«لعبة الانتخابات» تطيح بآمال الشعب المصري تلاعب التيارات الدينية وضعف القوي السياسية وتشرذم شباب الثورة وراء المأزق الراهن

174

تحليل إخباري يكتبه:سـامـي فهـمـي

وضعت نتائج الجولة الأولي للانتخابات الرئاسية جموع الشعب المصري في موقف غاية في الصعوبة بإعادة الانتخابات بين كل من د. محمد مرسي مرشح جماعة الإخوان المسلمين والفريق أحمد شفيق مرشح النظام السابق الذي أسقطته ثورة يناير، يتوجه الناخبون يومي 16 و17 يونيو القادم للاختيار ما بين مرشح قد يعيد الوطن للخلف سنوات طويلة ومرشح ينتمي لنظام أذاق الشعب المصري الذل والهوان، إنها لعبة الانتخابات وصناديق التصويت التي لا تعبر بالضرورة عن الثورة ومطالبها واستحقاقاتها، جماهير الشعب المصري لم تقم بالثورة من أجل إجراء انتخابات حرة ونزيهة، لم يكن ضمن شعارات الثورة إجراء «انتخابات» وإلا كانت الجماهير الغاضبة قد انسحبت من الميادين بعد إعلان الرئيس السجين عدم ترشحه مرة أخري وتعديل الدستور بما يسمح بإجراء انتخابات رئاسية تنافسية، إنما كانت شعارات الثورة: عيش.. حرية.. كرامة إنسانية، فالانتخابات ليست هدفا في حد ذاته إنما وسيلة ديمقراطية ليختار الشعب حاكمه، وسيلة ينبغي قبل ممارستها توافر مقومات أساسية لتؤتي الانتخابات بثمارها باختيار الأفضل، وفي حالة الثورة المصرية كان ينبغي أولا وقبل إجراء الانتخابات العمل علي تحقيق الأهداف الحقيقية للثورة وإنجاز استحقاقاتها العاجلة مثل مواجهة الفساد وضبط مؤسسات الدولة وفتح أبواب الأمل والنهوض.

أما وأن هذه الاستحقاقات وتلك الأهداف لم تتحقق طوال 16 شهرا بعد الثورة فإن إجراء الانتخابات في ظل هذه الأجواء قد يعرقل تحقيق أهداف واستحقاقات الثورة، لقد فُرض علي المصريين الاختيار بين بديلين أحلاهما مر، وقع الشعب المصري الذي قام بثورة تسجل في أنصع صفحات التاريخ ضحية للمؤامرات والدسائس والمصالح الذاتية للأطراف المسيطرة علي الساحة وهي: المجلس العسكري والتيارات الدينية والقوي السياسية وشباب الثورة، فالمجلس العسكري لم ينحاز للثورة بعد نجاحها في إسقاط رمز الظلم والطغيان معتبرا أن الثورة انتهت بمجرد إسقاط مبارك وبطانته وهدم مشروع التوريث، لذلك لم يعمل المجلس العسكري علي تحقيق أهداف واستحقاقات الثورة، بل علي العكس سعي بكل قوة لإجهاض الثورة وتشويه الثوار وإثارة حالة من الاضطراب والقلق بغياب الأمن والتراخي في مواجهة حالات البلطجة والترويع التي عاني منها بسطاء الشعب المصري، التيارات الدينية ركزت بعد نجاح الثورة علي تحقيق أهداف الجماعات الدينية والسلفية والسعي وراء المصالح الذاتية للفوز بالمقاعد والمناصب والتكويش علي السلطة وإقصاء الآخر بزعم حصولهم علي الغالبية في انتخابات مجلسي الشعب والشوري!! بل تحالفت هذه التيارات لوقت طويل بعد الثورة مع المجلس العسكري في سبيل تحقيق المصالح الذاتية واقتناص مقاعد البرلمان، أما القوي السياسية والأحزاب وشباب الثورة فقد انشغلوا بالصراعات والزعامة والحديث بالفضائيات وتكوين مئات الحركات والائتلافات بدلا من التوحد وتكوين قيادة للثورة تفرض مطالب واستحقاقات الثورة علي المجلس العسكري، لقد قام الشعب بالثورة وأسقط النظام ثم تلاعبت به «النخب» سواء السياسية أو العسكرية أو المتخفية بستار الدين لتضعه في اختبار صعب بالاختيار بين مرشح يهدف لإقامة دولة دينية وآخر يدعم تواجد وتغلغل المؤسسة العسكرية.

إنها ذات «النخب» التي ساهمت بشكل أو بآخر في إطالة حكم بطش واستبداد مبارك لمدة ثلاثين عاما، لكنه الشعب المعلم القادر علي تجاوز المحن واستيعاب الألاعيب والمؤامرات والاستفادة من الدروس الصعبة.

صعود وهبوط

إذا كانت نتائج الجولة الأولي للانتخابات الرئاسية قد وضعت الناخبين في مأزق حرج لعدم وصول مرشح للثورة في جولة الإعادة، فإنها في حقيقة الأمر لا تمثل مفاجأة بأي حال من الأحوال، بل جاءت النتائج معبرة عما حدث طوال الفترة الانتقالية، وانعكاسا للمواقف والاختيارات للقوي السياسية المتناثرة علي الساحة، نتيجة للأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها جماعة الإخوان المسلمين بعد اكتساح مقاعد مجلسي الشعب والشوري وخلال أربعة شهور فقط خسرت الجماعة في الانتخابات الرئاسية كتلة تصويتية هائلة تتجاوز نصف الأصوات التي حصل عليها مرشحوها في الانتخابات البرلمانية، فقد حصل د. محمد مرسي مرشح حزب الحرية والعدالة المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات الرئاسية علي قرابة 6 ملايين صوت بحسب النتائج الأولية، في حين بلغ إجمالي عدد الأصوات التي حصل عليها مرشحو حزب الحرية والعدالة في انتخابات مجلس الشعب علي مستوي الجمهورية أكثر من 12 مليون صوت، الأمر الذي يعني انخفاض الكتلة التصويتية لجماعة الإخوان المسلمين بنسبة 50%، أما بالنسبة للمرشح الفريق أحمد شفيق فقد اختلف الأمر كليا، فبعد أن كان رصيده تحت الصفر في أعقاب إصرار المتظاهرين علي إقالته من رئاسة الوزارة في مارس 2011 بعد سقوط مبارك، فإنه تمكن من الزحف طوال العام الماضي ليقتنص أقل من 6 ملايين صوت تتيح له التنافس علي الرئاسة مع مرشح الإخوان.

إذا كان البعض يردد أن الأصوات التي حصل عليها شفيق هي أصوات الفلول والمنتمين للنظام السابق فإن القراءة الواقعية تشير إلي أن قطاع لا يستهان به من الأفراد العاديين من نسيج الشعب المصري سواء كانوا مسلمين أو أقباط أعطوا أصواتهم للفريق أحمد شفيق

إنهم ليسوا فلولا ولا يريدون إعادة إنتاج النظام السابق إنما يرغبون فقط في عودة الأمن والسيطرة علي أعمال النهب والبلطجة وأيضا المواجهة الحاسمة دون مواربة لتغول التيارات الدينية التي تسعي لتغيير وجه الحياة في مصر، لن يفيد أحد وضع الرءوس في الرمال وإخفاء الحقائق رغم قسوتها، فقد خلق المجلس العسكري طوال الشهور الماضية البيئة والمناخ المواتي لجذب الأصوات لشفيق بإثارة القلق والاضطرابات وغياب الأمن ثم يترشح شفيق ومعه وعود بإعادة الأمن خلال 24 ساعة، ساعد في نجاح خطة المجلس العسكري تراخي القوي السياسية وتلاعب التيارات الدينية وتشرذم شباب الثورة.

لا يصح بعد ذلك إلقاء اللوم والاتهامات تجاه من أعطوا أصواتهم لشفيق، «نعيب زماننا والعيب فينا»، ولا يصح أيضا تصنيف جزء من الكتلة التصويتية التي حصل عليها شفيق علي أساس ديني بالقول إن الأقباط أعطوا أصواتهم لشفيق لأن دوافع الأقباط الذين صوتوا لشفيق هي نفس دوافع إخوانهم المسلمين الذين صوتوا لشفيق أيضا.

والتصنيف الديني يحول الممارسة الديمقراطية لصراع طائفي يبعد المعركة الانتخابية عن أهدافها الحقيقية، فضلا عن أن قطاعا من الأقباط أعطوا أصواتهم لحمدين صباحي يعرف الذين صوتوا لشفيق أنه من أركان النظام السابق لكنهم جزء من الشعب المصري الذي يتميز بالصبر وطول الأناة والقدرة علي ترويض الوحوش وأحيانا إسقاطها من علي عروش الجبروت والسطوة.

أمراض متوطنة

ربما تكون المفاجأة الوحيدة التي أسفرت عنها نتائج الجولة الأولي للانتخابات الرئاسة هي حصول المرشح حمدين صباحي علي ما يقرب من خمسة ملايين صوت، فلم يكن صباحي هو المرشح الوحيد للثورة لوجود مرشحين آخرين ينتمون للثورة ويرفعون مطالبهم ويسعون لتحقيق استحقاقاتها.

كما أنه لم يكن المرشح الوحيد المنحاز للدولة المدنية في مواجهة الفاشية الدينية أو الديكتاتورية العسكرية حيث تقدم لخوض الانتخابات مرشحون آخرون بنفس الانحيازات وذات التوجهات، المصلحة العليا للوطن كانت تقتضي من المرشحين باسم الثورة والدولة المدنية سواء كانوا ليبراليين أو علمانيين أو يساريين أن يتفقوا علي مرشح واحد منهم لخوض الانتخابات باعتباره «مرشح الثورة» منعا لتفتيت الأصوات ولتتوجه للناخب بخطاب معين يحمله ويترجم أهدافه مرشح واحد محدد، غير أن الأمراض المتوطنة في النخب السياسية وقفت حائلا دون الاتفاق علي مرشح واحد، فالكل يرغب في الظهور الإعلامي والتلميع وانتهاز الفرصة للرواج وتوافر صفات العناد والتصلب والنرجسية ولتذهب المصلحة العامة للجحيم، ثم بعد ذلك يتهمون قطاعا كبيرا من الذين صوتوا لشفيق بأنهم «فلول»!!

بالرغم من ذلك حقق صباحي تفوقا وصل به للمركز الثالث بفضل الوعي الفطري للشعب المصري الذي توجهت إرادة قطاع منه للتصويت لصباحي دون اتفاق أو تنظيم أو ترتيب مسبق.

فالناخب الرافض لمرشحي التيارات الدينية ولمرشحي النظام السابق توجه تلقائيا دون توجيه أو دعاية كافية لإعطاء صوته لصباحي ليحصل علي خمسة ملايين صوت، أما لو كان هناك ترتيب وتنظيم مسبق لقوي الثورة ومرشحيها بالتنازل «لمرشح واحد» حتي لو لم يكن صباحي والإعلان عنه باعتباره المرشح الوحيد للثورة لحصل علي أعلي الأصوات في الجولة الأولي وضمن خوض انتخابات الإعادة بل ضمن الفوز بالرئاسة سواء كان المنافس في جولة الإعادة إسلاميا أو عسكريا.

باقي أصوات الجولة الأولي ذهبت بنسب متفاوتة لعبدالمنعم أبوالفتوح (حوالي 18%) المرشح غير الأصلي للتيارات الدينية، ولعمرو موسي (حوالي 11%) المرشح غير الأصلي للنظام السابق.

ليحتل أبوالفتوح المركز الرابع وموسي المركز الخامس بما يدل علي أن اللعب علي كل الحبال والتوازنات ومحاولة كسب كل الأصوات من كل الاتجاهات تبوء غالبا بالفشل، فالناخب يتوجه غالبا للمرشح ذات اللون الواضح والتوجه المحدد ولا يستطيع أحد أن يخدعه.

مراهقة سياسية

استكمالا لمسلسل خطايا وأخطاء «النخب» تجاه الشعب المصري وفور إعلان نتائج الانتخابات بالإعادة سارعت بعض الشخصيات اللامعة المعروفة بالانتماء للثورة بالدعوة لتشكيل جبهة وطنية لدعم مرشح جماعة الإخوان المسلمين، بافتراض حسن النوايا ورغبة صاحب الدعوة لحشد الأصوات ضد مرشح النظام السابق إلا أن الأمر علي هذا النحو ينطبق عليه المثل القائل: «كالمستجير من الرمضاء بالنار»، فالدعوة للإنقاذ من براثن النظام السابق لصالح تيارات تسعي لفرض الظلمة علي المجتمع يمثل مراهقة سياسية وفقدانا للحس السياسي ولا نريد القول بأنها الرغبة في الظهور ولعب أي أدوار من أجل البقاء تحت الأضواء.

إذا كانت «لعبة الانتخابات» وصناعة المؤامرات قد أدت للمأزق الراهن للاختيار ما بين الدولة الدينية أو العسكرية، فلتستمر «اللعبة» حتي نهايتها ليتصارع أنصار ومؤيدو كل فريق دون تدخل أو انحياز من القوي السياسية والأحزاب والائتلافات وحركات شباب الثورة لهذا أو ذاك، لا للتحالف مع أي مرشح في جولة الإعادة، ليختار الناخبون بملء إرادتهم ووعيهم وضمائرهم الرئيس القادم.

أما القوي الرافضة لكلا المرشحين في جولة الإعادة، فعليها تنظيم صفوفها وحشد أنصارها لمواجهة القادم لموقع الرئيس من مواقع المعارضة ولو من الشارع في حالة المساس بثوابت ومقومات المجتمع أو في حالة الانقضاض علي الثورة، لذلك حسنا فعل حمدين صباحي عندما رفض التفريط في أصوات مؤيديه وناخبيه بالتحالف مع د. محمد مرسي في جولة الإعادة مقابل وعوده بمناصب سواء في مؤسسة الرئاسة أو حكومة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق