مشروع الموازنة لعام 2012 / 2013 هل هناك فلسفة اقتصادية جديدة (1)

164

 فرج عبد الفتاح فرج

أن من يقرأ مشروع الموازنة العامة للعام 2012 / 2013 يكتشف وبسهولة شديدة أن هذا المشروع لا يختلف عما سبقه من مشروعات للموازنة طيلة العقود الماضية ، وسنعرض في هذا المقال الملاحظات والتي تعد أسباباً رئيسية لإصدار هذا الحكم علي المشروع المقدم ، ثم نتلوها بملاحظات أخري لبناء مشروع موازنة جديدة في مقال تال . أن هذه الملاحظات كان يجب وضعها في الحسبان عند إعداد هذا المشروع في ظل ظروف اعقبت ثورة شعبية نادت بالحرية والعيش والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية وحتي لا أطيل عليك عزيزي القارئ فالندخل في الموضوع وبشكل مباشر ، أن حكمنا علي مشروع الموازنة بأنه لا يختلف عن المشروعات السابقة التي قدمت في الماضي ولسنوات طويلة قد بنيناه علي الملاحظات التالية:

الملاحظة الأولي :

غريب أمر هؤلاء المسئولين في الدولة حينما يقولون أن العجز الكلي في مشروع الموازنة 135 مليار جنية مصري ، بنسبة 7,6% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع في السنة المالية المقبلة في ظل معدل نمو طبقي يهدف يتراوح ما بين 4 ، 4,5 % ( صفحة 21 من البيان المالي ) علي حين أن تقديرات هذا العجز كانت في العام الماضي قد وصلت نسبة إلي 7.8% من الناتج المحلي الإجمالي ( صفحة 109 من ذات المشروع ) أي أن مشروع الموازنة الجديدة قد أتي لنا 0,2 % خفضاً في العجز الكلي ذلك بفرض أن الناتج المحلي الإجمالي هذا العام 2012 / 2013 سوف يحقق معدلاً للنمو ما بين 4 – 4,5 % ، أن النتائج المحلي الإجمالي سيزداد بمعدل من 4 إلي 4,5% هذا العام وعليه سيكون العجز الكلي 3,6% من هذا الناتج ، وهنا يحتار المرء في الأمر هل العجز الكلي سوف يزيد عن العام الماضي لو أن الاقتصاد حقق نمواً 4% فقط ، وهل ستنخفض نسبة العجز للناتج لو حقق الاقتصاد نمواً بواقع 4,5% ، ثم ماذا لو لم يصل الاقتصاد لمعدل نمو 4% وليكن مثلاً 3,8 % ، ماذا بالنسبة لنسبة العجز الكلي ، أننا لم نع العبرة من أدب إحسان عبد القدوس حينما قدم لنا أنا ” لا أكذب ولكني أتجمل ” ، حقيقة الأمر يا سادة أن العجز الكلي مستمر في الموازنة العامة وقد يكون بشكل أكبر مما كان عليه ، وأن تمويل هذا العجز سيتم من خلال أذون وسندات الخزانة حسبما ورد في المشروع ، وأن الإشكالية ليست فقط في تدبير مبلغ هذا العجز وإنما يمتد الأمر إلي البحث عن ” مصادر تمويل لتغطية أقساط القروض المحلية والخارجية والمقدر لها في مشروع الموازنة المعروض 93517 مليون جنيه أن 93,5 مليار جنيه بالإضافة إلي العجز الكلي . .

أن هذه الأقساط نتيجة للسياسات التي أتبعت علي مدار ثلاثين عاماً مضت ومازلنا نقول أذون خزانة وسندات خزانة أي مستمرين في ذات السياسات ، رغم ما تولده هذه السياسات من التزامات قانونية وفوائد ديون ، بلغت 25% تقريباً من إجمالي المصروفات ، وإذا ما أضيف إليها أقساط أصل الدين ، فإننا نقول هنا كم سيتكبد الاقتصاد المصري ، هل تظل هناك فرصة لعمل استثمارات إنتاجية بمفهوم إنشاء المصنع أو عمل المزرعة وما يستتبعها من إصلاح أراضي ، أم أننا سنكتفي بالمشروعات الاستثمارية التي تخدم الوحدات الحكومية والبالغ تقديرها في المشروع المقدم 10% من إجمالي المصروفات ، وتظل هذه النسبة الأخيرة مبرراً للاقتراض سواء كان اقتراضاً من الداخل أو من الخارج .

الملاحظة الثانية :

وهي ملاحظة تنصب علي الاتفاق العام ، وهنا فالعرض للبنود الرئيسية لهذا النفاق وهي ستة بنود ، قد يكون من الصعب الاقتراب بالتخفيض علي بندين من بنودها وهي الأجور والفوائد ، غير أن ملاحظتنا الأساسية هنا تركز علي بند الأجور ، ومدي تطبيق الحد الأقصي عليه ، حيث وصل هذا الحد الأقصي المقرر في حالات عديدة لمبالغ تقترب من مائة ألف جنية شهرياً ، هل من المعقول في ظل ظروف أوضاعنا الاقتصادية أن يكون هناك موظف عام يتقاضي أكثر من 80 ألف جنيه شهرياً ، قد يبدو هذا الرقم في تقدير عديد من المسئولين رقماً تافهاً ولكننا يجب أن تكون النظرة ليست بعين أحادي الناس وإنما يجب أن تكون بعيون المجتمع بأكمله ، أما بند الفوائد وهي التزام قانوني وحتمي ، غير أن العقل يقتضي التفكير في حلول أخري ناجزة وعاجلة لتفادي استمرار هذا المسلسل الهزلي ، أن الاقتراض العام حالة استثنائية لجأت إليها دول الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية والاستثناء لا يجوز القياس عليه، لأن هذا الاستثناء هو السبب الرئيسي في أزمات مالية مرت بدول عديدة في أوروبا وخارج أوروبا وأمامنا حالة اليونان خير مثال علي ذلك .

أما باقي البنود الأخري ، الخاصة بالمصروفات فإننا نري أنها ما زالت في حاجة للترشيد فهل خفض نسبة 4,6% في بند شراء سلع وخدمات حكومية هو خفض كاف ، أننا لا نطالب بخفض مخصصات شراء الأدوية والأغذية للمستشفيات والمدارس ، ولكنننا ننادي بخفض عدد السيارات الخاصة والمخصصة لكبار المسئولين في الدولة ، أننا ننادي ، بخفض نفقات السفر للخارج لحضور المؤتمرات وخفض عدد أفراد الوفود في هذه المناسبات ، أما مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية فلنا أن نسأل عن جدوي دعم تنشيط الصادرات والبالغ 3,1 مليار جنيه في المشروع بعد أن كانت فعلياته 4,2 مليار جنيه في 2008/2009 ، 3,3 مليار جنيه في 2009/2010 ، 3,2 مليار جنيه في 2010 /2011 ، 2,5 مليار جنيه في 2011 /2012 أي في التوقيت الذي يتناقص فيه الانفاق الفعلي من هذا البند ، نجد المشروع الحالي يقدر له زيادة مبلغ 600 مليون جنيه، أن هذا البند يا سادة يجب أن يعاد النظر فيه وبشكل جذري فأنت عليك أن تدعم فقط الصناعة التي لك فيها ميزة تنافسية محتملة ، ولفترات محدودة لا أن يتم الدعم هكذا دون مراعاه ضوابط الميزة التنافسية المحتملة للصناعة ، ودون تحديد سقف زمني لهذا الدعم فأنت هنا تدعم المستهلك الأجنبي علي حساب الفقراء من المصريين ، وتساهم علي استمرار صناعات قد لا يكون لك فيها أي نصيب من المزايا التنافسية علي المستوي العالمي مستقبلاً ، والنصيحة هنا للمنتج هو أن يبحث عن سلعة يستطيع إنتاجها بتكلفة معقولة في ظل جودة محددة وبيع بسعر يقبله السوق العالمي .

الملاحظة الثالثة :

وهي الخاصة بالموارد العامة من إيرادات ضريبة وإيرادات غير ضريبية فالملاحظة عليها أن الإيرادات الضريبية قد بلغت 67,8% من إجمالي الإيرادات والبالغ قدرها 393,4 مليار جنيه، أما باقي الإيرادات فهي إيرادات غير ضريبية تتمثل في فوائض البترول وقناة السويس والبنك المركزي ، والهيئات الاقتصادية وشركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام .

أن الزيادات في مفردات هذه الإيرادات هي زيادات متواضعة ولا تعكس جهداً للارتفاع بها فالضرائب العامة يعد المشروع بأنها ستصل إلي 150 مليار جنيه بعد ان كانت 13,7 مليار بزيادة قدرها 19,3 مليار جنيه أي بمعدل 14,8% ، أما ضرائب المبيعات فسوف تزداد بواقع 11,3 مليار جنيه وهي الضرائب التي تشكل 21,2% من إجمالي الإيرادات العامة ، أما الجمارك فالزيادة المقررة تصل لمبلغ 2,8 مليار جنيه بمعدل نمو 15,6 % تقريباً .

ولكن ما الذي يجعلنا نقول إن الزيادة في هذه الإيرادات هي زيادة متواضعة ، وقد تكون في رأي الأخرين أنها زيادة جيدة ، وماذا علي الحكومة أن تفعل في ظل هذه الظروف ؟ وهناك نقول ” لا ” أن الحكومة تستطيع عمل الكثير علي المستوي التشريعي وعلي المستوي التنفيذي ، وإذا اكتفينا بكتاباتنا في شأن تعديل التشريعات الضريبية والمناداة بضرائب تصاعدية وضرائب علي أرباح التداول في سوق الأوراق المالية وغيرها من التشريعات ، فإننا نذكر هنا مستوي أخر بخلاف المستوي التشريعي ألا وهو المستوي التنفيذي فعلي مستوي الضرائب العامة ، لنا أن نسأل هل تم حصر المجتمع الضريبي بالكامل أم أن هناك حالات مازالت بعيدة عن الحصر الضريبي ، وكم يبلغ عدد هذه الحالات ؟! هل هناك خطة ( أهداف – وتوقعات زمنية ) لدي مصلحة الضرائب لعمل حصر ميداني للمجتمع الضريبي علي النحو الذي تم في عام 1978 حينما كان علي رأس وزارة المالية شاب تبني مسألة الحصر الضريبي الشامل ، وكان ذلك الحصر هو أول وآخر حصر للمجتمع الضريبي المصري ، وما عاداه فهي محاولات يقوم بها مأمورو الحصر في نطاق مأمورياتهم دون خطة قومية تغطي جغرافية المجتمع الضريبي ، أما بالنسبة للجمارك ، ونقول هنا بالدليل العملي أنزل شارع 26 يوليو ، والموسكي ، والعتبة ، لكي تشاهد بعينك البضائع المهربة تباع علناً في وضح النهار ، انظر إلي ميدان الجيزة وكم سوف تشاهد من الباعة الجائلين الذين يتاجرون في كل شيء وأي شيء دون أن تتعرف علي منفذ دخول هذه السلع ، والبيع بأسعار تنبئ لك عما خفي من معاملة تمت بعيداً عن رجال الجمارك – بس الناس بتقول منين الفلوس .

عزيزي القارئ :

والآن ماذا نفعل ؟ هل من رؤية جديدة لمشروع موازنة يحقق العيش والحرية والعدالة الاجتماعية .

نعم وموعدنا الأسبوع القادم .

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق