فريدة النقاش تكتب: "ابو العريف" ..مسرح الشعب

122

شكل الكاتب عبدالمنعم عبدالقادر مع المخرج حسن الوزير ثنائيا مسرحيا دأب علي الحفر في التراث الشعبي عميق الجذور في التربة الحضارية لوطننا طامحين معا لاستكمال ما كان قد بدأه كل من «توفيق الحكيم» و«يوسف إدريس» من جهود للتوصل إلي قالب مسرحي شعبي يلهمه هذا التراث ويمده بماء الحياة، فكتبا نصوصا نظرية وقدما أعمالا مسرحية تضع هذه الأطر النظرية موضع التطبيق حين قدم «توفيق الحكيم» «يا طالع الشجرة»، وقدم يوسف إدريس «الفرافير» وحينها وجد كلاهما بيئة فنية واجتماعية.. سياسية مكنتهما من اختبار التجارب التي كتبوها مع الجمهور الذي قامت علي أكتافه نهضة المسرح المصري في الستينيات من القرن العشرين، وإضافة إلي الجمهور الشغوف المتذوق نشأت حركة نقدية مواتية استجابت للتجربة بأدوات جديدة ثم أخذت تتواري أمام قوة الثقافة التجارية الاستهلاكية التي اجتاحت البلاد علي أجنحة الرأسمالية الطفيلية وما سمي بالانفتاح الاقتصادي الذي فتح الباب للنفايات في كل مجالات حياتنا، سواء نفايات البضائع أو نفايات الثقافة.

وعلي مسرح الهناجر الآن يجري عرض «أبوالعريف» كخطوة جديدة أو كما سماها مؤلفها عبدالمنعم عبدالقادر بردية جديدة وهي الخامسة في سياق العمل المشترك مع المخرج «حسن الوزير» ويقول عبدالقادر إن الثقافة المصرية تتميز بوجود وجه شفاهي قوي يتمتع بخصائص تنبع من العمق الحضاري لهذا الشعب العريق وتوقف الكاتب المسرحي أمام قدرة الشعب علي التمييز بين الخير والشر، والتعبير عن موقف صحيح من كل منهما في مسار التجربة الحية، ولم تكن ثورة 25 يناير، في جوهرها حسب قوله إلا تعبيرا كليا وجامعا عن هذا الموقف، وكان هذا بكل أشكال التعبير الممكنة و«أبوالعريف» هي باكورة ما تقدمه «جماعة المحروسة» للمسرح المصري التي تسعي إلي تخليق مسرح يعبر عن هويتنا المصرية الجامعة ويشكل بذلك إضافة للتراث المسرحي الغني ويكون إيذانا باستعادة جمهور المسرح الحقيقي بعد أن أفلست الأشكال التجارية الاستهلاكية.

وإذا كان مفتاح هذا العرض الممتع القائم علي تقطير فنون الشعب وبلورتها هو الصراع التاريخي بين المصريين وحكامهم المستبدين، فإن مفتاح تشكيله هي كلية الحركة الدائبة علي المسرح المستمدة مباشرة من فعل الثورة وحيث برزت قدرة المخرج وفريق العمل الرائع الذي اختاره وعمل معه دون أجر علي تحريك المجموعات لتكون حركتها معادلا لهذا الفعل الثوري المبدع الذي أطاح بأحد أقوي المستبدين.

وتدلنا أسماء الشخصيات علي المنحي الساخر والذي يصل إلي حد «الفارس» أو الأفعال الغرائبية المفرقة في مجافاتها للواقع، وذلك في شكل الصراع بين الحكم والشعب فهناك حمبوزة «محمد مديح» وأبوالعريف «كرم أحمد» وميموس الأول «محمود بغدادي» وذهبية «دعاء» وحسن شر الطريق «هاني إبراهيم» وبره بره «أشرف فؤاد» وجوه جوه «حسن عبدالوهاب والشاطر حسن «عماد عبدالعظيم» وست الحسن «شيماء فوزي» والأراجوز «عادل ماضي» وجحا «عبدالرحمن السيد» وحجاج أحمد شعراوي، والسقا إسلام الحسيني، ومصري مسلم «محمد أمين» ومصري مسيحي «حسن إبراهيم» وأم الخير «آية محمود» والوتدخانوم «ولاء» والشلبي «مصطفي شيتوس» والأنونجي «حمادة شوشة» و«علمي علمك» دعا الفولي وأبوجراد «محمود فتحي» والحلو منه فيه «محمد عزت».

قصدت أن أسوق أسماء كل الفريق لأننا بصدد عمل جماعي حقيقي مفعم بحرارة الاقتناع ونبل الرسالة التي عبر عنها المؤلف الموسيقي «أحمد خلف» وأشعار محمد الشاعر واستعراضات سيد النهاوي وأزياء فايزة نوار وديكور وإضاءة إبراهيم النوي الذي قصد أن يفرق المسرح علي الطريقة البرخستية بالضوء الأبيض في غالبية المشاهد حتي يبعد عنا الأوهام ويكثف حالة «المسخرة» الشاملة التي أنتجها تفاعل النص والحركة.

وبوسعنا أن نتوقف أمام الأداء المميز واللافت لكل من مصطفي شيتوس الوريث، وحمادة شوشة ترزي القوانين الذي زاوج بمازورته بين الفساد والاستبداد.

ما يلفت النظر أيضا في هذا العرض أنه بالرغم من شفرته السهلة ورسالته الواضحة يبقي الجمهور مشدودا إلي وقائعه عارفا بأن النهاية سوف تكون بداية لعالم جديد سيكون للمسرح الحقيقي فيه مكان ومكانة ليزيح عن كاهل الوطن من أسماهم حسن الوزير «مثقفي الخدمة»، هؤلاء الذين يعادون الفن الحقيقي، ويقومون بدور اللحادلة ولمبدعيه بقي أن حصر العرض في القاهرة وحدها هو ظلم فادح فمكانه الحقيقي هو في أقاليم مصر المختلفة وبين أبناء الشعب المنتج الذي سيقرأ نفسه فيه وهو يعرف أنه مساهم حقيقي في خلقه.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق