إسماعيل عبد الحافظ .. عبقرية الشخصية المصرية

21

بقلم :أشرف بيدس

ان استقطاع أعمال إسماعيل عبد الحافظ الدرامية هو أشبه باستئصال جزء كبير من وعي وثقافة الكثيرين من أبناء هذا الوطن، ليس لكونها مثلت مرآة عاكسة لما يحدث في المجتمع وإنما لأنها ساعدتنا لمعرفة بعضنا البعض، بحراوية واسكندرانية وصعايدة وشراقوة من خلال شخوص وأحداث شديدة الواقعية والصدق ساعدت علي امتداد وانتشار الخصائص المصرية العريقة في كل النجوع والقري والحارات والقصور، وأكدت بيقين ووعي اكتشاف أنفسنا مرة أخري والتحامنا بمشاكل واوجاع واحدة متشابهة حتي وأن اختلفت الطبائع وبعدت المسافات، فالنيل العظيم الذي يجري علي امتداد الوطن والحلم ينهل منه الجميع. فقدم لنا مصر بكل ألوان طيفها في لوحات درامية شديدة التميز والاتقان والابداع، توهجت علي الشاشة وتسللت داخل بيوتاتنا من غير خدش حياء بناتنا وزوجاتنا.

ولد اسماعيل عبد الحافظ في كفر الشيخ (15 مارس 1941 – 13 سبتمبر2012 ) وتخرج في كلية الآداب رافضا العمل معيدا بالجامعة، وامتهن الفن الذي كان يعشقه ليقدم أكثر من 30 عملا فنيا شكلوا ملامح رئيسية في الدراما العربية، ويكفي أن نذكر اسماء تلك الأعمال لنعرف جيدا قيمته الفنية ( ليالي الحلمية – المصراوية – الشهد والدموع- عفاريت السيالة – حدائق الشيطان- شارع المواردي- عدي النهار- كناريا – الاصدقاء- امرأة من زمن الحب- خالتي صفية والدير- الوسية- الموج والصخر, حتي آخر أعماله ابن ليل).

ارهاصات ثورة

مناضلات، ربات بيوت، فلاحات، عاملات، راقصات، غواني, هوانم, ارامل، ثكالي، كلهن أعتني بهن، وقدم كشفا يوميا عن رحلات حياتهن، بما لهن وما عليهن، فعشقنا من عشقن منهن وعذرنا من عذرن، لكننا أحسسنا بأنهن ودون استثناء معجونات مطحونات بطين هذا البلد حتي وأن اختلفت السبل والمقاصد، كما استطاع أن يرصد بكاميرته ارهاصات العمال والطلبة والمثقفين وألمح في كادراته الخالدة أنها بداية لحدث كبير يعتمل في الصدور، ربما ثورة شعب لم يستكن يوما ولم يخضع لأي مستعمر، لم يخف الرجل أي تفصيلة أو ظاهرة اجتماعية، ولم يتلبس يوما بأنه بوق لنظام أو فترة أو عهد، كان يقدم أعماله لمصر، مصر الأم والوطن الكبير من المحيط إلي الخليج.

ان اسماعيل عبد الحافظ الفرد البسيط الحالم نجح فيما لم يفعله الكثيرون ممن ملكوا السطوة والنفوذ، واستطاع أن يجمع الملايين وهم يحلمون ويحلقون مع أعماله التي ناضلت من أجل الفقراء والمهمشين ودافعت عن قضاياهم وأحلامهم، وفي الوقت ذاته لم يعاد الاغنياء والصفوة، بل كان أمينا في رصد مزايا واخطاء الجميع ودون افضلية فئة علي أخري، ربما مثلت أعماله الشعبية الجزء الأكبر من جداريته الدرامية، وذلك لأن جدارية الوطن تزدحم بوجوههم الشقيانة في كل ركن من اركانها، فكان عليه أن يرصد بضمير المؤرخ وحيادية المستنير في اعطاء النسب الحقيقية دون زيادة أو نقصان.

قراءة مصر علي الشاشة

يمكننا بسهولة قراءة تاريخ مصر من خلال أعماله بسهولة شديدة وسلاسة ممتعة وتتابع منظم ومحكم، مع الاحتفاظ بروح وشكل وخصائص وتفاصيل كل مرحلة بمفرداتها اللغوية والشعبية وملابسها ورائحتها ونزقها وهدوئها، بألقها وقبحها، بطيبتها وعنقوانها، دون الدخول في سراديب ودهاليز الرمزية التي تشوه المعاني وتفقدها مضامينها، سواء كانت الاحداث في عشش أو قصور، في بيوت البسطاء أو بنايات المنتفعين، وبحرص بالغ علي تكثيف الاكسسوارات الحسية والمادية والسياسية والثقافية والاجتماعية التي تجعل المتابع ينسلخ من واقعه ويدخل في الحدث مباشرة ودون عناء، والاهم من كل ذلك أن الرصد والطرح يتسم بالشفافية والحيادية.

هو ابن الواقعية الجديدة التي فرضت سطوتها علي الدراما التليفزيونية وطرحت رؤي ومفاهيم جديدة لم تكن متاحة، لكن كاميرته الوفية وحسه الشعبي الخالص بطباع ابناء البلد استطاعت أن ترصد حتي الهمهمات وخصائص هذه الطبقة العظيمة التي حملت علي اكتافها آلام وافراح المصراوية منذ عهود السخرة والاقطاع حتي بشائر النصر، فما أحوجنا اليوم ليرصد لنا تلك المتغيرات الخطيرة التي طرأت علي الشخصية المصرية وفقدت بعضا من سماتها الاصيلة في تلك الايام المرتبكة.

قدم اسماعيل عبد الحافظ كشف حساب لكل فئات الشعب بأمانة وصدق وبحب شديد ووطنية لا تقبل المزايدة أو التأويل، فجاءت شخوصه صادقة ومعبرة عن الواقع سواء اختلفنا أو اتفقنا مع اهوائهم وتطلعاتهم, باشوات كانوا أم بلطجية، مدعين أم وطنيين، حالمين أو تجار السوق السوداء، فكانت تلك الاعمال ذاكرة خصبة للامة ودفترا لاحوالها علي الأصعدة كافة، وبتفاصيل حياتية دون تشويه أو تجميل يفقدها مصداقيتها، كل الشخوص حقيقية من الناس وإلي الناس، وكانت المبالغة خطوطا حمراء لا يقبل الاقتراب منها فلم يكن في حاجة إليها وهو يعلم جيدا أسرار الشخصية المصرية بكل متناقضاتها.

اكتشاف معادن الناس

استطاع اسماعيل عبد الحافظ أن يعيد اكتشاف انماط بشرية وطوائف غابت وسط عمليات التشويه التي مورست علي المجتمع المصري، فأزاح عنها الغبار وأظهر أفضل ما فيها لتندمج مرة أخري مع المجتمع بعد فترة من الخصام والغربة، ضاربا بقوة ناقوس الخطر حول الظواهر السلبية التي بدأت تتسرب إلي مجتمعاتنا في محاولة لتغيير ملامحه الاصيلة، فجاءت أعماله لتحرضنا علي الالتفاف والالتحام مع بعضنا البعض دون اقصاء أو انكار لفئة علي أخري، مؤكدا بكادراته أن وحدتنا هي سر قوتنا التي تجعل من ارادتنا سدا منيعا يمنع اختراقه بأي ظواهر مستحدثة من هنا أو هناك.

لم تكن الصورة ونقاؤها وتفاصيلها الفنية هي شغله الشاغل بل كان التكوين الجمالي لروح الشخصية المصرية الذي ربما لا يظهر للعين المجردة هو ما كان يهتم به ويحرص علي تكثيفه، لذلك فأن أعماله ليست فقط صالحة للمشاهدة علي الدوام، ولكنها تملك عند كل مشاهدة القدرة علي شد الانتباه لأن المتلقي يكتشف عبقريتها وتوهجها وحرفيتها العالية.

تعامل كل ممثلي مصر الكبار مع اسماعيل عبد الحافظ، وقدموا معه أجمل ادوارهم علي الاطلاق، ولكن عند تدقيق النظر والامعان الجيد نكتشف بأنهم جميعا ودون استثناء كانت لهم الحظوة والتميز والتألق في أعماله، حتي أن كشف حسابهم الفني يقترن باسمه في العديد من الأعمال، أما عن تلك المواهب المتمكنة التي اعاد اكتشافها لا يمكن بأي حصرها لأنها تشتمل علي كل نجوم مصر، والغريب أن هناك بعض الاسماء اللامعة التي اقترنت به ضلت طريقها في كثير من الاحيان عندما كانت تعمل مع الآخرين، فالرجل كان يعلم اسرار وامكانات الكثيرين ممن توهجوا معه وفقدوا هذا التوهج مع الآخرين، كما انه كان قادرا علي إخراج أفضل ما لديهم. وكثيرون اكتفوا بالعمل معه فقط، ولو حاولنا تتبعهم فأننا بذلك نتتبع أعماله.

سيمفونيات درامية

اقترن اسم اسماعيل عبد الحافظ بالمبدع الكبير اسامة أنور عكاشة وقدموا معا سيمفونيات درامية نظن انها لن تتكرر مرة أخري، وتلاقت رؤاهم وافكارهم معا في العديد من الاعمال التي مثلت صروحا قوية وعلامات مضيئة في تاريخ الدراما المصرية، وربما أدرك الاثنان في وقت مبكر عزوف الناس عن القراءة، فجعلوا من شاشات التليفزيون كتبا مرئية ومسموعة لكل فئات المجتمع ممن حصلوا علي قسط يسير من التعليم أو ممن فاتهم القطار بأكمله، فكانت عمليات التثقيف والتنوير لتلك الفئة المظلومة من ابناء المجتمع مستمرة من خلال أعمال تهتم بمشاكلهم.

كان يضع نصب عينيه الامي قبل المثقف، العامل قبل المهندس، الرعية قبل الراعي، فالتفت حوله الجميع لأن كل واحد له نصيب من المشاهدة لا يقل عن الآخر، وفي الوقت ذاته يضع يضع نصب عينيه فئات أخري من المجتمع اهتم بتسليط الضوء عليها.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق