إيريك هوبز باوم المارگسي الذي وضع أسسا جديدة لگتابة التاريخ

43

بقلم| د. محمد حافظ دياب

“من بين المؤرخين العرب المعاصرين، ربما كان رءوف عباس أول من نوّه بأفكار المؤرخ البريطاني ايريك هوبز باوم، وطرح تفاصيل توجهاته اليسارية واستراتيجيته في منهجية الكتابة التاريخية”

يشار هنا أن هوبز باوم، الذي غيبه الموت مؤخرا، أكد في كل أعماله علي أن الماركسية لعبت دورا أساسيا في تحديث الكتابة التاريخية، وبخاصة مع إدراكها دور البنية الأساسية في صياغة حركة المجتمع، ما عني لديه قدرة علم التاريخ علي التنبؤ عوض الوقوف في الماضي، وضرورة انحياز المشتغل بالتاريخ لنظرية سياسية أو اجتماعية بعينها، يوظفها في تقويمه للظاهرة التي يتصدي لها بالدراسة، بديلا عن المبدأ الشائع بضرورة التزام الباحث الموضوعية، عبر اتباع الحياد التام عند تعامله مع المادة التاريخية.

الرحلة

لنترك النظر، ابتداء، يتوقف عند التعرف علي صاحب هذا الإنجاز، الذي يعترف بأن اهتمامه بالتاريخ يعود إلي ارتباط تجربته الشخصية بأحداث عاشها هوبز باوم مفكر علماني وتقدمي، يحتل موقعا فريدا ومتميزا بين مؤرخي عصره، بفعل تنوع كتاباته وغزارتها وجديتها، ما جعله أبرز مؤرخي القرن العشرين.

ولد في الإسكندرية عام 1917 لأسرة يهودية من أب بريطاني وأم نمساوية، وانتقل إلي فيينا مع والدته بعد وفاة أبيه، حيث تابع دراسته في برلين، واضطر للرحيل إلي بريطانيا عام 1933، إثر تعاظم النزعة النازية والفاشية في ألمانيا وإيطاليا والنمسا ومناطق أخري في أوروبا الوسطي، وكان لمعاصرته صعود الفاشية وفشل الليبرالية، أثر كبير في تكوين آرائه السياسية اليسارية واقترابه من الماركسية، كما أثرت هذه التجربة في اهتماماته البحثية لموضوع الهويات وظواهر التعصب العرقي والديني.

وفي لندن، أكمل دراسته الجامعية، وحصل علي الدكتوراة في التاريخ من جامعة كيمبردج، وعمل محاضرا بجامعة لندن، وأصبح أستاذا للتاريخ الاقتصادي الاجتماعي بها عام 1970، وزميلا في الأكاديمية البريطانية عام 1978، والأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم عام 1982، وفي العام 1998، تم تقليده وسام الشرف في بريطانيا والكومنولث.

ماركس ولكن

ورغم انتمائه الماركسي منذ العام 1936، إلا أنه ندد بالغزو السوفيتي للمجر عام 1956، وعدل عن الحزب الشيوعي البريطاني إلي نظيره الإيطالي، وظل محافظا علي منظوره الماركسي العريض في توجهاته الفكرية وممارساته العملية، ومنذ مطلع القرن الحالي، عمل رئيسا لكلية بيربك التابعة لجامعة لندن، ثم في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية في نيويورك، وأستاذا زائرا في كبريات الجامعات الأوروبية والأمريكية والآسيوية، وعرف عنه إتقانه لعدد من اللغات، أبرزها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والأسبانية، ومهارته كعازف لموسيقي الجاز، وله كتاب مطبوع فيها، وآخر عن صلة الجاز بالمقاومة، علاوة علي اهتماماته الأكاديمية والفكرية والسياسية، وموقف مشهود ضد إسرائيل والصهيونية، أدي إلي تعاظم الحملات الصهيونية ضده خلال السنوات الأخيرة.

وعبر أعماله، تصدي هوبز باوم لدراسة الحركات الاجتماعية، باعتبارها مكونات رئيسية في القوة الدافعة التي تحرك مسارات التاريخ البشري، وروافد مؤثرة تعزز التوجه نحو التغيرات الكبري في التاريخ الحديث، ومنها الثورات الصناعية والفرنسية والأمريكية والروسية، حتي حركات التمرد والعصيان وانتفاضات الفلاحين وعمال المناجم في البيرو وأيرلندا وسيريلانكا وحماس الفلسطينية.

والقارئ لكتابه «المتمردون البدائيون» المنشور عام 1959، سوف يسترعي انتباهه تماثل ما ورد فيه عن الحركات الشعبوية مع الممارسات الراهنة للتيار السلفي في مصر، من حيث اتخاذ هذا التيار في حركته هيئة الحشد الجماهيري، كعشائر راسخة في اغترابها، متجمهرة في دوائر رهطية متصلبة، امتثالا لقناعات طوطمية المظهر، حرم عددها الغوغائي حقه في الرشد، وصير حركته مجرد تحريك لخيوط غير مرئية.

علي أن إنجازه الأهم والأكثر شهرة وذيوعا في الأوساط الفكرية والأكاديمية، يتمثل فيما أبدعه عن التاريخ الحضاري لأوروبا، منذ الربع الأخير من القرن الثامن عشر حتي نهاية القرن العشرين، واشتمل علي أربعة مؤلفات مرجعية هي: «عصر الثورة.. أوروبا 1789 – 1848»، و«عصر رأس المال 1848 – 1875» ، و«عصر الإمبراطورية 1875 – 1914» و«عصر التطرف.. وجيز القرن العشرين 1914 – 1991».

وفي جميع هذه الدراسات، التي ترجمت إلي أكثر اللغات الحية، يكون هوبز باوم قد ارتاد سبلا جديدة في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والحضاري، تبلور تاليا في مقاربات جيل من أبرز المشتغلين بقضايا التغير الاجتماعي والحركات الاجتماعية والتحليل التاريخي المقارن والتاريخ الحضاري.

المؤرخ

وفي المقدمات التمهيدية لأعماله، درج هوبز باوم علي التأكيد بأنه لا يسرد التاريخ، ولا يعيد صياغته، ولا يؤرخ لوقائعه أو يصف أحداثه كما تفعل جمهرة المؤرخين من قدامي ومحدثين علي سواء، بل ليتوجه إلي القارئ والمراقب والباحث الذكي، فيدرس ظواهر التاريخ الأساسية والأحداث الكبري، متجاوزا الوصف إلي التحليل، والسرد إلي التمحيص، والتعامل مع مفرداتها المنفصلة التي تلمس أوجه الترابط بينها، ومصاقبة الأشباه منها والنظائر، وبيان أثر كل منها في غيره، تسعفه في ذلك أدوات البحث الحديثة، وتدعم تحليلاته الإحصائيات والأرقام، بحيث تبدو الحصيلة النهائية صورة نابضة بزخمها وطاقتها علي «النبش» و«التنقيب»، وتفحص نسيج بني المجتمع الدروس ونظام تشكله.

يرفد هذه الصورة ويكملها، جديد يقدمه هوبز باوم في كتابته التاريخية علي مستويين.. مستوي الرؤية ومستوي المجال: علي مستوي الرؤية، يدحض التصور الشائع حول ضرورة التزام الباحث الموضوعية، باتباع الحياد التام عند تعامله مع المادة التاريخية، فلا ينحاز لوجهة نظر علي حساب أخري.

إذ لديه، لا بأس من انحياز المؤرخ لنظرية سياسية أو اجتماعية، اعتبارا من أن ذلك الانحياز قد يكون دافعا لإمعان النظر بعمق داخل الظاهرة المدروسة، فيما قد يستدعي أفكارا أخري، ويطرح قضايا جديدة، ويتجاوز الإطار الوصفي للحديث إلي تفسيره، طالما تجنب التورط في قولبة التاريخ، علي معني القيام بصب مادته التاريخية في قالب نظري معين، بقدر كبير من التعسف، وصولا إلي تأكيد مقولات النظرية التي يتبناها.

وعلي مستوي المجال، كان ممن رأوا أن الماضي البعيد لا يمثل حدود دراسة المؤرخ، علي نحو ما يتصوره المؤرخون السلفيون، ممن كان يحلو لهم الاتكاء علي زمن صغري أو نقطة ذهبية تقع في الماضي، الذي يمنع عنه كماله التبدل والفساد، بل يري أن واجب المؤرخ أن يدرس الماضي القريب الذي عاصره وكان شاهد عيان له، متسقا في ذلك مع ما أكد عليه المؤرخ الإغريقي القديم هيرودوت، حين حرض علي ألا يتناول المؤرخ أكثر من الفترة التي عايشها، بل له، طبقا لهوبز باوم، أن يتجاوز ذلك إلي استشراف المستقبل، من خلال خبرته الواسعة بتاريخ مجتمعه.

وإذا كانت وثائق هذا الماضي القريب لاتزال حبيسة، فهناك فيض زاخر من المصادر التي وفرها تطور أساليب الاتصال والإعلام، كالبيانات والتقارير الرسمية المعلنة، فيما تتواجد خارج الأرشيفات الرسمية مصادر تتعلق بالأنشطة الاقتصادية والاجتماعية لا يدخل معظمها في نطاق السرية، مثل: تقارير الهيئة الدولية، وتقارير البنوك وأسواق الأوراق المالية، وما يصدر عن المنظمات والجمعيات الأهلية، والمضابط الخاصة بالمجالس النيابية، وغيرها من المصادر التي يراها هوبز باوم تجعل من دراسة الماضي القريب ممكنة وميسورة، وإن احتاج الأمر إلي باحث مؤهل للتعامل مع هذه «العدة» غير التقليدية.

الشيوعي

وهوبز باوم مفكر يساري، اعتنق الماركسية منذ شبابه، رغم انتقاده للمواقف السوفيتية أكثر من مرة، لكنه كان دائما علي يقين من أن الحركة الشيوعية التي انتمي إليها، هي التي أدت، في المقام الأول، إلي دحر الفاشية والنازية في أوروبا.

وفي محاولة منه لتتبع أثر الماركسية في الكتابة التاريخية، أكد أن الماركسية لعبت دورا أساسيا في تحديث هذه الكتابة من حيث الأدوات المنهجية.

فالتفسير المادي للتاريخ جعل العامل الاقتصادي أساسيا وليس فرعيا، وقدم نموذج الأساس والبنية الأساسية الذي شاع استخدامه عند تناول تاريخ الفكر، وأبرز دور المصالح الاقتصادية في توجيه الصراع الطبقي، كما ترك أثرا بالغا علي معالجة بعض الموضوعات الصادرة عن الاهتمامات الماركسية مثل: التطور الرأسمالي والتصنيع، تاريخ الفلاحين والعمال، الحركات الاجتماعية، إضافة إلي القوانين التاريخية وفكرة الحتمية التاريخية.

ورأي هوبز باوم أن بعض ما قدمته الماركسية كان له تأثيره الكبير علي الكتابة التاريخية حتي عند المؤرخين غير الماركسيين، من حيث التأكيد علي العوامل الاقتصادية والاجتماعية ودورها في تحريك عجلة التاريخ، تلك التي شاع استخدامها بين المؤرخين علي اختلاف مشاربهم منذ الحرب العالمية الثانية، كما شاع استخدام نموذج الأساس والبنية الأساسية، وتعاقب التكوينات الاجتماعية الاقتصادية، وفكرة المجتمعات الشرعية علي ما فيها من افتراضات خاطئة.

وفوق ذلك كله، يعتبر هوبز باوم أن مساهمة ماركس الأساسية في علم التاريخ تتمثل في نقد الوضعية، وتجاوز النظرة الوظيفية للمجتمع، والمساعدة علي شرح الكيفية التي تتغير بها المجتمعات، وعلي كشف حقائق التطور الاجتماعي.

وفي محاولة منه لتحقيق هذا الهدف، نشر مخطوطة ماركس «التشكيلات الاجتماعية ما قبل الرأسمالية» مترجمة إلي الإنجليزية، بعد أن وضع لها مقدمة نظرية وتحليلية موسعة عن أنماط الإنتاج قبل الرأسمالية.

ومثلت هذه المقدمة وتلك الوثيقة إضافة نوعية متميزة إلي الأدبيات الماركسية لتحليل المشاعات الاجتماعية القديمة، وتبيان أثرها علي البنية الاجتماعية، كما أنها مثلت خروجا عن إطار الماركسية التقليدية التي حولت أنماط الإنتاج الخمسة المعهودة «المشاعية البدائية، نمط الرق والسخرة، الإقطاع، الرأسمالية، والاشتراكية» إلي نماذج جامدة.

هوبز باوم عربيا

ويثار في الأخير سؤال حال: تري ماذا يكون موقف هوبز باوم من الكتابة التاريخية العربية المعاصرة، وهو الذي كان يشيد دوما في أعماله بفضل ابن خلدون وابن حزم علي علم التاريخ ومناهج البحث فيه؟ لا ريب أن تحول التوجهات السياسية منذ السبعينيات، وما أصاب المؤسسات الأكاديمية من تدهور في مستوي الأداء خلال العقود الأخيرة، ومعاودة النفور من الفكر الماركسي ونبذ أصحابه، والجري وراء أفكار أخري كالحداثة وما بعد الحداثة، دون محاولة فهمها أو اختبارها أو النظر في إمكانية مواءمتها للواقع المصري.. كل ذلك كانت له آثاره علي الحيلولة دون الإفادة من الأدوات المنهجية للماركسية في الكتابة التاريخية، وهو ما أدي إلي تكريس التخلف المنهجي.

قبل ذلك، وعقب انسداد آفاق الكتابة التاريخية السردية، كما تبدت منذ الأعمال الأخيرة للجبرتي حتي كتابات عبدالرحمن الرافعي، جاءت الكتابات التاريخية الأولي التي استخدمت التفسير المادي للتاريخ، علي يد غير المتخصصين في هذا الحقل العلمي، ولم يتم تداولها إلا بعد منتصف الخمسينيات وما شهدته من أحداث حاسمة منذ قامت ثورة يوليو 1952.

وبرزت في هذا المجال كتابات شهدي عطية الشافعي وإبراهيم عامر وفوزي جرجس وأحمد صادق سعد، إضافة إلي ترجمات راشد البراوي في أوائل الخمسينيات، وبعض أعماله التي تناولت التفسير المادي للتاريخ، وهي كتابات يلاحظ عليها قلة الإلمام بالتطور التاريخي في مصر، وتطبيق المنهج الماركسي تطبيقا ناجزا لم يراع فيه خصوصية ظروف المجتمع المصري، واعتبار الصراع الطبقي محور الحركة التاريخية في مصر، ما يشير إلي أن استخدام الماركسية هنا كان سياسيا بالدرجة الأولي، عقائدي الطابع، لا يدخل في اعتباره المراجعات التي تعرض لها الخطاب الماركسي علي يد من عرفوا بالماركسيين الجدد.

ويذكر رءوف عباس، أن المحاولة الأولي لاستخدام التفسير المادي في الدراسات التاريخية الجامعية جاءت علي يد أستاذه محمد أنيس، الذي كان لدراسته، وعنوانها «مصر من الإقطاع إلي الرأسمالية 1798 – 1882»، أثر بالغ في توجيه اهتمام جيل الباحثين في الستينيات إلي التفسير المادي للتاريخ، رغم ما وجه لتلك الدراسة من نقد، أبرزه وقوعها فيما وقع فيه الكتاب الشيوعيون إبان الخمسينيات، من تطبيق متعسف لفكرة الصراع الطبقي، والقول بوجود الإقطاع في القرن التاسع عشر، واعتبار ثورة عرابي ثورة بورجوازية موجهة ضد الإقطاع.

ولكن الدراسة خلبت لب جيل الستينيات، ومثلت لديهم فتحا جديدا في عالم الدراسات التاريخية، ما حدا بهم أن يختاروا أطروحاتهم في موضوعات تتصل بتاريخ القوي الاجتماعية، علي أن ذلك الجيل من المشتغلين بالتاريخ، لم يتم إعدادهم المنهجي في رحاب الجامعة، وإنما كونوا أفكارهم بجهودهم الخاصة.

ومن خلال حلقات دراسية نظموها بأنفسهم لدراسة الماركسية والتفسير المادي للتاريخ، وطبقوا ما تحصل لديهم علي كتابة التاريخ، وكان من الطبيعي أن يشوب القصور استخدامهم للمنهج الماركسي، نتيجة عدم التدرب علي التعامل مع أدواته، رغم ما بدا في إدراكهم لدور البنية الأساسية في صياغة حركة المجتمع بكل أبعادها واضحا في كتاباتهم.

وقد وجه هؤلاء تلاميذهم في السبعينات، إلي أهمية التفسير المادي للتاريخ، وإن جاز القول بمحدودية التأثر بالماركسية في الكتابة التاريخية بعامة، وبأعمال هوبز باوم بالأخص، ليس في مصر وحدها، بل في الوطن العربي، مما يفسر بعض جوانب أزمة المنهج التي تعاني منها هذه الكتابة لدينا.

والأمر، علي أية حال، يتعلق باستنهاض قيمة المساهمة الماركسية في علم التاريخ، علي نحو يطلق تخومها كتلبية لمتطلبات متجددة، وهو ما يشي بضرورة عبورنا إليها عبر أعمال هوبز باوم التي تمارس راهنيتها بتألق، وتبرر العودة الدائمة لها، كمتن مفتوح للتأمل والدراسة والفهم.

ففي عالم تزداد فيه هيمنة التشيؤ، وتتسع عبره تقنيات الاتصال وإمبريالية السوق وقسوة المال، تظهر مهمة البحث عن الوجه الماركسي للتاريخ، باعتبارها مهمة علم التاريخ الأكيدة، حيث هناك موضوعية أخري والتزام آخر.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق