رداً علي الأنبا بيشوي: الحرية والگرامة الإنسانية في اختيار الأزيــــاء

161

نبيل فرج

أثار الأنبا بيشوي، مطران دمياط وكفر الشيخ والبراري، غضب المسيحيات، حين طالبهن في اجتماع جماهيري عام بالتشبه بالمسلمات في ارتداء الزي، بما يعني أنهن متبرجات، وبالتالي غير محترمات.

وتعبيرا عن الغضب من هذه الدعوة التي تمس العفة، وتفقد المرأة استقلال الإرادة، تظاهر أمام المقر البابوي بالعباسية عدد كبير من المسيحيات، حملن لافتات الرفض لدعوة الأنبا بيشوي، وتضامن معهن أكثر من عشرين جمعية ومركز حقوقي وحركة نسائية وموقع علي النت.

وبغض النظر عن أن الأنبا بيشوي كان يغازل بهذه الدعوة التيارات الأصولية والسلفية التي تتصاعد بقوة في هذه الأيام وهي واثقة من أنها ستحكم البلاد، إلا أن ما لا يعرفه هذه التيارات نفسها، أنه لم يحدد زيا معينا للأخذ أو الالتزام به، ولا يمكن الخروج عليه، لا بالنسبة للنساء ولا بالنسبة للرجال، كما أفتي عدد من علماء المسلمين والمتخصصين في الشريعة، رأوا في عبارات صريحة أن الأخلاق وميزان الحياة في النيات وفي السلوك وفي العمل، لا في المظهر الخارجي.

والدليل علي هذا الوضع السمح أن الإسلام لم يمنع الزواج من غير المسلمات علي نحو ما تمنع المسيحية الأقباط من الزواج من غير العقيدة.

ولم يشترط الإسلام أيضا للمتزوجات من المسلمين أن يتخلين عن عقيدتهن، حفظا للحرية الشخصية والكرامة الإنسانية.

بل إنه منح المرأة «المشركة» بالمصطلح الديني، المتزوجة من المسلم، الحق أيضا في ممارسة تكاليف دينها، كما يفعل زوجها سواء بسواء.

وهذا دليل أيضا علي أنه لم يفرض شيئا مخالفا لما نشأت عليه المرأة في الديانات الأخري، ولما تعودت عليه، يقيد حريتها.

ويؤكد الدستور القادم في مادته الثانية هذه الحرية، بالنص علي أنه من حق أبناء الديانات السماوية الاحتكام إلي شرائعهم فيما يتصل بأحوالهم الشخصية.

ومن المعلوم في كل المتون الموثقة أن الأزياء جزء من تراث الأمة وهوية المجتمع وثقافته، يدخل في تشكيلها المناخ أو الجغرافيا، بما يحفظ للإنسان صحته في الجو الطبيعي، ويمكنه من تحقيق أغراضه.

وفي تاريخنا الحديث مئات أو آلاف الشيوخ وأساتذة الجامعات وأعلام الثقافة وأصحاب المهن وغيرهم، تزوجوا من مسيحيات في بلادهم، أو من الأجنبيات، وبقي كل من الزوج والزوجة علي دينه وعاداته وزيه، بلا أدني شعور بالحرج، رغم اختلاف المكونات، ومصادر المعرفة، ومنهج التفكير.

ومع هذا، أو بفضل هذا، كان زواجا موفقا بحكم الطرفين، علي مستوي الدين والدنيا، ينعم في أرض أولياء الله، بدفء العواطف، ولا يصيبه التصدع.

والذين عرفوا طه حسين، أو قرأوا كتاب «معك» لزوجته الذي ترجم إلي العربية، رأوا الحرية الكاملة التي تمتعت بها هذه الزوجة الفرنسية في كل شئونها الخاص، وكيف كانت تذهب صباح كل يوم أحد إلي الكنيسة للصلاة، وهي زوجة رجل مسلم، تخرج في الأزهر، ورأس مجمع اللغة العربية، وكان عميدا للأدب العربي، ولا تختلف مصر الفرعونية، في حرية الاعتقاد، عما غدت عليه في تاريخها الحديث.

وإذا كانت زوجة المسلم غير ملزمة بالخضوع لعقيدة زوجها، كما احترمت مصر القديمة كل معتقدات ومعبودات وطقوس الغرباء، فلا محل مطلقا لدعوة رجل ديني مسيحي لمسيحيات لتغيير الذهن الذي عاشت به أجيال كاملة من المجتمع المصري، كانت تدرك بالبداهة أن الاحتشام الزائد ليس علامة علي العفة، وقد آن الأوان لتوضيح هذه القضية علي محك المواطنة المصرية، ووضعها في نصابها الصحيح، دون وصاية أحد، أو محاولة جعل شركاء الوطن اتباعا.

إن ما قاله الأنبا بيشوي لا يتعارض فقط مع حقوق المواطنة، ولكنه يتعارض أيضا مع حقوق الإنسان.

وليس من الحكمة معارضة هذه الحقوق.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق