تسبق في مكانتها العالمية المجلس الدستوري الفرنسي والمحكمة العليا بأمريكا: إنهم ينتقمون من المحكمة الدستورية العليا

105

التيار الإسلامي يحاول استبدال مؤسسات الدولة بأخري موالية لحكم الإخوان

كتبت: نسمة تليمة

خاضت جماعة الإخوان المسلمين معارك كثيرة ضد القضاء المصري في الفترة الأخيرة واتهمته «بتسييس أحكامه» وآخر هذه المعارك ما يتعلق بالمحكمة الدستورية العليا والتي لها سمعة عالمية خاصة جعلتها تصنف ضمن الخبرات القضائية المهمة التي تدرس علي مستوي العالم وتسبق في مكانتها الرفيعة المجلس الدستوري الفرنسي والمحكمة العليا في أمريكا ومؤخرا قدم أحد أعضاء الجمعية التأسيسية وهو اللواء عادل عفيفي رئيس حزب الاصالة مشروعا بإلغاء المحكمة الدستورية العليا وإنشاء بدلا منها محكمة شرعية عليا للمراقبة وهو الاقتراح الذي أثار جدلا واسعا واعتبره البعض محاولة من التيار الاسلامي للانتقام من هذه المحكمة بعد أن وقفت بأحكامها ضد جماعة الإخوان المسلمين والرئيس محمد مرسي مثل إلغاء قراره بعودة البرلمان، هذا بخلاف الحديث عن الباب الخامس في الدستور الجديد والذي قد يقلص اختصاصاتها أو يعيد هيكلتها.

تقول المستشارة «تهاني الجبالي» نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا في تصريحات خاصة «للأهالي» أن معظم الهيئات القضائية رفضت مشروع «القضاء الموحد» الذي تم طرحه والذي يعصف بوجود الهيئات القضائية المستقرة العريقة مثل مجلس الدولة والمحكمة الدستورية العليا ويؤدي إلي تقليص حجم هذه المؤسسات العريقة لصالح تقزيم دورها وتحويلها لمجرد دوائر في محكمة النقض كما طالب المشروع وعلقت «الجبالي» علي مثل هذه المحاولات أنها تعيدنا للخلف عندما طرح هذا بالاربعينيات في القرن الماضي قبل أن ينشأ مجلس الدولة بكل تاريخه الذي أدي فيه دور حماية المشروعية وحماية الحقوق والحريات ثم حين انشأ القضاء الدستوري سنة 1969 وأدي دوره بعدها في حماية الحقوق والحريات العامة ووضع الإطار الدستوري لتطبيق المواد المرتبطة بمواد الدولة والمساواة امام القانون وحقوق المواطنة والعدالة الاجتماعية وأثر في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وأدي دورا كبيرا في ضبط العلاقات في المجتمع وأرسي قواعد راسخة ومعايير دستورية ولهذا ما يحدث محاولة للعصف بكل هذا التاريخ وهو أمر غير مقبول ووصفته الجبالي «بالمذبحة للهيئات القضائية» وليس اصلاحا وانها حمدت الله لتراجع البعض عن الفكرة وعدم حدوث استجابة لمثل هذا القانون لانتفاضة السلطة القضائية ضده.

ورداً علي الحديث عن احكام الدستورية العليا المسيسة» كما وصفها انصار التيار الاسلامي ومحاولات جعل رقابتها علي دستورية القوانين السياسية رقابة سابقة وليست لاحقة مثلما هو حاليا ردت الجبالي ان هذه المحاولات هي بعينها تسييس القضاء وتاريخ الدستورية يؤكد أنها شديدة الاستقلال لأي سلطة ولانها واجهت نظامين سابقين هما «السادات ومبارك» وأدت دورا مهما لتسيير الاوضاع المعوجة، وتوضح الجبالي ان القضاء الدستوري قضاء رؤية والرؤية بها مضمون اجتماعي وثقافي وسياسي ولكنه في نفس الوقت يجب ان يكون خادما للمواطن وليس للسلطة الحاكمة وتضيف «الجبالي» ان السلطة الحالية تريد لهذا القضاء أن يحكم بما تريد في حين ان يمارس اعلي صور استقلاليته في وقت اتخاذه أي قرار وتشير الي حكم حل البرلمان وتناسي البعض تاريخ المحكمة الدستورية العليا وتعليقهم علي هذا الحكم رغم أنه حكم بها من قبل 5 مرات في أحكام مشابهة ولم يجرؤ أحد من السخرية من الحكم بجانب ان مكانة الدستورية العليا الرفيعة في العالم تؤكد كذب ادعاءاتهم وانها اقرب لحملات التشويه المتعمدة ربما لأن البعض لا يريد للمؤسسات المرجعية في هذا المجتمع ان يستمر دورها لوجود تصورات مغايرة لديها فهناك محاولات لعمل دولة مختلفة عن مصر المدينة الحديثة التي اعتدنا ان نحيا في ظلها.

خروج عن الشرعية

وحذرت «الجبالي» من المساس بهيكلة المحكمة الدستورية العليا وقالت «سيكون لنا موقف اكيد فأي محاولة لاقصاء التشكيل القائم واحلال تشكيل بديل عنه هو في النهاية عزل لهؤلاء وارتكاب خطيئة دستورية كبري لا يجوز أن تمر لأننا لو قبلنا فكرة العزل معناه الموافقة علي وجود سلطة مطلقة قائمة علي اتخاذ أي قرار دون حيثيات في ظل وجود ضوابط دولية لا يجوز انتهاكها واذا حدث سيكون بمثابة خروج علي الشرعية الدستورية ويترتب عليه اخطر ما يكون علي أرض الواقع، وايضا نبهت الجبالي في نهاية حديثها لمحاولات تشويه المحكمة الدستورية العليا وتشويه سمعتها وهم خلاصة قضاة مصر وتاريخهم جميعا مشرف علي المستوي العلمي والمهني والدولي ووصفت المرحلة الحالية بالارتداد وتكريس مشروع خاص لقوي بعينها وأي قوي تقف في طريقها سيتم اسحاقها وهو امر يجب أن ينتبه له الشعب.

بحاجة لتثقيف سياسي

من ناحية أخري أكد د. وحيد عبدالمجيد المتحدث باسم الجمعية التأسيسية للدستور في تصريح خاص «للأهالي» انه لا مساس بالمحكمة الدستورية العليا داخل مشروع الدستور الذي يتم العمل علي الانتهاء منه الآن.

ولكنه أكد انها تحتاج الي «تثقيف سياسي» رغم ان اعضاءها يؤدون عملهم بشكل جيد ولكن هناك بعض القضايا التي لها طابع سياسي تحتاج لنظرة مختلفة مثلما حدث في أحكامها الكثيرة بحل البرلمان المصري منذ عام 1986 وهي أحكام انتهت في العالم منذ زمن طويل، اضافة الي الخلط بين مفهومي «المساواة والمناصفة» وأمور تفصيلية اخري يحتاج إليها القاضي في عمله لذا هناك فقط حاجة لعملية تثقيف سياسي لها واعتبر «عبدالمجيد» الخوف من الاقتراب من الدستورية العليا في نصوص الدستور ما هو الا فوبيا غير حقيقيقة وقد تأتي في وجهة من بعض القضاة الذين يشعرون انهم لم يتقنوا أداء عملهم.

ويري د. ابراهيم درويش الفقيه الدستوري والأب المنشئ للمحكمة الدستورية العليا انه لا أحد يستطيع الاقتراب منها مضيفا ان الرئيس محمد مرسي بدأ عهده بالصدام معها لأن «الحواريين» كما وصفهم درويش الذين حوله لم يطلعوه علي أهمية وقيمة المحكمة ولا دورها، وقال انها بايجاز تقوم بمراقبة دستورية القوانين والتأكد أن القانون يكون مطابقا للدستور وتفسيرها واضاف درويش انه الاب المنشئ لها وانه كتب نصوصها الخمسة في الدستور سنة 1971 بتفويض من مقرر السلطة القضائية المرحوم المستشار بدوي حمودة وانه اتخذ ارقي نوع من الرقابة الدستورية وهي رقابة الالغاء بمعني ان القانون المخالف للدستور يكون منعدما منذ ولادته وليس منذ الحكم عليه.

وحذر «درويش» من المساس بالمحكمة وانه لم يسبق لأحد ان اعتدي عليها وإذا حدث أي تقييد لاختصاصاتها أو مساس بها فسيكون في رأيه كارثة أكبر من نكسة 1967.

تاريخ المحكمةالمحكمة الدستورية العليا هي المحكمة «العليا» في الجمهورية وتعتبر هيئة قضائية مستقلة عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية في مصر لانها تتولي الرقابة القضائية علي دستورية القوانين واللوائح، ومهمتها مراقبة تطابق القوانين مع مواد الدستور فهي تقوم بإلغاء القوانين التي تخالف نصوص ومواد الدستور المصري وتؤلف من رئيس ومن نائب أو أكثر للرئيس وعدد كاف من المستشارين تصدر الدستورية العليا احكامها من سبعة مستشارين واحكامها نهائية لا يمكن الطعن فيها بأي طريقة من طرق الطعن. تاريخيا طرحت مسألة رقابة القضاء لدستورية القوانين في مصر علي المستوي الفقهي والقضائي قبل ان تطرح علي المستوي التشريعي لفترة زمنية طويلة فعلي المستوي الفقهي ايد الفقه حق المحاكم في مراقبة دستورية القوانين التي تطرح عليها والامتناع عن تطبيقها في النزاع المعروض عليها دون التعرض للقانون ذاته أو القضاء ببطلانه وكان أول من أيد ذلك المستشار «برنتون» رئيس محكمة الاستئناف المختلط في محاضرة ألقاها عام 1920 بعنوان «مهمة السلطة القضائية في المسائل الدستورية بالولايات المتحدة ومصر» وقد آثار هذا الرأي جدلا فقهيا واسعا انتهي الي أن اقر الغالبية العظمي من الفقهاء حق القضاء المصري في رقابة دستورية القوانين بطريقة الامتناع ويذكر أن انشاء الدستورية مر بعدة مراحل حتي أصدر الرئيس جمال عبدالناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة قرارا بالقانون 81 لسنة 1969 بانشاء المحكمة العليا التي تأسست فعليا في عام 1970 وتولت مهمة الرقابة الدستورية ويري الكثير من الفقهاء ان ذلك القرار قد عوض وبشكل كبير عن الفشل الذي اصاب مشروع لجنة الخمسين ظلت المحكمة العليا تمارس مهامها الدستورية الموكلة اليها حتي تأسيس المحكمة الدستورية العليا في 1979 م أما بخصوص تسميتها «بالمحكمة الدستورية العليا» فبصدور دستور 1971 وهي المحكمة التي تنظم رقابة دستورية القانون وجعلها هيئة قضائية مستقلة بعد ذلك صدور قانون المحكمة الدستورية العليا بالقانون رقم 48 لسنة 1979.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق