حسين عبد الرازق يكتب: سلطة القوات المسلحة

117

لم يكن حكم المحكمة الدستورية يوم الخميس الماضي ببطلان مواد في قانون انتخابات مجلس الشعب، وبالتالي بطلان مجلس الشعب الذي انتخب طبقا لهذا القانون وعدم دستورية تعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية فيما عرف تجاوزا بقانون العزل.. مفاجأة لأي مهتم بالشأن العام ومتابع للحياة السياسية منذ 11 فبراير 2011 وتولي المجلس الأعلي للقوات المسلحة إدارة البلاد.

فقانون «العزل السياسي» قانون تفصيل يفتقد للشرط الأساسي لأي قاعدة قانونية وهي أن تكون عامة ومجردة. فالسادة النواب الذين قدموا المشروع والذين ايدوه من خلال مناقشة مواده اكدوا بوضوح أن القانون يهدف إلي عزل عمرو سليمان وأحمد شفيق ومنعهما من خوض انتخابات رئاسة الجمهورية. إضافة إلي اسباب العوار الأخري مثل اعتبار تولي منصب حكومي محدد سببا في حد ذاته للعزل السياسي، وأن يتم العزل دون تحقيق ودون صدور حكم ادانة قضائي..إلخ.

أما قانون انتخابات مجلس الشعب فمنذ طرح للنقاش العام وطلب من الأحزاب السياسية مناقشته وابداء الرأي فيه، اعترض كثيرون علي الجمع بين نظام الانتخابات بالقوائم النسبية ونظام المقاعد الفردية وعلي تمييز المنتمين لاحزاب سياسية (وعددهم لا يتجاوز 3% من الناخبين في أحسن الأحوال) علي حساب غير المنتمين لاحزاب سياسية (وعددهم يتجاوز 97% من جملة المقيدين في جداول الانتخاب)، وأكدوا عدم دستورية التعديلات التي ادخلت علي القانون لإخلالها بقاعدة المساواة بين المواطنين. ولفتت بعض الكتابات إلي أن المحكمة الدستور ستحكم بعدم دستورية مواد هذا القانون في حالة الطعن عليها، خاصة وهناك حكم سابق صادر عن المحكمة الدستورية العليا في 19 مايو 1990 بعدم دستورية بعض مواد قانون انتخابات مجلس الشعب (38 لسنة 1972) المعدل بالقانون رقم 88 لسنة 1986 ينطبق تماما علي التعديلات التي ادخلت علي القانون عام 2011 وطعن عليها أمام المحكمة الدستورية وحكمت بعدم دستوريتها يوم الخميس الماضي.

ومع أهمية هذا الحكم التاريخي للمحكمة الدستورية العليا، والذي أدي بالضرورة لحل مجلس الشعب (الباطل) فقد ترتب عليه بعض المشاكل، التي وقع علي المجلس الأعلي للقوات المسلحة بصفته الذي يتولي إدارة البلاد عبء البحث عن حلول لها.

> أولي هذه المشاكل تتعلق بسلطة التشريع. فعقب انتخاب مجلس الشعب انتقلت سلطة التشريع من المجلس الأعلي للقوات المسلحة إلي مجلس الشعب. وبحل المجلس تعود هذه السلطة تلقائيا إلي المجلس «العسكري». وفي حال احتفظ بها فهذا يعني استحالة انتهاء الفترة الانتقالية في 30 يونيو كما كان مقررا، واستمرار المجلس الأعلي للقوات المسلحة في ممارسة دوره في حكم البلاد. وإذا قررالمجلس العسكري نقل سلطة التشريع للرئيس المنتخب فسيحوله إلي دكتاتور رغم أنفه حيث سيجمع بين يديه السلطتين التنفيذية والتشريعية، حتي يتم انتخاب مجلس شعب جديد. ولا يبدو في الأفق جهة أو مؤسسة يمكن أن يعهد إليها بممارسة سلطة التشريع.

> المشكلة الثانية تتعلق برئيس الجمهورية القادم. فالإعلان الدستوري ينص علي حلف الرئيس لليمين أمام مجلس الشعب قبل ممارسته لسلطاته. والمطلوب الآن البحث عن جهة دستورية لحلف الرئيس لليمين، وتتجه أغلب الآراء إلي حلف الرئيس لليمين القانونية أمام المحكمة الدستورية العليا. ولكن هذا الأمر لن يتم بصورة تلقائية، بل لابد من سند له في الإعلان الدستوري.

> المشكلة الثالثة والمهمة تتعلق بالقضية التي اثيرت في فبراير قبل الماضي (2011) عندما طالبت الاحزاب والقوي السياسية بأن تتم صياغة واقرار الدستور أولا، ثم تجري انتخابات السلطة التشريعية ورئاسة الجمهورية. ولكن المجلس الأعلي للقوات المسلحة و«ترزية» القوانين الذين استشارهم قلبوا الآية وخالفوا المنطق والسوابق الدستورية وقدموا الانتخابات علي الدستور. والحكم فرصة لتصحيح هذا الخطأ والبدء بصياغة الدستور ثم الانتخابات التشريعية (فانتخابات الرئيس تمت بجولتيها).

> المشكلة الرابعة هي مشكلة «الجمعية التأسيسية» لصياغة الدستور.. فالتشكيل الحالي جاء محملا بكل العوار والمخالفات التي ادت بمحكمة القضاء الإداري إلي إلغاء قرار تشكيل هذه الجمعية. وبالتالي فالتوقع أن تقبل المحكمة الطعون التي قدمت بالفعل علي التشكيل الجديد، ويصبح من الضروري – وقبل تشكيل الجمعية التأسيسية- أن يضع المجلس الأعلي للقوات المسلحة معايير صحيحة للتشكيل، وأمامه المعايير التي توافقت عليها الاحزاب والقوي السياسية في اجتماعها مع ممثلي المجلس الأعلي للقوات المسلحة في ابريل الماضي.

وقد تصدي المجلس الأعلي للقوات المسلحة لهذه المشاكل وأصدر مساء الأحد الماضي إعلانا دستوريا مكملا لحل هذه المشاكل.

فحسم مشكلة أداء رئيس الجمهورية لليمين القانونية فحدد الجمعية العامة للمحكمة الدستورية العليا، في حالة غياب مجلس الشعب.

وصحيح جزئيا خطيئة انتخاب المجالس التشريعية ورئيس الجمهورية قبل صدور الدستور، فحدد موعد انتخاب مجلس الشعب الجديد خلال شهر من إقرار الدستور.

وألغي النص في الإعلان الدستوري الذي كان يسمح بالجمع بين نظام القائمة النسبية الحزبية والمقعد الفردي.

وفتح الباب أمام تشكيل الجمعية التأسيسية بقرار من المجلس العسكري «إذا قام مانع يحول دون استكمال الجمعية التأسيسية لعملها» وهو الأمر المؤكد عند نظر الطعون علي تشكيلها أمام محكمة القضاء الإداري.

ولكن الإعلان الدستوري المكمل أقدم علي أخطر خطوة ستثير مشاكل وزوابع أبعد كثيرا من المشاكل التي تصدي لحلها.

فالإعلان باختصار احتفظ للمجلس الأعلي للقوات المسلحة بسلطة التشريع لحين انتخاب مجلس الشعب الجديد، أي لفترة ستمتد طبقا للإعلان لحوالي خمسة أشهر من الآن، أي لشهر نوفمبر القادم، بما يعني أن الفترة الانتقالية تم تمديدها عمليا بعد الإعلان والتأكيد علي انتهائها في 30 يونيو الحالي!

ونزع الإعلان المكمل من رئيس الجمهورية أي سلطة علي القوات المسلحة «الرئيس عادة هو القائد الأعلي للقوات المسلحة»، وحول القوات المسلحة والمجلس الأعلي لها «بتشكيله الحالي» إلي سلطة رابعة فوق السلطات الثلاث المعروفة.

والذين وصفوا ما حدث بأنه انقلاب عسكري ناعم، لم يتجاوزا الحقيقة للأسف الشديد.


اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق