لقمة العيش.. على أصوات طلقات المدافع.. وإجرام “داعش”

36

الإهمال يدفع المصريين للهجرة هرباً من الفقر.. والحكومات تساند تصدير العمالة للخارج

فشل متواصل فى إدارة أزمة عودة العاملين بالخارج.. “شو إعلامي” للقوى العاملة

 

إهمال البشر.. العنوان الأبرز للسياسات الاقتصادية للحكومات المتعاقبة على حكم مصر منذ أواخر عهد عبدالناصر وحتى الآن.. فأهملت تلك الحكومات التنمية البشرية وفشلت السياسات الاقتصادية فى خلق فرص عمل جديدة للعمالة، وسارعت الحكومات إلى تشجيع تصدير العمالة المصرية للخارج هربا من الأزمة الداخلية تحت شعار “رخص العمالة المصرية ومهارة العامل المصري” دون وجود غطاء لحماية هذه العمالة فى الخارج.. أو حتى وجود إدارة فى حالة الأزمات وعودة هذه العمالة لمصر مرة أخرى كما حدث مع العراق وليبيا، ويتكرر الآن فى ليبيا أيضا.

الحكومات المتعاقبة فشلت فى إيجاد خطة لاستيعاب العمالة العائدة فى السوق المصري.. وفجرت عملية ذبح 21 قبطيا فى ليبيا على يد “داعش” أزمة العمالة المصرية فى الخارج والداخل من جديد.. لكن بعد هدوء الأزمة فى ليبيا ستعاود العمالة السفر مرة أخرى بحثا عن لقمة العيش رغم الخطر.. فليس هناك بديل أمام صيحات الجوع سوى المخاطرة.

 

عبدالناصر

بدأت مصر مع بدايات ثورة 23 يوليو أول تجربة حقيقية لتحقيق التنمية البشرية، وبدأت فى الاهتمام بالتعليم ورفعت الدولة شعار التعليم كالماء والهواء، ووفرت الدولة التعليم بالمجان، كما اهتمت بالرعاية الصحية، وحققت مصر إنجازات كبيرة حتى نهاية الخطة الخمسية الأولى 60-1964 واستطاعت إقامة نهضة صناعية تمثلت فى شركات القطاع العام التى استوعبت العمالة المدربة والخريجين الجدد.. وكان “تصدير العمالة” إلى الخارج إحدي أدوات السياسة الخارجية المصرية للمساهمة فى بناء الدول العربية، وزودت مصر هذه الدول بالكفاءات خاصة فى مجالات التعليم والهندسة والطب والأزهر، مما منح مصر قوة ناعمة فى هذه الدول، وحظيت العمالة المصرية باحترام شعوب هذه الدول.

لكن خطة التنمية البشرية اصطدمت بهزيمة 1967، واتجاه الدولة لتكريس كافة مواردها للإعداد لمعركة الكرامة، وأصبح شعار المرحلة “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، وتوقفت المشروعات الصناعية وبناء المزيد منها، مع استمرار التعليم كإحدي الأدوات التى تساعد على الحراك الاجتماعى والتحول من طبقة إلى أخري، لكن التزمت الدولة بتعيين الخريجين، مما أدى إلى انتشار ظاهرة البطالة المقنعة وتكدس العمالة فى القطاع العام والحكومة.

 

الانفتاح الاقتصادي

وفى حقبة أنور السادات، وبعد انتصارات أكتوبر، بدأ السادات فى تطبيق سياسات ما يسمى بـ “الانفتاح الاقتصادي”، وأصبح التعليم فى المرتبة الثانية من اهتمامات الحكومة والبشر، بعد حالات الثراء السريع وظهور قوة المال والقطاع الخاص، فى الوقت نفسه لم تضع الدولة خطة لتطوير التعليم ليتلاءم مع متطلبات السوق الجديد، مما زاد من أعداد البطالة فى المجتمع، وظهرت أصوات تنادى بتصدير العمالة المصرية للخارج للتخفيف من حدة أزمة البطالة خاصة بعد تراجع مؤشرات التنمية البشرية.

 

الرأسمالية المتوحشة

استمرت تلك السياسات فى عهد الرئيس مبارك، وشهدت قطاعات التعليم والصحة تدهورا مستمرا خلال حكمه، كما قلصت الدولة من عدد الوظائف فى الجهاز الإدارى للدولة، بعد الاعتماد على القطاع الخاص كشريك أساسى للتنمية، وتركت له الحبل على الغارب، وأهتمت الدولة بمحاولة تحقيق معدلات نمو عالية وصلت فى أواخر عهد مبارك إلى 7% دون وجود آليات وبرامج لإعادة توزيع عائد النمو على المواطنين، الأمر الذى زاد من حدة الاحتقان داخل الشعب المصرى مع زيادة البطالة وإهمال التعليم والصحة.. فكانت ثورة 25 يناير 2011.

ويكفى الإشارة إلى موازنات التعليم والصحة فى عهدي مبارك والسادات ونسبتها إلى الناتج المحلى الإجمالى لمعرفة مدى تدنى تلك الخدمات مقارنة بالدول الأخرى ذات الدخل المتوسط، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل زاد من حدة الاحتقان إهمال الصعيد، وشهدت منحنيات البطالة والفقر صعودا كبيرا فى عهد مبارك خاصة فى السنوات العشر الأخيرة من حكمه.

ولم تحاول الحكومات المتعاقبة معالجة الأوضاع والعمل على تحقيق تنمية شاملة فانخفضت كفاءة العامل المصرى لعدم وجود مراكز للتدريب وتدهور مستوى الخريجين من الجامعات والمعاهد، وأصبح التعليم بلا قيمة.

 

بيانات

بيانات الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء تكشف عن ارتفاع نسبة الفقر فى مصر من 16.7% من السكان عام 2009 إلى 26.3% عام 12-2013، وارتفاع نسبة الفقر المدقع خلال الفترة نفسها من 2.9% إلى 4.4% من عدد السكان.

الأخطر من ذلك أن الاحصائيات تشير إلى أن 49% من سكان ريف الوجه القبلى لا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الأساسية، وتنخفض هذه النسبة فى حضر الوجه القبلى إلى 27%، بينما 16% من سكان المحافظات الحضرية فقراء عام 2013 مقابل 7% عام 2008، ويسكن 49% من الفقراء فى ريف الوجه القبلي، ويعيش 27% من السكان فى الوجه القبلي.

وتصل نسبة الفقر إلى أعلى مستوى فى محافظتى أسيوط وقنا، حيث بلغت 60% فى أسيوط و58% من السكان فى قنا، وفى سوهاج تصل إلى 55%، وفى أسوان 54% من السكان، وتكشف الإحصائيات أن 30% من الفقراء يعملون فى عمل غير دائم.

وأمام كل هذه البيانات والإحصاءات كان من المنطقى أن يهاجر أهل الصعيد والفقراء بحثا عن لقمة العيش التى لا يجدها فى وطنه دون حماية من الدولة.

 

تجارب فاشلة

تعرضت العمالة المصرية فى الخارج للعديد من الأزمات خلال الفترة الأخيرة، منها عودة العاملين المصريين فى العراق وليبيا قبل سنوات.. وفشلت الدولة فى استيعاب هذه العمالة فى السوق المصري، فكان من الطبيعى أن تعود مرة أخرى إلى العمل تحت هذه المخاطر.

والآن تكرر الحكومة نفس المنهج، بل الأغرب أن وزارة القوى العاملة أعلنت عن توفير 33 ألف فرصة عمل للعائدين من ليبيا، لكن الصدمة عندما تكشف أن القطاع الخاص كان قد أعلن عن 100 ألف فرصة عمل منذ عدة أشهر لم يتقدم لها سوى 67 ألفا، وعرضت وزارة القوى العاملة فى “شو إعلامي” هذه الوظائف باعتبارها إنجازا لها، وأنها قادرة على إدارة الأزمة دون أن يكون لديها بيانات ومعلومات حول طبيعة وأعداد العمالة المصرية ليس فى ليبيا فقط بل فى الدول العربية الأخري.

تكرار الفشل فى إيجاد فرص عمل للعمالة المصرية وتنمية هذه العمالة سيؤدى إلى العديد من أزمات العمالة المصرية فى الخارج.. فلابد من وضع خطة للتنمية الشاملة خاصة فى صعيد مصر الذى عانى الإهمال سنوات طويلة، وإعادة تدريب وهيكلة العمالة المصرية مرة أخرى لتواكب متطلبات سوق العمل، والعمل على حصر العمالة المصرية بالخارج مع وجود دور قوى للدولة لحماية هذه العمالة.. وإلا انتظروا عودة المصريين مرة أخرى إلى ليبيا أو العراق أو الموت فى مراكب الهجرة غير الشرعية.

 

التعليقات متوقفه