في ذكري رحيله “عبدالحگيم قاسم”.. الأشـــــــــواق والأســـــــــــي

35

بقلم | توفيق حنا

وأنت تدخل عالم عبدالحكيم قاسم تشعر وكأنك تدخل معبدا عتيقا يعبق بذكريات يسودها هذا الجو الخريفي من حنان وحنين وحزن.. وكأننا نعيش أمسية من أمسيات الريف.. وقد بدأ الغروب بعد يوم طويل شاق.

وفي كل أعمال عبدالحكيم قاسم نلمس الحزن والأسي بكل درجاتهما وألوانهما.. عندما يعود الراوي إلي الماضي بكل ما يزدحم به من أشواق وأسي.. والأشواق تعني البعد.. ومع الشعور بهذا البعد يكون الحزن.. ويكون الأسي. وأترك عبدالحكيم قاسم يقدم لنا عم بكر، وهو مؤرخ وشاعر قرية عبدالحكيم قاسم وتدعي «البندرة».

«يقول عنها عم الشيخ بكر.. مؤذن المسجد الجامع: بندره، يعني بندر، بلدنا زمان كانت بندر كبير..» ويكرر في حماس وحب «البندرة.. غندرة.. البندرة غندرة..!».

وعن عم الشيخ بكر يحدثنا الراوي: «يرحم الله عم الشيخ بكر، لقد كف بصره، لكن بقيت له معرفته بالأشياء جميعها.. حتي لقد كان يوقع بإمضائه عند الصرّاف..».

يتذكر الراوي عم الشيخ بكر «وهو خارج من قاع الدرب، مطمئنا طلقا مشرقا» علي حمارته الصغيرة العارفة، سارحا إلي حقله الذي يقع عند آخر الزمام. «القلب يسمع خفقات الحوافر في التراب الناعم، والأعضاء تستريح لخضخضة السير الوئيد، والوجه المجدور، ينعم بإشعاعات الشمس الصبحية ولمسات النسيم الباردة».

ما أجمل وأرق اختياره لكلماته وعباراته التي يعبر بها تعبيرا صادقا وبسيطا عما يريد أن يصوره.

يحدد لنا عبدالحكيم قاسم مفهوم الشوق تحديدا نفسيا دقيقا:

«الشوق سهم.. هو حيرة.. هو هم.. أو هو فرحة مخنوقه».. ما أصدق وصفه للشوق إنه «فرحة مخنوقة». ويعود الراوي إلي عم الشيخ بكر.. يقول في تعاطف ومحبة: «كف البصر، لكن في قلب عم الشيخ بكر مايزال الصبح يشرق ويغسق الليل، وتقف الجميزات القدامي – كما كانت أيام نعمة البصر – علي شطئان القنوات..»

وعم الشيخ بكر.. إلي جانب أنه شاعر «البندرة» ومؤرخها فهو – أيضا – ناقد أحوالها وظروفها النفسية والاجتماعية والاقتصادية.. وهو في طريقه إلي حقله «يرهف عم الشيخ بكر الحس للذع البرد ولفح القيظ، يرهف السمع لوشيش الريح في هامات الشجر، الأنواء تتقلب علي الحقول الممتدة، ومع تقلبها تتقلب المخاوف في الصدور، الرجال منحنون علي اسمرار الثري، وأكف الفئوس دءوبة والشفاه هامسة.. يا رب الزرع والحصاد.. أنت تعلم.. العيال يعيشون علي المحصول». ويتذكر عبدالحكيم قاسم أطفال «البندره»..

«في العصر تلعب النسمات في الباحات لعبة عفره، ترقص في شقاوة بالوريقات الجافة.. يجري العيال يطاردون كلابا ذليلة العيون».. وماذا عن رجال القرية، بعد يوم عملهم الشاق: «الرجال يسندون ظهورهم إلي الحيطان.. يحدقون في الامتداد الناشط بحياة تتخبطه، عاجزة حزنانة.. يضم الرجال بالأذرع المتعبة سيقانا قائمة مركوزة، يردون السلام محاذرين».

ويعود الراوي إلي قريته «البندرة».. ويقدم لها هذه البطاقة الشخصية: «اسمها البندرة مركز السنطة غربية، قد تجدون الاسم ثقيلا، لكنه – لو تعلمون – كان كل متاعي حينما بدأت أعرف السفر إلي المدينة، كنت أقوله للناس الذين ينظرون إلي مستفسرين، كنت أقول مترددا هامسا، لكنني كنت أقوله دائما.. ودائما كان الناس يبتسمون ويعلقون:

– فلاح..!!»

كان عبدالحكيم قاسم فلاحا مصريا.. وكم من فلاح مصري وكم من فلاحة مصرية قدمتهم القرية المصرية.. رواد ومصلحين وشعراء وأدباء وفنانين وعلماء وقادة وزعماء.. من الفلاح المصري في تاريخنا القديم إلي سعد زغلول ومختار وأم كلثوم.. حتي عبدالرحمن الشرقاوي ويوسف إدريس.. وغيرهم.. وغيرهم.. وغيرهم، هؤلاء الذين عبروا عن عبقرية مصر أبلغ تعبير وأصدقه. ويتابع عبدالحكيم قاسم تقديم قريته «البندرة» وكأنه يقدم صورة شخصية «بورتريه» لكل قرية مصرية.. يقول:

«علي رصيف محطتنا لافتة أسمنتية كبيرة مكتوب عليها اسم البلد، وإذا وقف الواحد علي الرصيف ومد بصره بعيدا فسيجد القرية مكتومة علي نفسها، قابعة في منخفض من الأرض، وعلي جانبيها من الشرق والغرب ضفتان من الحقول مرتفعتان عنها ارتفاعا كبيرا، قريتنا مدفونة في منخفضها هذا، تتجاوزها الرياح الناشطات، وتتركها زخماء كئيبة أيام الصيف، ثقيلة بالملل الممعن، الظهيرة تكبس علي الصدور بالعهد..» ويحق للعم الشيخ بكر أن يقول عن «البندرة» إنها ثقيلة الهواء».

ويعود الراوي إلي عم الشيخ بكر.. يقدمه لنا هنا مؤذنا.. يدعو أبناء البندرة إلي الصلاة:

«وأنت لم تسمع عم الشيخ بكر إذ يؤذن للصلاة من يوم الجمعة..

يبدأ صوته رقيقا خفيضا، ثم يتحول قويا دءوبا متواصل الموجات، يتسرب بين الدور، يسرح إلي الحقول، يصل إلي القلوب في دائرة قطرها ألف ذراع، يجمع الناس، يلمهم إلي المسجد الجامع.

يلقي الرجال من أيديهم ما يشغلهم من فؤوس أو مقاود بهائم، يضعون نعالهم تحت أباطهم، ويهرعون إلي المسجد الجامع.

صوت عم بكر لا يكل، يظل مترسلا ملحاحا، والناس يسرعون ويسرعون، ما يكاد عم بكر يختتم الآذان مصليا علي النبي حتي يكون الناس قد اكتملوا تماما، جالسين علي الحصر حول عمد المسجد الأربع الضخام». ولعل أجمل قصة في هذه المجموعة والتي تترجم عنوان المجموعة «الأشواق والأسي» أصدق ترجمة هي قصة «الصندوق». وبطلة القصة «مبروكة» تحتفظ في هذا الصندوق بكل ما تحرص عليه في حياتها البائسة.. وهي تحج إليه وتطمئن عليه في لحظة معينة من يومها الممتلئ بالهموم والوحدة والقهر.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق