المؤرخ عاصم الدسوقي لـ «الأهالي»: «الإخوان» هاجموا اليسار بسبب المنافسة علي احتواء الشارع

83

..عصام العريان لم يجد ما يرد به علي اليسار فلجأ إلي «فرش الملاية»

أجرت الحوار: نسمة تليمة

< < بدأ الإخوان المسلمون جماعة واحدة تحت ريادة حسن البنا في 1928 ثم تنظيما في القاهرة في مطلع عام 1932 ثم ما لبثوا أن تعرضوا للتشرذم ابتداء من عام 1939 بخروج محمد أبو زيد وتأسيسه جماعة شباب محمد ثم بخروج السكري في 1947 احتجاجا علي تصرفات عبدالحكيم عابدين صهر حسن البنا، ثم خروج جماعات كثيرة من تحت عباءة الإخوان ابتداء من التكفير والهجرة والناجون من النار وانتهاء بحزب الوسط الاسلامي».. هذا كان رد د. عاصم الدسوقي استاذ التاريخ بجامعة حلوان والكاتب والمؤرخ الكبير علي اتهام د. عصام العريان لليسار بالتشرذم والتمويل في مقالة بجريدة «الأهرام» ود. عاصم الدسوقي مؤرخ مصري متخصص في التاريخ المعاصر الاقتصادي والاجتماعي وله وجهة نظر مختلفة عن ثورات الربيع العربي التي اعتبرها صناعة أمريكية ليس إلا وطالب بربطها بتسريبات «ويكليكس» كان لـ «الأهالي» معه هذا الحوار < <

> بداية ما الفرق بين التاريخ والسياسة؟

ـ الفرق في الشكل وليس في الموضوع، بمعني ان التاريخ يبدأ حيث تنتهي السياسة، السياسة وقائع عندما يغلق ملفها يبدأ التاريخ وفي هذه الحالة نحتاج إلي وثائق ومصادر لتوثيق هذه الوقائع أما الكتابة عن حدث لا يزال قائما فهي كتابة «انطباعية» أكثر منها علمية وهو ما يفعله الآن بعض الصحفيين أو أعضاء الأحزاب السياسية والكاتب هنا رؤيته تكون في ضوء الحدث، أما المؤرخ فيدرس الحدث بموضوعية مستندا إلي وثائق واضعا في اعتباره جميع الظروف المصاحبة للحدث.

> وكيف تري الفترة الماضية منذ ثورة يناير وحتي تولي رئيس جديد لمصر.. كمشاهد تاريخية؟

ـ يمكننا الكتابة عنها حتي 30 يونيو 2012 لأنها فترة أغلقت رغم انها قد يشوبها بعض الغموض لكنها أصبحت فترة تاريخية ولكن هنا مطلوب توفر مصادر موثقة وتقديم شهادات لكل المشاركين مثلا في الثورة وتوثيقه هنا نقوم بدور المؤرخين القدامي مثل عبدالرحمن الجبرتي.. نكتب ما نشاهده.

> هل المؤرخ يجب أن يمتاز بصفات خاصة؟

ـ المؤرخ لابد أن يكون موضوعيا، والموضوعية هنا معناها أن يترك الموضوع يتحدث ويرجعه الي جميع الظروف، ولا ينتقي معلومات بعينها لتكوين صورة ما، ايضا المؤرخ لا يصدر أحكاما لأنها تدخل في باب علم الاخلاق ونسبية إذن مهمته التفسير وليس الحكم.

> إذن كثير من الوقائع التاريخية قد يشوبها الخطأ لندرة المعلومات؟

ـ بالتأكيد فدرجة الصدف والموضوعية مرتبطة بحجم المصادر المستخدمة والبعض يعتمد علي المذكرات المكتوبة بالقصد والتي يتحدث فيها صاحبها عن شخصيات ولا يتحدث عن نفسه ويجب هنا الحرص في التعامل معها لأن الاصدق «المذكرات الخاصة» أو اليوميات التي تكتبها الشخصية مثل مذكرات سعد زغلول ومذكرات بعض الشخصيات اليسارية.

> بمناسبة اليسار.. وانت كتبت مقالا ترد فيه علي د. عصام العريان الذي اتهم اليسار بأنه ممول.. كيف تري الهجمة الاخيرة من جماعة الاخوان علي اليسار المصري؟

ـ هم ـ الإخوان ـ يهاجمون اليسار بسبب المنافسة علي اضواء الشارع المصري فاليسار خطابه أساسا للشارع والموجودين فيه من الكادحين والجماهير ويتحدث عن الطبقة الفقيرة وطبقة العمال وهؤلاء 80% من الشارع المصري، الإخوان ايضا يحاولون احتواء الشارع المصري ولكن علي طريقتهم الخاصة لذلك فالمنافسة متناقضة، اليسار يعترض علي فكرة البر والاحسان من منطلق ان الفقير كلما وجد من يعطف عليه لن يثور علي أحواله والعكس صحيح لدي «الإخوان» الذين يستخدمون البر والاحسان لاستقطاب الناس اليهم وادخال هذا في «ثوب ديني» هذابخلاف محاولتهم لتشويه اليسار.

لعب الإخوان

> وما شكل المحاولات التي يستخدمها الإخوان لتشويه اليسار؟

ـ مثلا إلصاق الالحاد باليسار وهو مفهوم خاطيء من منطلق مقولة «ماركس» الدين أفيون الشعوب وهي مقولة تم فهمها بشكل خاطيء فماركس كتب عن الدين «انه أعظم رسالة أرسلها الله من أجل سعادة البشرية «لكنه فوجيء باستخدام رجال الدين له بشكل يمنع الناس من الثورة ويحضهم علي الرضا بأوضاعهم مهما كانت سيئة أيضا ربط الشيوعية بالكفر لابعاد المجتمع الشرقي عنها لانها فكر جيد وعلي غرار ذلك العلمانية ايضا.

> كيف تري الصراع بين الإخوان المسلمين واليسار؟

ـ هو صراع منذ البداية كما قلت لاختلاف الافكار تماما وفي السابق كان هناك لقاء بين الإخوان واليسار من أجل التخلص من النظام السابق ولكن بعد سيطرة الإخوان علي التعديلات الدستورية وانتخابات مجلس الشعب اتضح لعب الإخوان وان الثورة انتهت لصالحهم رغم نزولهم بعد يوم 28 يناير وادرك اليسار ان مصر قريبة من دولة دينية ولهذا وجدنا عصام العريان لم يجد ما يرد به علي اليسار فلجأ الي «فرش الملاءة».

> البعض يري أن الإخوان ليس لديهم القدرة علي إدارة شئون البلاد وان إمساكهم يتلابيب الحكم سوف يكشف ضعفهم وقلة خبرتهم؟

ـ أنا كتبت مقالة في يونيو 2011 أي قبل استلام الاخوان الحكم بشكل كامل كتبت «اتركوا الاسلاميين يحكموا حتي ينكشف أمرهم وذلك لانهم ليس لديهم ما يسمي «صنعة الحكم» فالجميع يتم اختياره بفكرة الولاء والطاعة فمن ليس معاديا للجماعة فهو متعاطف معها وبهذا الشكل جاء التشكيل الوزاري والرئاسي.

الإخوان لا يملكون إلا برامج اخلاقية فهم يتحدثون عن الشريعة وتطبيق حدود الله كما ظهر من نماذج القوانين التي قدموها في السابق.

شركة نفضها

> وكيف تري خطابهم الإسلامي؟

ـ يتحدثون عن الاقباط «كشركاء في الوطن» وهو تعبير خاطيء وكلمة معيبة لأن الشراكة يمكن «فضها» احنا اهل الوطن وإذا كنا نستخدم كلمة شركاء سيكون المسلمون شركاء الاقباط في الوطن فكلماتهم تعني دائما الكثير هذا بجانب استخدام الفاظ ارتبطت بظروف معينة لم تعد موجودة من الاساس هم يحكمون بالثابت علي المتغير.

> هل نجحت ثورة يوليو وفشلت ثورة يناير؟

ـ نعم فثورة يوليو بدأت بالاستيلاء علي السلطة وهو ما يسمي بالانقلاب أي قلب الدولة وبعدها بدأت بالفعل تغييرات في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والعدالة الاجتماعية أما يناير فمن قام بها لم يستلم الحكم ولم يحدث أي تغييرات فلا ثورة 1919 نجحت ولا ثورة عرابي نجحت ولا حتي ثورة يناير.

> ولكن ألم تؤد الثورة لجمهورية جديدة كما يطلق عليها الجمهورية الثانية»؟

ـ هذا غير صحيح، وخطأ وقع فيه كثير من الكتاب، أولا ترقيم الجمهوريات اخذناه من الثقافة الفرنسية، ثانيا الجمهورية الاولي في مصر كانت بتولي محمد نجيب الرئاسة والثانية جمهورية جمال عبدالناصر وبداية تنفيذ ثورة يوليو وبعد رحيله جاء السادات خط جمال عبدالناصر فكانت الجمهورية الثالثة أي بداية فلسفة جديدة سار علي نهجها مبارك ويستكملها مرسي لان الاوضاع الاقتصادية فيها مازالت كما هي والعلاقات مع أمريكا واسرائيل ايضا التمييز هنا ليس بالرداء العسكري انما بالفلسفة.

> هل المجلس العسكري حاول ان يلعب مع الإخوان وفشل مما أدي لهذا الوضع هل تراها خديعة أم صفقة؟

ـ الفكرة من البداية كانت مناورة لاضواء الثورة لصالح فلسفة مبارك فالعسكري ظهر بمظهر المؤمن بالثورة وحمايتها وهو ما يفسر عدم استخدامهم للعنف في مواقف كانت تستدعي ذلك مثل مهاجمة الكنائس وقطع الطريق وبمرور الوقت بدأ اختراق الاخوان لقادات الجيش ليس مهما ان يكونوا اعضاء في الجماعة ولكن متعاطفين معهم فقط كما ان الدعم الامريكي للاخوان يمثل بعدا مهما.

> في رأيك كمؤرخ اسناد تاريخ لماذا شجعت امريكا التيارات الاسلامية في دول الربيع العربي؟

ـ لأن التيارات الليبرالية التقدمية تتعارض مع المصالح الامريكية ولا يريدون في الدول العربية الديمقراطية التي ينادون بها بل يريدون حاكما ديكتاتوريا يتصلون به لهذا رفضوا شخصية جمال عبدالناصر ومشروعهم اعلنوا عنه منذ سنوات علي لسان كونداليزارايس بما يسمي الفوضي الخلاقة لتتحول الدول الي دويلات صغيرة يسهل السيطرة عليها والنموذج الاول الذي حققوه كان لبنان.

ويكليكس

> إذن ثورات الربيع العربي لم تكن «مصادفة»؟

ـ بالطبع لو ربط احد الاشخاص ربطا موضوعيا بين ثورة تونس أولا وتسريبات ويكليكس سيجد هناك قصد ما لبدء ثورة في النفوس ضد الحكام في المنطقة خاصة أن صورة أمريكا في العالم كانت حمايتها لانظمة ديكتاتورية وكان لابد من تغيير هذه الصورة.

> هل تعتقد ان التاريخ سيدين المجلس العسكري؟

ـ مؤكدا ولكن العسكري خانه الحظ ولم يتقن المناورة مع الإخوان

> كيف تري خطاب د. محمد مرسي في ايران؟

ـ كان في وجهة نظري خطابا امريكيا لانه يهاجم بشار الاسد وهو ما يتفق مع سياسة أمريكا وتعمد الحديث عن الصحابة بقصد تجريح الشيعة خاصة أن المتحدث الرسمي للرئيس حاول طمأنة امريكا وقال ان زيارة مرسي لايران فقط لمدة 4 ساعات لتسليم الدورة لايران.

> هل مازالت 99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا؟

ـ بالطبع وقد أكد هذا من قبل مصطفي الفقي اكثر من مرة وتمت مهاجمته عندما قال «إن أي رئيس مصري سيأتي برضا أمريكا».

> تحدثت في السابق عن محدودية ثقافة مبارك وانه يمثل قالبا نمطيا ماهي مميزات رئيس دولة مهمة مثل مصر في وجهة نظرك؟

ـ لابد ان يكون قارئا جيدا وعلي دراية بالمفاصل الرئيسية في تاريخ العالم شخصية مختلفة لقد قرأت الوثائق التاريخية الامريكية في الاربعينيات وجدتهم يصفون اهل الشرق بانهم عقلية غير مركبة بسيطة لا يفهمون ما بين السطور وما وراء الكلمات.

درس للإخوان

> وكيف تري عملية رفح الأخيرة؟

ـ اعتقد أنها كانت رد فعل سريع علي خطاب «مرسي» وحديثه عن فلسطين، أول «درس» للإخوان لعدم الاقتراب من كامب ديفيد خاصة أن التحقيقات أثبتت ان ملابس منفذي العملية صنعت في فلسطين وعملية رفح «اسرائيلية» بأيدي عملاء لها من رفح أو العريش أو سيناء.

> مصر تجاوزت الكثير من المراحل التاريخية.. كيف تري المرحلة القادمة؟

ـ مصر تستطيع تجاوز كل المراحل بالارادة والأهم هو إرادة التغيير وهو ما يعرف بالوعي بالوضع الطبقي فقد يكون هناك عامل لكنه لا يشعر بذلك ليس الظلم نفسه كما يقول «فولتير» لكن الشعور بالظلم هو الذي يفجر الثورات ويمكننا تجاوز اوضاعنا السيئة بهذا الشكل من ناحية أخري يجب علي اليسار التمسك بمبدأه والعمل علي اشاعة المواقف في أكبر من التجمعات.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق