى حديث السادات هى للإنقلاب الذى دبره جهازا المخابرات الأمريكية والبريطانية فى أغسطس عام 1953 ضد رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطياً “محمد مصدق” الذى رغب فى تأميم شركات النفط، وإعادة الحياة الدستورية إلى البلاد، بعد أن نجحا الجهازان فى حشد الجماهير الإيرانية ضده لمطالبته بالرحيل فى بداية مبكرة “للربيع” الذى انتقل بعد ذلك إلى الدول العربية..

وبرغم أن الرئيس السادات عاصر بنفسه نهاية “مثله الأعلى” فى عام 1979 حين اندلعت ثورة الخومينى فى إيران وتخلت واشنطن عن صديقها “الشاه” ورفضت استقباله على أراضها لكنه مع ذلك لم يغير رأيه فى أن العالم لا تحكمه سوى قوة واحدة هى الولايات المتحدة الأمريكية التى منحها 99% من أوراق المعمورة فى يدها.

تذكرت هذه الواقعة وأنا استمع إلى تحليلات معظم المعلقين والمسئولين عن زيارة الرئيس الروسى لمصر والتى تبدأ وتنتهى بجملة متشابهة: علاقتنا بروسيا ليست موجهة لأحد وليست بديلاً للعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية!.

ولم يكن ينقص هذه الجملة سوى أن يقسم المسئول أو المعلق على المصحف أو الأنجيل لتأكيد هذا المعنى البديهى الخائب، الذى يبدو كما لو أن على رأسنا “بطحة نحسس عليها”!.

الرئيس الروسى نفسه يقول، إن روسيا ليست هى الاتحاد السوفيتى الذى سقط، لكنه لا يتوانى عن أى جهد لإعادة بلاده قوة كبرى على الساحة الدولية ومن ناحية اخرى فإن الزمن قد تغير ومصر الناصرية غير تلك التى يحكمها الرئيس السيسى وينبغى أن تستوعب السياسة المصرية درس التاريخ المؤلم الذى يشير إلى أن العلاقة المصرية مع الاتحاد السوفيتى لم تكن أبداً مبدئية واستخدمت على مدار نحو أربعين عاماً للضغط فقط على الولايات المتحدة دون أن تكون هدفاً لذاتها فى أى وقت، بالرغم من النزعات الاستعمارية لدى واشنطن والدور الذى لعبته  موسكو لدعم حركات التحرر الوطنى والاقتصادى فى دول العالم الثالث وبينها مصر بطبيعة الحال،وهما دوران متناقضان لا ينبغى للسياسة المصرية المساواة فيما بينهما.

لدى روسيا بوتين خبرة فنية عالية وعسكرية فى القضاء على الإرهاب تجلت فى إنهاء التمرد الإرهابى فى الشيشان. كما لديها خطة واضحة لإحياء مشروع الضبعة لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية السلمية وعلى السياسة المصرية أن تفتح لها الأبواب واسعة إذا كنا نتحدث عن المصالح العليا للوطن، دون التحسيس على البطحة الأمريكية، أو التسوية العمياء بين قوتين إحداهما تسعى بكل السبل لإسقاط الدولة المصرية والأخرى تمد لها العون لمجابهة المتحرشين بها.

التعليقات متوقفه