مخـــــاوف مـــــن “إعصـــــار” اقتصــــادي عـــــالمي جديــــد

121

فلويد نوريس: المخاطر أكبر من 2008 لأن العالم يبدو مقسماً

تداعيات أزمة الديون الأوروبية ألقت بظلالها بشكل كبير علي الأسواق الأوروبية والعالميةمنذ أقل من 4 أعوام، مع تعرض النظام المالي العالمي لخطر الانهيار، تمكنت البلدان الكبري من التجمع في مسار منسق أدي إلي تفادي حدوث ركود عالمي. فقد قامت البنوك المركزية بضخ مبالغ نقدية ضخمة داخل النظم الاقتصادية، وتم تقديم برامج إنقاذ مالي للبنوك، مع تعهدات بإخضاعها لضوابط تنظيمية أكثر صرامة.

ومع أوائل عام 2009، كانت الأزمة قد وصلت إلي منتهاها، وبدأت الأسواق المالية في التعافي بقوة. أما النظم الاقتصادية فقد اتبعتها بسرعة أبطأ، وحتي العام الماضي، بدا أن النمو ببطء هو النمط السائد في العالم، مما أحيا الأمل في أن تكون الأزمة قد ولت ومضت.

ولكن في غضون الأسابيع القليلة الماضية، بحسب تحليل للخبير فلويد نوريس نشره في “نيويورك تايمز”، بدا أن قدرا كبيرا من هذا الأمل قد تبدد. ففي أوروبا، اتخذت الأمور مسارا أسوأ، وليس أفضل، وازدادت حدة الخلافات بين زعماء أوروبا، في ظل مؤشرات توحي بأن معظم أجزاء القارة العجوز قد انزلقت إلي حالة ركود جديدة. وفي الصين، يظل النمو قويا بالمعايير الغربية، لكن القلق يتصاعد بشأن احتمال نهاية الانتعاش العقاري الذي كان قد ساهم في حدوثه نشاط الاقتراض والإنفاق الذي كانت تقوم به الحكومات المحلية.

وفي الولايات المتحدة، التي كانت واحة من الهدوء النسبي تشهد تنامي الاقتصاد وزيادة معدلات التوظيف، وصل حجم النمو في الوظائف خلال شهر مايو (أيار) الماضي، الذي تم الإعلان عنه يوم الجمعة الماضي، إلي مستوي متدن بلغ 69 ألف وظيفة جديدة فقط. ومما زاد النظرة المستقبلية تشاؤما تخفيض الأرقام التي كانت معلنة في السابق، ليكون هذا التقرير هو الثالث ضمن سلسلة من التقارير الشهرية المخيبة للأمل.

وبالإضافة إلي ذلك، يبدو أن هناك استعدادا – أو ربما قدرة محدودة – لدي البلدان الكبري في ما يتعلق بتوحيد الجهود مرة أخري، حيث ازدادت النزاعات في ما بينها، وما زالت بعض البلدان تعاني من ضائقة مالية، بينما تواجه بلدان أخري مشكلات داخلية خانقة. وتتعرض البنوك لضغوط كبيرة في كثير من البلدان، وذلك لمجموعة متنوعة من الأسباب، حيث لم تحقق رؤوس أموال بالقدر الذي كان من الممكن أن تحققه حينما كانت الأسواق أكثر نشاطا العام الماضي. وفي بعض الحالات، بدا أنها كانت متباطئة في الاعتراف بالخسائر التي تكبدتها من القروض العقارية.

لكن العامل الأكثر أهمية ربما يكون ضعف الحكومات الوطنية، من جميع الجوانب الممكنة. فلا شك أن بعض البلدان غير قادرة علي توفير حزم إنقاذ مالي لبنوكها مرة أخري، بل أصبح بعضها يعتمد حاليا علي تلك البنوك نفسها في الحصول علي قروض كي تستمر تلك الحكومات في تسيير أمورها، في وقت صار المستثمرون من القطاع الخاص غير مطمئنين بشأن جدارتها الائتمانية. وقد اقترح رئيس البنك المركزي الأوروبي، ماريو دراغي، الأسبوع الماضي، نوعا من الضوابط التنظيمية الأوروبية المشتركة بخصوص ودائع البنوك وشركات التأمين، ولكن لا يبدو أن هناك إجماعا حول هذه المقترحات.

وقد قام الناخبون الغاضبون بتغيير كل الحكومات الكبري تقريبا في أوروبا حينما جاء موعد الانتخابات، وكان آخرها في فرنسا، ولم تكن هذه مسألة تيار يساري في مقابل تيار يميني. والزعيم الكبير الوحيد الذي أعيد انتخابه منذ عام 2008 هو المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، غير أن انتخابات الولايات الأخيرة فاز بها حزب المعارضة، كما أن الاقتصاد الألماني نفسه يبدو أنه قد بدأ يفقد قوته.

والوضع الانتخابي الأكثر إثارة للقلق هو ذلك الذي نراه في اليونان، التي يبدو أنها عالقة في ركود دائم وغير قادرة علي الالتزام بمطالب التقشف المتشددة التي يريدها شركاؤها الأوروبيون. ومع وصول الانتخابات الوحيدة التي أجريت هناك إلي طريق مسدود بين مجموعة متنوعة من الأحزاب، فسوف تحاول اليونان مرة أخري يوم 17 يونيو (حزيران). ويخشي الكثيرون من أن تكون النتيجة هي خروج عشوائي لليونان من منطقة اليورو، بينما يري الآخرون أن هذا قد يؤدي إلي نهاية اليورو تماما.

وبالنسبة للحكومات التي تحتاج إلي اقتراض الأموال، فإما أن يكون هذا هو التوقيت الأفضل وإما أن يكون الأسوأ علي الإطلاق، فمن الصعب تصور مدي تدني أسعار الفائدة في ألمانيا والولايات المتحدة، حيث يتراوح العائد علي أذون الخزانة الأميركية التي يبلغ أجلها عامين حول ربع في المائة، بينما يبلغ عائد نظيرتها الألمانية واحدا من الألف في المائة. وبهذا السعر، تستطيع الحكومة أن تقترض مليون يورو، وتسدد عليه فائدة تبلغ 100 يورو سنويا. غير أن البلدان الأخري تعاني من صعوبات في اقتراض الأموال من الأساس، وتسدد أسعار فائدة أعلي بكثير من أجل الحصول علي أي أموال يمكنها الحصول عليها. فالأمر ليس أن يري أحد أن العائدات المتاحة علي السندات الحكومية الألمانية والأمريكية جذابة، بل إن المستثمرين الخائفين يعتبرون تلك السندات آمنة.

وإذا كان نثر الأموال علي المشكلة هو الحل للأزمة المالية الماضية، فإن الكثيرين اليوم يعتبرون أن ذلك هو السبب في المشكلات الراهنة. فقد كانت اليونان تنتهج سياسات إنفاق سارت بها إلي المأزق الذي تعاني منه حاليا، بينما لم تكن تحرص علي تحصيل الضرائب المستحقة لها، وكانت تخفي المشكلة عن بقية أوروبا. أما إسبانيا فقد كانت تحقق فوائض في الموازنة، قبل أن تنفجر الفقاعة العقارية الموجودة بها وتترك الحكومة تترنح. ومع ذلك، فإن كل البلدان المتعثرة تتلقي نصائح – في الغالب من ألمانيا – بأن تلتزم بسياسة تقشف قاسية. وفي ظل وجود عملة مشتركة، فمن الصعب معرفة كيف تستطيع بعض البلدان أن تعود إلي التنافسية علي المستوي الدولي.

وفي الولايات المتحدة، لم تؤد سهولة الاقتراض إلي أن تصبح زيادة وتيرة الإنفاق أسهل سياسيا، بل صارت هناك، بدلا من ذلك، احتمالية حدوث “كارثة ضريبية”، بمعني أن يؤدي عدم استعداد الساسة للارتضاء بحلول وسط إلي مزيج من التخفيضات الكبيرة التلقائية في الإنفاق وزيادات مقابلة في الضرائب في عام 2013، مما قد يدمر النمو الاقتصادي تماما. وكل هذا يحدث وسط حملة انتخابية يتوقع لها الكثيرون أن تكون الأكثر خطورة وتعقيدا علي الإطلاق.

وعلاوة علي ذلك، فقد تبخر الإجماع الذي كان موجودا علي ضرورة تعزيز الضوابط التنظيمية المالية وتوحيدها. ففي أوروبا والولايات المتحدة، تقول البنوك إن المؤسسات الأخري عبر المحيط الأطلسي تتمتع بمزايا غير عادلة، كما تشكو الجهات التنظيمية من أن القارة الأخري لم تتخذ الخطوات المطلوبة. وفي الولايات المتحدة، فربما تكون الضغوط القوية التي تمارسها البنوك من أجل تخفيف القواعد التنظيمية قد تأثرت كثيرا بخسائر التداول التي تكبدها بنك “جي بي مورغان تشيس” والتي تجاوزت مليارات الدولارات أو ربما لا، لكن الكثيرين في الكونغرس، وبشكل أساسي من الجمهوريين، عادوا إلي الاعتقاد القديم بأن إفراط الحكومة في فرض الضوابط التنظيمية هو ما خلق هذه المشكلة. ومن الممكن أن ينقشع هذا التشاؤم المتفشي بنفس السرعة التي تراكم بها، حيث سيكون هناك أثر إيجابي في حالة ظهور بعض الأنباء الاقتصادية الجيدة بشكل مفاجئ في الولايات المتحدة والصين. والشيء الأكثر أهمية هو أن يتوصل زعماء أوروبا إلي اتفاق علي برنامج عمل يبعث علي الأمل في حدوث تعاف في أشد المناطق تضررا داخل القارة، مع ضمان حصول النظام المالي المشترك علي دعم المؤسسات المشتركة عند اللزوم. وقد سبق أن تمكنت أوروبا من التجمع علي موقف واحد حينما كانت الكارثة تلوح في الأفق، وربما يكون في استطاعتها أن تفعل ذلك مرة أخري. فمن الممكن أن تقرر ألمانيا – البلد الذي عليه أن يتحمل القدر الأكبر من فاتورة إنقاذ جيرانه – أن عدم إنفاق الأموال قد خلق مزيدا من المخاطر. ومن الممكن أن تعثر الولايات المتحدة علي سبل لتقديم المساعدة، رغم الضغوط المالية ورغم معارضة الكونغرس للمساعدات الأجنبية. ومن الممكن أن يظهر إجماع جديد علي فرض ضوابط تنظيمية مصرفية مشتركة. ولكن في الوقت الراهن علي الأقل، تبدو النظرة المستقبلية أكثر تشاؤما مما كانت عليه قبل شهرين فقط.

نقلا عن جريدة الشرق الأوسط

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق