لعبة الشيطان.. ودور الولايات المتحدة في نشأة التطرف الإسلامي

96

عرض: سهام العقاد

مركز دراسات الإسلام والغرب يهدف إلي تعزيز الفهم المشترك والصحيح بين العالم الإسلامي والغربي، وقد صدر عنه مؤخرا كتاب مهم تحت عنوان “لعبة الشيطان..دور الولايات المتحدة في نشأة التطرف الإسلامي”، للمؤلف روبرت دريفوس، وهو من أشهر المحللين السياسيين الأمريكيين وله العديد من الكتب عن المخابرات الأمريكية، وعن شبكات الإرهاب العالمية ونقله للعربية المترجم أشرف رفيق.

احتوي الكتاب علي 12 فصلا، والمحور الجوهري الذي يقوم عليه الكتاب هو أن الولايات المتحدة هي التي قامت علي تشجيع وتمويل نشأة الإسلام السياسي، حيث أكد المؤلف أن الإدارة الأمريكية يمكنها التحالف مع الشيطان من أجل مصالحها الذاتية. وأوضح ذلك من خلال العديد من التقارير والمقابلات مع الكثيرين ممن ساهموا في صياغة السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، سواء في البنتاجون أو الخارجية الأمريكية أو السي أي أيه.

تناول المؤلف أبعاد الدعم الأمريكي لحركة الإخوان المسلمين في مصر خلال الخمسينيات من القرن العشرين، وكذلك دور واشنطن في دعم رجال الدين في إيران، الذي انتهي بهم إلي الإطاحة بالشاة حليف أمريكا الأساسي، وحركات الجهاد في أفغانستان، التي انتهت بظهور بن لادن وتنظيم القاعدة.

حرية الفكر

يقول دريفوس في مقدمة الكتاب: “إن أمريكا قضت عقودا من الزمان في زراعة وتربية الإسلاميين “المتشددين” والتلاعب بهم وخداعهم واستغلالهم بدهاء وإساءة هذا الاستغلال باعتبارهم من حلفاء الحرب الباردة، لكن الولايات المتحدة اكتشفت إنها بذلك زرعت قوة انقلبت عليها ومارست الانتقام منها، الأئمة المتشددون والملالي وآيات الله الذين انتشروا وصبوا جام غضبهم ليس ضد الولايات المتحدة وحدها، بل ضد حرية الفكر والعلوم الدنيوية، وضد القوميات، واليسار، وحقوق المرأة، كان بعضهم من الإرهابيين لكن الغالبية كانوا من المتطرفين في الدين أصحاب عقول العصور الوسطي، يريدون إعادة التاريخ إلي الخلف حتي القرن السابع عشر”.

أكد المؤلف أن الولايات المتحدة أسست للتطرف الإسلامي ليكون شريكا لها خلال فترات مشروع الإمبراطورية الأمريكية في الشرق الأوسط، ففي الخمسينيات، حيث لم يكن العدو الوحيد هو موسكو آنذاك، بل القوميون الجدد أمثال، جمال عبد الناصر في مصر ومحمد مصدق في إيران، حيث استغلت الولايات المتحدة وبريطانيا الإخوان المسلمين وهي حركة “إرهابية” -حسب وصف دريفوس- ضد جمال عبد الناصر، كما مولت سرا، إحدي آيات الله الذي أسس حركة الأنصار في الإسلام، وهي حليف إيراني متشدد للإخوان المسلمون، خلال الانقلاب الذي وقع في إيران ضد حكومة مصدق بتخطيط من المخابرات الأمريكية في عام 1953، وفي ذات العقد بدأت الولايات المتحدة تتلاعب بفكرة الكتلة الإسلامية بقيادة المملكة العربية السعودية لمواجهة اليسار القومي.

الوهابية الأصولية

يمضي المؤلف نحو الستينيات، ويقول: “رغم جهود الولايات المتحدة لاحتواء القومية اليسارية والاشتراكية العربية، انتشرت تلك الاتجاهات من مصر إلي الجزائر إلي سوريا إلي العراق وفلسطين، وكونت الولايات المتحدة تحالفا مع السعودية لمواجهة هذا التهديد الناشئ، وكانت تنوي من وراء ذلك استغلال سياستها الخارجية لإحياء الوهابية الأصولية. وتعاونت الولايات المتحدة مع الملك سعود والأمير فيصل، في تأسيس الكتلة الإسلامية من شمال أفريقيا إلي باكستان إلي أفغانستان. وأسست السعودية مؤسسات لتعبئة اليمين الديني الوهابي والإخوان المسلمون، وأسس النشطاء بتمويل من السعودية المركز الإسلامي في جنيف عام1969، ومنظمات أخري شكلت جوهر الحركة الإسلامية العالمية.

كما رصد الكتاب تراجع القومية العربية برحيل عبد الناصر، وكيف أصبح الإسلاميون قوة مهمة في العديد من الأنظمة ذات العلاقة بالولايات المتحدة، حيث أقامت تحالفا مع اليمين الإسلامي في مصر، واستغل أنور السادات هذا التيار لإنشاء قاعدة سياسية مضادة للناصرية في مصر، الأمر ذاته حدث في باكستان التي استولي فيها الجنرال ضياء الحق علي السلطة بالقوة وأقام دولة إسلامية، وفي السودان أيضا التي سعي فيها حسن الترابي زعيم الإخوان المسلمون إلي السلطة، وفي الوقت نفسه بدأت الولايات المتحدة تري التشدد الإسلامي علي انه أداة تستطيع استغلالها هجوميا ضد الاتحاد السوفيتي خاصة في أفغانستان ووسط أسيا.

انقلاب السحر علي الساحر

وبحلول التسعينيات رأي خبراء الاستراتيجية الأمريكية إن الإسلام السياسي لا طائل من ورائه، وانه يشكل تهديدا جديدا علي الولايات المتحدة، ومع ذلك يقول دريفوس حافظت الولايات المتحدة علي إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع تلك القوي التي تحولت بسرعة إلي الإرهاب. وفي مصر شكل الإخوان المسلمون والجماعات المنبثقة عن جماعات العنف التي اتخذت من السرية أسلوبا لعملها، تهديدا خطيرا علي نظام الرئيس مبارك، واستقرار مصر حيث قتل المئات علي يد المتشددين المسلحين، ومنهم الضباط وكبار الكتاب والمثقفين، واستطاع الإخوان تحقيق مكاسب خاصة في المجتمع المدني، وسيطروا علي العديد من النقابات مثل الأطباء والمحامين والمهندسين، واتحادات الطلاب، لدرجة أن صحيفة صنداي تايمز اللندنية قد أشارت عام 1993، بشأن تحذير أصدرته المخابرات الأمريكية من أن الإرهاب الإسلامي المتشدد سوف يستمر في تحقيق المكاسب في مصر، وقالت إن هذا يمكن أن يؤدي إلي سقوط نظام مبارك!!

لكن الولايات المتحدة تلاعبت بورقة تأييد الحركة، كذلك الحال في أفغانستان التي انهارت بفعل جماعة الجهاد التي دعمتها الولايات المتحدة لنحو عقد من الزمان، حيث فازت طالبان بتأييد ودعم الولايات المتحدة، وحتي عندما ظهرت القاعدة وأسامة بن لادن وجدت الولايات المتحدة نفسها في نفس الخندق مع اليمين الإسلامي في باكستان والسعودية والخليج العربي، ثم وقع هجوم الحادي عشر من سبتمبر.

صدام الحضارات

يقف المؤلف أمام انحياز حكومة بوش إلي تيار المحافظين الذين أعلنوا أن العالم بات رهينة صدام الحضارات، وشنت أمريكا حربها علي الإرهاب، واستهدفت تنظيم القاعدة.. لكن الولايات المتحدة لا تزال تدعم بهمة اليمين الإسلامي مرة أخري في العراق، تلك الدولة الاشتراكية العلمانية التي عارضت التشدد الإسلامي لفترة طويلة. وأيدت الولايات المتحدة علنا المتشددين الشيعة في العراق، من آية الله علي السيستاني إلي الأحزاب الإسلامية المتشددة مثل المجلس الأعلي للثورة الإسلامية في العراق والدعوة الإسلامية، ومن ثم بدأ صدام الحضارات بين الغرب والعالم الإسلامي.

يقول المحلل الأمريكي دريفوس “منذ فجر الإسلام يتنافس السلفيون والمناهضون للمنطق والعقل وحملة القرآن مع الاتجاهات التنويرية والتقدمية والمعتدلة. وفي عصور لاحقة كانوا يرفضون التعليم التقدمي والتحرر العقلي وحقوق الإنسان.

حدد دريفوس بدقة أوجه التشابه بين اليمين المسيحي من جانب، والتطرف الإسلامي من الجانب الآخر، ويري أن كلاهما يؤمنان إيمانا مطلقا بمعتقداتهما، ويدينان أصحاب الديانات الأخري، وأصحاب حرية الفكر لدرجة التكفير، كما يؤمن الجانبان بالوحدة بين الدين والسياسة، وهو محور الفكرة التي تقول بأن الولايات المتحدة هي أمة مسيحية، الأمر ذاته يؤمن به المسلمون بشأن أسلوب الحكم سواء عن طريق خليفة ديني سياسي مطلق السلطة، أو نظام الجمهوريات الإسلامية التي تطبق الشريعة الإسلامية بحذافيرها. وليس من قبيل المصادفة أن يكون العالم مسرحا لصدام الحضارات في ظل وجود تلك الكتلتين. وقد شكل المسيحيون المحافظون حركة سياسية كبري لها تحالفات ومنظمات، وجدت دعما وتأييدا من رجال النفط في تكساس والغرب، وكون اليمين المسيحي تحالفا سياسيا مع اليمين الجمهوري، في حين كون اليمين الإسلامي تحالفا مماثلا مع مهندسي الإستراتيجية الخارجية من الجناح اليميني في الولايات المتحدة.

الدرع الواقي

تناول الكتاب في فصل “الجامعة الإسلامية في حضن الاستعمار”، الإنفاق الأمريكي الذي تجاوز مليارات الدولارات لدعم الجهاد الأفغاني بقيادة المجاهدين المتطرفين ضد الاتحاد السوفيتي السابق، وذهب المؤلف إلي أن الأفغاني مؤسس الجامعة الإسلامية هو الجد الأعلي لأسامة بن لادن من الناحية الأيديولوجية.

ورصد الكتاب المعاهدات والاتفاقيات التي أبرمتها بريطانيا، ودعمها الصارخ لحركة الإخوان المسلمين في مصر وفلسطين، وقد تأسست حركة الإخوان المسلمين في مصر علي يد حسن البنا بمنحة من شركة قناة السويس البريطانية عام 1928، ثم قام بدعمها الدبلوماسيون البريطانيون والمخابرات البريطانية، وقد رأي الملك فاروق المؤيد للبريطانيين أن الإخوان المسلمين سوف يكونوا درعا واقيا ضد الشيوعيين والقوميين. وبعد ذلك أصبحوا سلاحا ضد جمال عبد الناصر بعد ثورة 1952، وظلت الحركة ملاذا لليمين المصري متحالفة مع القصر تارة، وحزب الوفد والضباط المحافظين في الجيش تارة أخري.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق