أحمد شفيق .. والحبيب المجهول

155

د. جينا بسطا

الضجيج يتناثر من حولنا … وفرصة التفكير الهادئ تبدو غير واردة.

لكنني أثرت أن أقول رأيي … ثم ليأتي من يأتي فسوف أنصاع لأمر الناس و أباركه ولن أفعل مثل هؤلاء الذين يرون أن نجاحهم في الانتخابات هو الحق الأوحد وما عداه باطل يستحق الثورة .

لقد جاءت إختياراتي بين مرشحي الرئاسة بالإستبعاد ولم تجيء بالتزكية.

فاستبعدت كل أصحاب الإيديولوجيات والتيارات التي يطلقون عليها “أجندات”.

فاستبعدت المرشح د.محمد مرسي باعتباره ممثلا لمن يدعون لدولة الخلافة وأستاذية العالم فينشئون لأنفسهم دولة داخل الدولة يعدون لها من الآن جيشها وعتادها و يحشدون ضد الشعب المصري شعباً آخر يحمل نفس الجنسية لكنه يصطف في طابور السمع والطاعة كالأغنام ، لينتخب من يشير إليه المرشد. فشهوة الاستحواذ لدي الجماعة ورغبتها في الإنتقام من كل المصريين فيما تعرضوا له من أذي ، باتت تسيطر عليهم لدرجة أنهم صاروا يسخرون كل ما يصدرون من قوانين لخدمة مواقف بعينها أو تصفية حسابات شخصية ، وكل الوسائل مقبولة لتحقيق مآربهم ، من” التقية ” إلي التحالفات مع الشياطين ، والضحية دائما هو الشعب.

كما استبعدت الأستاذ محمد سليم العوا لأنه يحمل بين ضلوعه وليس علي لسانه موقفاً سلبياً من فصيل مهم ومؤثر وفاعل في البنيان المصري وهم المسيحيون… حتي ولو أنكر ذلك في بعض كتاباته… كما أن الحديث الناعم عن تطبيق الشريعة في وقت لا يعلم أحد ماذا تعني الشريعة بالضبط ، وهل هي مجموعة الحدود والعقوبات التي يقصرونهما الآن علي النصف السفلي لجسد الإنسان (سواء رجلا أو امرأة) … ثم علي النصف العلوي ممثلاً في إعمال العقل .. أم أن الشريعة تعني مبادئ الإخاء والمساواة وحرية العقيدة وصدق القول والإخلاص في العمل.

ويأتي في ذات السياق الأستاذ حمدين صباحي الذي اعتمد علي تفعيل الأيديولوجية الناصرية المرتكزة علي إثارة العواطف ودغدغة أحلام البسطاء ، عن طريق دس السم في العسل والحديث عن ملكية الدولة لوسائل الإنتاج وعن حق المواطن في فرصة العمل الحكومية والسكن الحكومي والتعليم الحكومي والصحة الحكومية – بطريقة ظاهرها الرحمة مع افتقارها آلية التنفيذ وقد اكتوينا بنارها ستين عاماً عاشتها مصر في أوهام الناصرية… التي خلقت طبقة من المنتفعين تطورت إلي مؤسسة فساد ثابنة الأركان ، انتشرت انتشار السرطان في جسد مصر ، يعلم الله وحده متي وكيف سيتم التخلص منها… لكن لا أحد يتعظ . فاليسار بمفهوم صباحي مات في روسيا وأوروبا الشرقية بمفهومه القديم وحل محله نوع من اليسار الرشيد مثل فرنسا والسويد … لا يعرفه صباحي ، وسوف يقوم – في حال انتخابه – باستبعاد ” الأغنياء الفاسدين ” .. ” أعوان الثورة المضادة ” .. “الفلول” .. ” أعوان العسكر” فيفتت أيضا الوحدة الوطنية ليس فقط بين أقباط ومسلمين ولا بين رجال ونساء .. ولكن إلي عدة فصائل متناحرة.

وأخيرا تم استبعاد المرشح الأخطرعلي مستقبل مصر وحاضرها… د.عبد المنعم أبو الفتوح ، الذي جمع كل سوءات “المتديسين” (أي من يخلطون الدين بالسياسة واللفظ ليس لي)… فهو يقسم علي المصحف لأبناء الجماعة الجهادية (التي كان هو أحد أعضائها) أن شريعة الله هي مقصده ومبتغاه وأنه لن يتواني في يومه الأول عن تطويع القوانين الوضعية لتكون في خدمة الشريعة التي لا نفهم ماهيتها كما سبق وأوضحنا . فقد عاش نائباً للمرشد العام سنوات طويلة ثم ترك الجماعة .. لكن لم يحدث انفصال حقيقي بينهما . ومازال يغازل الجماعة بين حين وآخر ، وفي الوقت ذاته يغازل المسيحيين فيختار مساعده الدكتور شريف دوس ليبشر الناس أن حق المسيحي في إقامة شريعته يوازي حق المسلم في ذلك !!! أين إذاّ تطبيق الشريعة الإسلامية من عدم تولية الأقباط لمناصب إستراتيجية ؟ ثم أنه شخص متعدد الاتجاهات… فقبل أن يكون إخوانياً أو جهادياً كان ناصرياً … وقبل الناصرية كان إشتراكياً أي أنه يجمع بين ( مرسي + صباحي ) . أبو الفتوح حين تحدث عن قتلة الرئيس أنور السادات قال عنهم ” الأخوة الكرام ” .. فكيف سيكون تصرف رئيس جمهورية يبارك اغتيال رئيس سابق … سوف يري في كل ما فعله السادات أصناماً لابد من هدمها ومنها المعاهدة ومنها سياسة السوق … فإلي أين المصير مع أبو الفتوح؟

