مفاجأة اختيار البابا القادم

22

استبعاد الأساقفة الكبار لترجيح تولي «راهب» رئاسة الكنيسة القبطية

«باخوميوس» رفض الترشح ليتفرغ للتخلص من مثيري الصراعات والفتن

كتب سامي فهمي

تمكنت لجنة الترشيحات برئاسة الأنبا باخوميوس من تجاوز مأزق ترشيحات المنصب البابوي، بالإطاحة بالأساقفة الكبار المرشحين واستبعادهم من القائمة النهائية مما يعني تجاوبا ضمنيا مع مطالب عدم ترشح الأساقفة.

تمسكت المنظمات والجمعيات القبطية والمثقفون والمفكرون الأقباط بأن عدم ترشح الأساقفة يحمل في أحد معانيه وأهدافه رغبة كامنة في عدم السماح للأساقفة الكبار المتصارعين والمتنافسين علي المنصب والزعامة خوفا من الصدامات وتمزق الكنيسة وانهيار الكيان الروحي لصالح الزعامة الدينية التي لا تصلح لإدارة شئون الكنيسة القبطية في الوقت الحالي، وهو الأمر الذي استجابت له لجنة الترشيحات باستبعاد رءوس الصراع ومصادر الفتنة داخل الكنيسة، وفي ذات الوقت تضمنت قائمة المرشحين النهائية اثنين من الأساقفة طالما أن لائحة الانتخابات تسمح بترشح الأساقفة حتي لا تواجه اختيارات «اللجنة» بموجة من الاحتجاجات من الأساقفة المرشحين لو جاءت القائمة النهائية خالية تماما من أسماء الأساقفة.. وهذه هي المعالجة الحكيمة التي تتميز بالاتزان والتوازن لتحقيق مطالب الأقباط في أن يكون البابا الجديد راهبا لم تسبق رسامته مطرانا أو أسقفا مع عدم إغضاب الأساقفة المرشحين باختيار اثنين منهم ضمن القائمة لا يتمتعون بالشهرة اللامعة ولا الصيت الذائع ليس لهما خلافات ولا صدامات مع أحد، واحتمالات اختيارهما ضمن الثلاثة الحاصلين علي أعلي الأصوات ضعيفة.

والمعروف أن الأسقف أو المطران هو في الأصل راهب ولكن تمت رسامته لدرجة أعلي وأمسك عصا الخدمة ووفقا لتاريخ الكنيسة فإنها تحرم ترشيحه للمنصب البابوي حتي لا تتم رسامته مرة أخري علي أن يقتصر الترشيح علي الرهبان في الأديرة وهم الذين لم تسبق رسامتهم لدرجة أعلي.

في المؤتمر الصحفي الذي عقده الأنبا باخوميوس لإعلان القائمة النهائية للمرشحين «السبت» الماضي بدير الأنبا بيشوي بوادي النطرون، جاءت القائمة خالية من أسماء الأنبا بيشوي أسقف دمياط وسكرتير المجمع المقدس والأنبا يوأنس الأسقف العام وسكرتير البابا شنودة الراحل والأنبا بطرس الأسقف العام إضافة إلي استبعاد الأنبا بفنوتيوس أسقف سمالوط، ضمت القائمة اثنين فقط من الأساقفة هما الأنبا روفائيل أسقف عام كنائس وسط القاهرة حاصل علي بكالوريوس طب عين شمس عام 1982 لا يحب العمل بالسياسة ويفضل ابتعاد رجال الدين عن العمل السياسي وهو زاهد في الحياة والزعامة، أما الأسقف الثاني الأنبا تاوضروس أسقف عام البحيرة حاصل علي بكالوريوس صيدلة الإسكندرية عام 1975 وكان يعمل بمصنع أدوية بدمنهور قبل الرهبنة، لا يحب الأضواء وليست له اهتمامات دنيوية، أما بالنسبة للرهبان فقد تم اختيار ثلاثة من الرهبان في القائمة النهائية واستبعاد سبعة آخرين تقدموا للترشيح، الرهبان الذين وقع عليهم الاختيار هم: القمص روفائيل أفامينا وهو التلميذ المخلص للبابا كيرلس السادس مما يعني تجاوب لجنة الترشيحات مع الرغبات المتزايدة للأقباط في أن تعود لرئاسة الكنيسة الروحانية والبساطة والتواضع ونبذ الصراعات والهدوء الذي تميزت به فترة البابا كيرلس وذلك في حالة اختيار القمص روفائيل أفامينا ضمن الثلاثة الحاصلين علي أعلي الأصوات ليخوض الجولة التالية بالقرعة الهيكلية، وهو حاصل علي ليسانس حقوق عين شمس عام 1964.

والاثنان الآخران هما القمص باخوميوس والقمص سرابيوم من دير السريان، بذلك فإن قائمة المرشحين بطبيعة الأسماء الخمسة التي تضمها ومواقعهم وألقابهم الدينية تمنح فرصا واسعة للناخبين لترجيح انتخاب «راهب» لرئاسة الكنيسة القبطية.

بل يمكن القول إن لجنة الترشيحات بحسب القائمة النهائية التي اختارتها تميل نحو انتخاب «راهب» بعد استبعادها للأساقفة الكبار ذوي الشهرة واللمعان وبقاء اثنين فقط من الأساقفة البعيدين عن أجواء الاستقطاب والمنافسة، أيضا زيادة عدد الرهبان علي الأساقفة في القائمة النهائية قد يصلح مؤشرا يعبر عن توجهات اللجنة خاصة أن التصويت في الانتخابات يكون بشطب الناخب لأسماء المرشحين الذين لا يرغب في اختيارهم بحيث لا تزيد الأسماء الباقية بدون شطب في ورقة الاقتراع علي ثلاثة أسماء طبقا للمادة (16) من لائحة 57.

إذن سيقوم الناخب بشطب اثنين من المرشحين الخمسة ليتبقي ثلاثة فقط، فإذا كان عدد الرهبان في ورقة الاقتراع ثلاثة رهبان وعدد الأساقفة اثنين فقط فإن عملية التصويت في أسوأ الأحوال لابد أن تسفر عن فوز أحد الرهبان ضمن الثلاثة الحاصلين علي أعلي الأصوات، وفي أفضل الأحوال قد يكون الثلاثة الحاصلون علي أعلي الأصوات هم الرهبان الثلاثة المرشحون مما يضمن تولي «راهب» رئاسة الكنيسة بعد إجراء القرعة الهيكلية، لذلك جاء اختيار لجنة الترشيحات لخمسة مرشحين فقط وليس ستة لضمان بقاء راهب واحد علي الأقل لخوض القرعة الهيكلية.

ميل لجنة الترشيحات بحسب أسماء المرشحين المعلنة لاختيار «راهب» ليجلس علي كرسي مار مرقس الرسول لم يأت تجاوبا مع مطالب الأقباط فقط من أجل حرمان المتصارعين من الترشح وإنما يمثل عودة للتمسك بقوانين المجامع الكنسية والمسكونية والتقاليد السائدة عبر تاريخ الكنيسة القبطية التي تمنع ترشح الأساقفة والمطارنة لموقع البطريرك واقتصار الترشح لرئاسة الكنيسة علي الرهبان فقط.. الآن فقط يمكن معرفة معني تصريحات الأنبا باخوميوس قائم مقام البابا بعد اعتذاره عن الترشح لانتخابات البابا عقد جلسة المجمع المقدس في أواخر أبريل الماضي، حيث قال إنه لا يريد أي منصب وإنما خدمة الكنيسة ولا يرغب في الترشح للحفاظ علي الكنيسة في الوقت الحالي، فالرجل كان مطلعا علي الصراعات والخلافات الحادة بين السادة المرشحين، ولو كان قد تقدم للترشح فلن يتمكن من التخلص منهم لأنه سيكون في حلبة السباق باعتباره مرشحا، لذلك فضل البقاء في موقعه كقائم مقام ليقوم بما يمليه عليه ضميره لصالح الأقباط والوطن.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق