فاتن – اللي – ‘ جاعدة ف جلبي ‘

50

مايسة ذكي

رحلت فاتن وخرجت خروجاً أخيراً ناعماً من صخب حياتنا وضوضاء الصراع. كاد أن يصبح الخروج فالعودة نهجاً في حياتها، من مصر وإليها، من القاهرة وإليها، وتأخذ منها العودة تمحيصاً شديداً وجسارة . وينطبق ذلك على الحوار الصحفي أو الظهور التليفزيوني قدر انطباقه على العمل الفني. كانت تلك الحركة التي تتباطأ أحياناً حد الغياب مجاهدة متصلة في إزاحة تطفلات، وضغوط، وانحيازات، وصراعات وأفكار مسبقة، لتكمل الطريق وتغلق أبواباً دون حياتها الخاصة واختياراتها الفنية التي شهدت على تحولات امتدت لعقود، سياسية وفنية ومزاجية، ومصالح تسعى لتثبيت صورة ذهنية نمطية عنها، وعن فنها التمثيلي . أذكر حواراً لها بعد عودتها السبعينية من القرن الماضي إلى مصر – هل كانت (آخر ساعة) أم (المصور؟) – هل كان بعد امبراطورية ميم ؟ – ما أذكره منه هو نظارة، وقراءة، وجلباب بدرجة من الدرجات الوردية يتخللها خيوط ذهبية . كانت قد ولجت في أناقتها إلى عالم الجلباب والقفطان الوثير. كان في وجهها راحة واسترخاء تتحدث عن منتصف العمر بتصالح غير مسبوق، وكأنها توصد الباب دون ضجيج صراعات النجومية والعشق وغرور الشباب. يبدو لي أنها قد ازدادت حرصاً على هذا الفصل بين الحياة والفن، بين واقعها ومتخيلها، وازدادت صعوبة إصرارها على رؤيتها الفنية ومكانتها رغم رغبتها في الانفتاح على عيون فنية جديدة .فقد رحل العشاق القدامى تباعاً أو اعتزلوا، المخرجون والممثلون، فهل من غواية جديدة ! عالم متغير، وعمر يتقدم، وحرص على وجود افتراضي خارج المنافسة … تحاول دائماً أن تخرج بيضاء بغير سوء، فأي قوة وأي عزلة لصاحبة الصورة الأرق والأكثر ترفعا في الحلول والأطر الأدائية . في عام ٢٠٠٦ كنا نقوم بتدريبات على مسرحية ( حفلات التوقف عن الغناء ) للمخرج المتميز طارق الدويري على مسرح الهناجر،والمأخوذة عن (القصة المزدوجة للدكتور بالمي)، فإذ بالزميل أحمد مختار ينطق على نحو عابر بجملة من حوار سعد الدين وهبة الأشهر ” خليك نبي وانشر دعوتك ” في ( الخيط الرفيع ) وأجدني أكمل معه الحوار حتى نهايته، يتخلله تضاحكنا من اكتشافنا انتماءنا إلى معين فني واحد. أذكر أيضاً أنني في طفولتي لم أكن أحب فاتن حمامة. ولا أدري لماذا علقت في ذهني صورتها في ( اليتيمتين ) و ( منين أجيب ناس )، وشكلت موقفي منها ومن أدائها، وتداخل عندي الدور بالإنسان فرفضت كليهما . ومع أول مشاهدة لي لفيلم ( الخيط الرفيع ) في عودتها السبعينية قررت مراجعة رأيي في هذه الممثلة التي قلبت كياني ومراجعة أعمالها وإعادة قراءتها في تتابعها وتطورها، وفي سياقها الفني والاجتماعي . وإني لأعجب كيف يكون بإمكان شخص في مقتبل العمر أن يقوم بتلك المراجعة والمتابعة، بينما يتجمد بعضنا عند فيلم أو مرحلة معينة ليبرر كسله أو انحيازاته المسبقة، وتكريسها وتوارثها . خرجت فاتن حمامة الخروج الأخير المتطهر من كل شبهة أرضية مادية تاركة إرثا من الخيال وباباً مفتوحاً على مصراعيه للتجوال . باب اللي … من بين كل فنانات جيلها العظام يظل – في ظني – جزءا أصيلاً من سحر فاتن هذا الحرص المتنامي على وجود تعبيري يتعشق مع جماليات الأبيض والأسود . فهي ليست ممثلة تزامن عطاؤها صدفةً مع قدرات الفن التقنية ساعتها، لكن اسلوبها الأدائي حرص على استلهام رماديات ودرجات التمايز الرهيفة على سلم الأبيض والأسود بحيث لا تهبط أو تنتؤ صوتاً وصورةً عن ذلك السلم الضوئي . وهو أمر أظنه شاقها فنياً إلى أبعد مدى ، وتراوح بين رؤيتها للأنوثة بعامة وفهمها للفن التمثيلي بخاصة . وسأطرق اليوم باباً جانبياً سفلياً طالما تناسيناه مهملاً صغيراً في غمرة اتهامها بالميلودراما، وبوحي من العدد المحدود من الحوارات التي تناقلتها القنوات إثر إعلان نبأ رحيلها، والتي كادت تحلف فيها بالأيمانات المغلظة أنها لا تحب هذا النوع الفني أو أنها تميل للضحك والتفاؤل . سندق برفق على باب الكوميديا الرومانسية والفيلم الغنائي العاطفي، أوهن الابواب فيما يبدو . غير خاف علينا أن فاتن شاركت معظم المغنين ذوي البصمة السينمائية أفلامهم، وكانت الساحة تضج بالمغنيات الممثلات الجميلات، فماذا تصنع فاتن ؟ في ( لحن الخلود ) عام ١٩٥٢، وفي أغنية ‘ جميل جمال ‘ حيث ” الزيطة والزمبليطة في الصالون ” يغني فريد ” ليه الدنيا جميلة وحلوة وانت معايا ” وتكاد تطوي في صدرها ترديدها ل ‘ وانت معايا ‘، ذلك المفتاح الخفي لطبيعة علاقتها بالبطل وحبهما المتغلغل الذي لا يكتشفه إلا بافتقادها. وأن سر سعادته في ‘ وانت معايا ‘ . هذا الذكاء الدرامي الدقيق في التقاط جوهر الحكاية ومهر الأغنية بحروف قلائل من صوتها المعبر . وفي عام ١٩٥٤ تنتقي بدلال متوارٍ وبخفر معجون بشقاوة ذلك الاسم الموصول : ‘ اللي’ عمن يتجاسر فينسى أو ينصاع فيهوى، وتكرر ‘اللي’ التي تأتي في ذيل ” … واللي يهواك اهواه ” من أغنية محمد فوزي، وفي إشارة لا تكاد تبين أو تتعمد إلى نفسها، فترشق – بلغة كل عصر – في قلوب الناس وتتواصل بهذا الخطاف الدقيق، واسأل عشاقها الكثر عن ‘اللي’ تلك في ذاك الزمان، والتي شبكتها أيضاً بخفة روح محمد فوزي في فيلم ( دايماً معاك) . وفي ( موعد غرام ) نصل إلى هذا التوازن اللافت بين خفة روحها ورهافة الشعور . ربما لا يكون هذا الفيلم لعبد الحليم حافظ هو الأقوى أو الأثرى لكنه – في ظني – الأرشق. فدقة جسديهما تؤلف بينهما وتتلاقى بساطتهما العفوية في الأداء. وصحيح أن الفيلم يردد البنية الجسدية الضعيفة للبطلة ورهافة الشعور التي تدعوها لتكتم أوجاعها ومرضها كما في ( لحن الخلود )، إلا أن طلاقة وقوة شخصية المرأة الجديدة في عام ١٩٥٦ تنقل الفيلم نقلة مزاجية بعيدة. ورغم أنها لا تتبادل مع حليم جملة غنائية إلا أن أغاني الفيلم في نصفه الأول المرح تحظى بدينامية إيقاعية وحركية غير مسبوقة، مدعومة بردود أفعالها وهي تتهرب منه في كل من “حلو وكداب” و ” صدفة ” في حديقة الأسماك. ويتورد الفيلم بمدرسة أداء الكوميديا الخفيفة ممن لا تتوقع منهم تماماً، ووحدهم، هذا اللون مثل فاتن وزهرة العلا ورشدي أباظة، وعلى هذا النحو المتناغم. وأظل أدور لسنوات أحاول أن أتذكر أين تقع هذه الجملة التي ترد كأمثولة في ذهني في أكثر من موقف : هي الكازوزة بتعمل كل ده ، أنا كنت فاكراها بتهضم بس ! حتى عاودت رؤية (موعد غرام) صدفة’!’،فتلقفت الأملوحة بذات البهجة وتقدير الألمعية للكاتب يوسف عيسى مع تألق الجميلة زهرة العلا حين علقت على نوال / فاتن هذا التعليق بعد مطوَّلة من الخطة التي أفشتها الأخيرة بثقة وتدفق: ” لو شربنا الكازوزة معناها ان مفيش تكليف ومادام مفيش تكليف يبقى بقينا أصحاب ومادام بقينا أصحاب يبقى بقينا أحباب ومادام بقينا أحباب يبقى مفيش مانع ناخد لنا صورة ‘ إلى الأبد ‘ “! ولعل عماد عمدي في هذا الفيلم برصانته وجديته يمثل سردياً وأدائيا همزة الانتقال بين مزاجي الفيلم. فيحل السكون والانفصال محل الحركة الدائبة في تلقي الأغنيتين الأخيرتين. وإن تميزت جميع أغاني الفيلم بالقصر والتركيز، فللمفارقة، تبدو الأخيرتان في حفلتي المغني الناشئ بالفيلم أسرع عبوراً على الشاشة. وتباين فاتن في التعبير بوجهها على جلوسها أو تمددها صامتة مشلولة في أغنيتي : ‘ بيني وبينك ايه ‘ و’ لوكنت يوم أنساك ‘، ويتقاطع مونتاج حساس فيما بين وجهها الدقيق وعبدالحليم وزهرة وأباظة. وتطور وتعمق هذا المسار الوحيد لدمع جانبي مع وجه ساكن يتماس مع الأغنية الأخيرة سيكون فيما بعد نموذجا لفنانات أخريات في التعبير في نضجهن عن ألم عظيم . يبدو كنزف شفاف لألم دفين يترفع عن الإبانة. الحركة الأوهن في الكاميرا تحقق تأثيرا طاغيا . يذكرني تأثير وجود فاتن على عناصر الفيلم إيقاعاً وأداء وتصويراً بما تلقته أذناي يوماً بعيداً غائماً في حوار تليفزيوني نادر لشاعر الغناء مرسي جميل عزيز، وهو يشير إلى تأثير صوت عبد الحليم على تغيّر لغته وطبيعة المشاعر التي طرقها له ولغيره فيما بعده . ملحوظة جانبية تفسر مشواراً وتفاهماً طويلاً: بلا تعمد أو قصدية وبعد أن تتبعت الفكرة تبين لي أن الأفلام الثلاثة إخراج هنري بركات … نضرب مثلاً بأيسر اللمسات، بأبسط الأنواع السنيمائية وأكثرها شعبية. من الباب ” اللي ” نحب نودع منه فاتن حيث يروق لبعضنا أن يتخيلها وهي تغمز لنا غمزة ( أريد هذا الرجل ) لتوفيق الحكيم عندما اقتنصت رجلها بكامل إرادتها وبهائها الأربعيني. تغمزنا بأخيلة العمر المديد، وقد أمَّنت بمكر واقتدار صندوق خيالها في واقع فني وسياسي شرس ومتقلب. ترحل ب ” كامل مشمشها “، طفلة المشمشية اللذيذة، وتشق دمعنا بضحكتها ‘ الجنان ‘ ! فاتن اللي جاعدة في جلبي …

التعليقات متوقفه