وبذلك الاستبعاد لم يبق أمامنا سوي اثنين : السيد عمرو موسي و الفريق أحمد شفيق. لا أشك مطلقا في أنهما يحملان من المعايب الشيء الكثير… ولكن كلاهما ليس صاحب أيديولوجية ولا تعشش في عقله أوهام وخرافات يغلفها ويسوقها للناس علي أنها الخلاص من عذاباتهم ، بل ينطلقان من منظور واقعي… كلاهما لا يمارس تعليق الأخطاء والخطايا علي شماعة النظام البائد … وهي عيوب جائزة .. لكنها بالنسبة لي مزايا… كلاهما كان يعمل لدي نظام مبارك الرجل الذي باع مصر بأبخس الأثمان ، لكن ذلك لا يعني أنهما سوف يعيدان إنتاج نظامه مجددا ولا يعني أن وجودهما علي رأس الدولة في نظام من المفترض أن يكون ديموقراطيا استرجاع للنظام البائد … ولن تكون علاقتهما بحسني مبارك أقوي من علاقته هو بأنور السادات ، ولا أقوي من علاقة أنور السادات بجمال عبد الناصر ولا أقوي من علاقة حاكم قطر بوالده الأمير السابق… فإن كل هؤلاء نهضوا عن طريق استدعاء نقائص وعيوب من سبقوهم … عندما يكون المحك هو مستقبل الشخص ذاته… وليس تاريخ شخص رحل…يكون هذا الاحتمال هو الأرجح . فلو أن جمال مبارك ذاته كان قد ورث الحكم لكان أول تعبير سوف يخترعه بالنسبة لرفقاء والده هو تعبير ” الفلول” أو ” العهد البائد”.

ثم أصل إلي المآخذ ، فأحمد شفيق ينسب إليه البعض عدة معاصي ( لا أريد الخوض فيها لاهجوما ولا دفاعا… ولكن أذكر فقط بأن جريدة الأهالي هذه .. هي نفسها التي كانت تذكر محاسن وانجازات أحمد شفيق في مجال الطيران المدني …باعتباره من أنظف الوزراء في وزارة ليست نظيفة ) لكنها معاصي تزول بالإقلاع عنها .. ولا تصل إلي آثام القتل والتجويع و التشريد باسم الفضيلة والدين.

لماذا إذاّ جاء شفيق في المقدمة بالنسبة لي بينما تأخر موسي قليلا ؟ لنفس السبب وذات العيب الذي رفضه الآخرون لأجله لعلاقته الجيدة بالمجلس العسكري ولأنه سوف يكون الأقوي علي الساحة في هذه المرحلة الانتقالية ولأنه متمرس علي العمل العام فلن يضيع علينا المزيد من الوقت لاكتشاف الأوضاع القائمة والتعامل معها ولن يستغرق فترة من التوجس والتحفظ من المحيطين به لاكتشاف شخصيته…شأننا في ذلك شأن السفينة الغارقة في قاع البحر ..فمن نحتاج لإستخراجها ؟ للربان المحنك ؟ أم للميكانيكي الماهر ؟ أم للغواص الذي يمتلك رافعة ويدري كيف يستخدمها ؟… هل يشترط في هذا الغواص أن يجيد مهنة الميكانيكا أو أن يجيد مهنة الربان ؟ … أكيد لا ، ولكن دوره ينتهي فقط .. وفقط عند وضع السفينة في وضع إستعداد للإصلاح

أري أن الغطاس هو أحمد شفيق .

وأري أن الميكانيكي هو عمرو موسي .

أما الربان فهو “الحبيب المجهول” الذي قالت عنه ليلي مراد :” .. لكن خيال حبيبي المجهول مش لاقية فيك حاجة منه “..ليكن هذا الربان هو المرشح شديد الرقي وشديد الاحترام القانوني المستشار هشام البسطويسي … أو ليكن الشاب الواعد الصادق نصير العمال والمهمشين الأستاذ خالد علي… كل من اعتنق الديمقراطية والعدالة مبدأ …لأنهما قيمتان تحتاجان إلي تدريب طويل وعلينا المرور بفترات انتقالية عدة للوصول إلي ما نصبو إليه …دعونا لا ننسي أن فرنسا تعيش الآن ومنذ ما يربو علي نصف القرن في جمهوريتها الخامسة …أي أن الجمهورية الثانية ليست نهاية المطاف.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق