في عيدها الثامن والسبعين الإذاعة المصرية .. مازالت تحدثنا «هُنا القاهرة»

124

كتبت:  نسمة تليمة

إذاعات «أهلية» متناثرة هنا وهناك سبقت جملة «هنا القاهرة»، في عشرينيات القرن الماضي، ففي القاهرة كانت هناك إذاعة «مصر الجديدة» وهي أول إذاعة أهلية تم تأسيسها عام 1925 وبعد عامين افتتحت محطة أهلية أوروبية أخري هي إذاعة «سابق» وفي عام 1932 افتتحت «محطة راديو الأمير فاروق» وفي الإسكندرية افتتحت إذاعتان الأولي «راديو سكمبري»، والثانية «راديو فيولا» ولم يكن هناك أي مرسوم يحدد نظم عمل هذه الإذاعات أو يفرض عليها أي نوع من الرقابة وهو المناخ الذي وجد فيه القائمون علي الإذاعات والمستمعون فضاء جديدا للتعبير والرأي.

واتخذ البعض في تلك الفترة بعض هذه الإذاعات منبرا للهجوم علي الاستعمار البريطاني، ووصل الأمر إلي التراشق بالشتائم بين الإذاعات والمداخلات بين الجمهور والمذيعين، وهنا أصدر المندوب السامي البريطاني قرارا بإنشاء إذاعة حكومية ودعت السلطات أصحاب الإذاعات الأهلية لإغلاق محطاتهم فور الانتهاء من إنشاء الإذاعة الحكومية وتم توقيع عقد احتكار بين وزارة المواصلات وبين شركة «ماركوني» البريطانية حتي تم تمصير الإذاعة.

البداية

قال أحمد سالم بجملته الشهيرة في 31 مايو 1934 «هنا القاهرة».. وهكذا بدأت الإذاعة المصرية أول بث لها في الخامسة والنصف من مساء ذلك اليوم، حيث قال سالم: هنا افتتاح الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية الرسمية والتي أصبحت اليوم 10 إذاعات منها «الشباب والرياضة، الشرق الأوسط، القاهرة الكبري، البرنامج العام، القرآن الكريم، راديو مصر، البرنامج الموسيقي» وغيرها.

جاءت ثورة يوليو 1952 كمحرك أساسي لاختلاف شكل التعامل مع «الإذاعة» حيث وضعتها علي قمة أولوياتها ولعبت الإذاعة دورا سياسيا بالغ الأهمية علي الصعيد الداخلي بتعبئة الجماهير لمؤازرة القرارات السياسية التي تتخذها قيادات الثورة.. هذا الدور والتأثير الكاسح علي مستوي الجماهير العربية خاصة إذاعة «صوت العرب» والتي قد يري البعض أنها أنشئت خصيصا من أجل هذا.

«صوت العرب» فتحت أبوابها للعديد من الفنانين والمثقفين والمفكرين العرب، فالبداية عندما خصصت الإذاعة ركنا للسودان الذي كان لايزال ضمن الدولة المصرية وقتئذ قبل استقلاله، حيث كانت رغبة قادة ثورة يوليو في الانفتاح أكثر علي المحيط العربي وراء انتشار إذاعة صوت العرب في الرابع يوليو 1953 وحلت فيما بعد حل البرنامج الثاني الذي ألغي ووصلت ساعات بثها مع الوقت إلي 22 ساعة، حيث شنت حملات عنيفة علي الاستعمار الفرنسي في المغرب حتي أن ملك المغرب محمد الخامس قال «إنها كانت إشارة للانتصار في منفاه».

المستمعين

الكثير من المواطنين بعد ثورة يناير أصبحوا من متابعي الإذاعة بشكل مستمر خاصة إذاعات الأخبار والتي ترسل كلماتها الإخبارية كل فترة قصيرة من الوقت أيضا بعد حرص الإذاعة علي متابعة الأحداث الساخنة من موقعها وإذاعة البيانات والمؤتمرات المباشرة لما يهم المصريين.

تقول نجية السيد – ربة منزل – إنها تحرص علي أن تأتيها أصوات الإذاعات المختلفة أثناء تواجدها بالمطبخ لإعداد الطعام وهوما اعتادت عليه منذ أن كانت صغيرة وتؤكد أن الحال نفسه هو حال زوجها أثناء قيادته للسيارة.. وتري نجية أن الإذاعة في السنوات الأخيرة قد تم تجاهلها نتيجة التليفزيون وأهميته ولكن في الحقيقة مازالت الإذاعة تحتفظ ببريقها.

مكتبة الإذاعة

ويري الخبير الإعلامي سيد الغضبان في تصريحات خاصة لـ «الأهالي» أن جزءا كبيرا من نهضة الإذاعة المصرية في الستينيات كان وليد الإرادة السياسية والإيمان بأهمية الإعلام وحريته، لأن الإيمان فقط بقيمته دون الإيمان بحريته سيجعل السلطة تستخدمه استخداما سيئا، ويعول «الغضبان» علي فكرة «الكوادر الإذاعية» التي تستطيع أن تقوم بدور إيجابي مؤثر، ويبرر أسباب تراجع الإذاعة المصرية في فترة النظام السابق لعدم وجود مثل هذه الكوادر فوجود القيادات المثقفة في فترة ما جعل للإذاعة دورا سياسيا رائدا لنشر الصحافة والفن الرفيع وهؤلاء أصبح لهم شأن في المجتمع ورفض «الغضبان» الحديث عن تراجع الجمهور عن الاستماع للإذاعة مؤكدا أن 90% منهم يتابعونها في أوقات العمل أو السير أو الفراغ.

الواسطة

وهو ما اتفق الإعلامي حمدي الكنيسي ورئيس الإذاعة الأسبق معه حيث أكد لـ «الأهالي» أن الإرادة السياسية بجانب الاستعداد والحماس من الإذاعيين هو ما صنع الإذاعة بتاريخها لتمر عليها 78 عاما ومازالت محتفظة بتألقها.

ويضرب مثالا بما حدث في زمن عبدالناصر حيث كانت الإذاعة هي رأس الحربة في كل القضايا التي خاضتها مصر من أجل التنمية والعدالة الاجتماعية والتحرر العربي، فعبدالناصر أدرك أهميتها وعمل علي تطويرها لذلك أوصي بإنشاء «صوت العرب» التي لعبت دورا مباشرا في إذكاء الروح القومية، أما النظام السابق للرئيس المخلوع فيري «الكنيسي» فلم يكن هناك أي إرادة سياسية لتطوير الإذاعة أو اقتناع وحماس لها لذا حدث التراجع وعن دورها الوطني والقومي رغم «اجتهادات» البعض لرقيها وهو ما حاول فعله أثناء ترأسه الإذاعة بالتطوير المهني وإنشاء شبكة للإذاعات المتخصصة التي ضمت راديو مصير، الأغاني، الكبار، التعليمية ولكن هذه الظروف كلها لم تمنع من وجود إذاعيين يمتلكون الخبرة والجودة ولكن المناخ السيئ في رأيه قد أدي إلي تسريب بعض الأصوات غير المؤهلة للميكروفون.

ويتذكر معنا «الكنيسي» عندما كان رئيسا للإذاعة أن طلب منه وزير سابق تعيين شخص ما بعينه في الإذاعة وعندما وافق الكنيسي بشرط اجتيازه الاختبارات الإذاعية استاء الوزير منه وقال له «أمال إحنا جايبنكم ليه»؟! فرد عليه الكنيسي «إحنا جينا بمجهودنا».

ويضيف «الرئيس المخلوع» كان مغرما بالشاشة فقط لذلك أهمل الإذاعة حتي أنني في إحدي اجتماعاتي مع رئاسة الوزراء قلت: «الإذاعة بنت البطة السودا يعني؟» عندما ناهضوا تحديث الاستديوهات، ويتذكر «الكنيسي» كيف اجتاز اختبارات الإذاعة وهو شاب والتي كانت عبارة عن «كتابة مقال باللغة العربية، وآخر بالإنجليزية، وترجمة من الإنجليزي للعربي، وامتحان في الصوت ومخارف الحروف وامتحان في المعلومات العامة»، ووقتها تقدم للامتحان 8 آلاف اجتازه 6 فقط كان منهم «الكنيسي».

غنوة وحدوتة

فيما تري الإذاعية الكبيرة «فضيلة توفيق» أو أبلة فضيلة أن الإذاعة مازالت قادرة علي العطاء والمستمع المصري مازال منتظرا الكثير منها وقادرا علي الاستجابة برغم كل هذه السنوات، وأنها لذلك فضلت الاحتفال بعيد الإذاعة علي طريقتها الخاصة من خلال برنامجها «غنوة وحدوتة» الذي مازالت تذيعه يوميا في الصباح قائلة «لسه الإذاعة زي ما هي شابة زي ما هي جميلة، إذاعة جمهورية مصر العربية».

وتبرر أبلة فضيلة حبها للإذاعة بالكثير وتذكر عندما طلبت منها سوزان مبارك حرم الرئيس المخلوع أن تقدم برامج علي شاشة التليفزيون فرفضت رغم أنها أشارت لها «ده أمر يا أبلة فضيلة» فردت عليها «التليفزيون له حلواته والإذاعة لها أصواتها» وتري أن الميزانيات القليلة الآن تمنع الإذاعة من العمل كما يليق بها رغم أنها تأتي بالخبر وقت حدوثه. وتتذكر الدورات التدريبية التي كانت تحصل عليها وهي شابة وتري أنها كانت مفيدة للجميع.

برنامج «وقال الفيلسوف» توقف فجأة بعد ثورة يناير، وهو التوقف الذي حمل الكثير من علامات الاستفهام فهذا البرنامج عمره ثلاثون عاما وله جماهيريته الخاصة، تقول الفنانة سميرة عبدالعزيز «بطلته» إنها فوجئت بتوقفه لعدم وجود ميزانية كافية كما قال لها المسئولون وطلبوا منها هي والمقدم سعد الغزاوي تسجيل حلقتين في الشهر فرفض المؤلف ومن يومها توقف البرنامج رغم أن كثيرا من الأجيال مازالت تتذكره وعاشت عليه.

وتري «عبدالعزيز» أن الإذاعة تحتاج إلي ميزانية أفضل لتدفع للمؤلفين أجورهم وتقدم أعمالا تستطيع بها منافسة الإذاعات الخاصة خاصة، وأنها مفترض أنها خدمة للمواطن ولا تبحث عن الربح التجاري.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق