في ذكري “طه حسين” الشاعـــــــــــر التقليــــــــــدي الـــــــــذي دافـــع عــــن الشعــــــــر الحــــــــر

21

..حظ الشعب من الوعي والإدراك مخالف لحظ الملوك

بقلم : نبيل فرج

من التواريخ التي لا تنساها الثقافة العربية مولد طه حسين في 14 نوفمبر 1889، ويوم وفاته في 28 أكتوبر 1973، وليس من اليسير إحصاء المعارك التي خاضها طه حسين في حياته، في الثقافة والسياسة، من أجل نقل مصر من عصر الإحياء إلي عصر النهضة. ذلك أن دعوته للتجديد في الكتابة ومناهج البحث، وللحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، جلب عليه العديد من المشاكل والخطوب. ولولا جلده وثقته بنفسه وقوة حجاه، لما صمد إزاء هذه الهجمات التي أرادت إقصاءه من الساحة، والقضاء عليه. كان الأدباء يعدونه شيخا أزهريا، بينما الأزهر يعده متغربا أو متفرنجا. ومع هذا ظل اسم طه حسين متألقا، وقامته عالية، بفضل رؤيته الموضوعية، وحكمته، واتصال نفسه بنفوس القراء والمثقفين من أكثر من جيل.

لا يعني هذا أنه ليس هناك ما يستحق الخلاف مع طه حسين، فما أكثر ما يشوب إنتاجه من أفكار لم تعد تصلح للعصر، مثل قوله إن حرص الأدب الواقعي علي إرضاء الجماهير لا يقل سوءا عن إرضاء الملوك قديما، والأمر ليس كذلك، لأن للجماهير وللشعب حظا من الوعي والإدراك مخالف لحظ الملوك.

ومن جهة أخري فإن موقف طه حسين من حركة الشعر الجديد أو الشعر الحر يقدم أحد الأمثلة الطيبة التي يمكن أن نتعرف من خلالها علي هذه الشخصية الأدبية المرموقة، التي بهرت كل من قرأ لها أو تعامل معها.

وما حدث أنه عندما بدأ الشعر الحر في الخمسينيات من القرن الماضي يتخلي عن عموده التقليدي، وهو الوزن والقافية، ثارت ثائرة المحافظين، وتعرض شعراء هذا الشكل الجديد الذي أطلق عليه شعر التفعيلة لنقد شديد، نعتوا فيه بأسوأ النعوت.

ولم يكن العقاد الذي رفع نفسه فوق الآخرين أو العقاد وعزيز أباظة وصالح جودت وزكي نجيب محمود، هم وحدهم الذين يمثلون مركز الثقل في الهجوم علي هذا الشعر، بل كان يحيط بهم عدد كبير من أنصاف الشعراء وصغار النقاد، من داخل المجلس الأعلي للفنون والآداب ومن خارجه، ليس لهم من وظيفة غير إضرام النار، وزيادة اشتعالها.

وإذا رجعنا إلي هذه المعارك الأدبية في الدوريات الصحفية وفصول الكتب، سنجد أن طه حسين كان الوحيد الذي وقف إلي جانب هذه الثورة الشعرية، التي حطمت العروض القديم للشعر العربي، حتي لا ينفصل الشعر عن الواقع التاريخي والحضاري، إيمانا منه بحرية التعبير، وبأنه ليس للإبداع أو الإنشاء الفني صياغ مطلقة لا يحيد عنها، أو عمارة فنية ثابتة، من يخرج عليها خرج من جنة رضوان.

كما كان لتقديره لدور المطبعة في تغيير الذوق الأدبي أثره في رؤيته.

وفي الوقت الذي كان فيه أعداء هذا الشعر يلقون بالتهم الشائنة علي رواده في مصر والوطن العربي، مثل الجهل والخيانة، كان طه حسين يتحدث عن تجارب وحركات تجديد في الشعر العربي نفسه، ابتكرت أوزانا جديدة لم تكن له من قبل، وفعلت بالقافية ما فعلته بالوزن.

ويوضح هذا المفهوم المؤيد للتجديد الشعري، أو للخروج علي تقاليده، رفض طه حسين للنثر المسجوع، لأن زمنه قد ولي.

وقد منح موقف طه حسين حركة التجديد الشعري قوة ما كان يمكن أن تكون له لو أنه أبدي عداءه لهذا الشعر، فمضت في طريقها بقدم ثابتة، بعد ستة عشر قرنا وليس أربعة عشر من السير في الدروب المطروقة، منذ قصد القصيدة العربية الشاعر الجاهلي المهلهل.

وهذا هو الفرق بين طه حسين والأسماء التي ذكرت بعضها، التي لم تملك من عمق الثقافة وسلامة الرؤية وصفاء الذوق، ما امتلكه طه حسين، رغم اشتراك الجميع في تقدير التراث، واشتباكهم مع الشعراء، إلا أن الفرق بينهما أن طه حسين لم يعتبر القديم نموذجا أو مثالا للمتحدثين، ولم يمنح السلف حقا مطلقا عليهم أن يخضعوا له، ويترسموا خطاه.

والذين قرأوا أدب طه حسين جيدا، يعرفون أنه مع تقديره البالغ للقدماء، كان علي وعي بمواطن القصور في أعمالهم، مهما كانت أسماؤهم مشهورة.

وهذا يؤكد أن العالم الفني الذي ينتمي إليه طه حسين يختلف، بقربه من الطبيعة وعدم التكلف، عن عالم المعادين للتجديد والثورة.

كان طه حسين يري أن محاكاة أو تقليد القدماء يذهب بالشخصية، ولا عذر لهم فيه.

وكان الآخرون يعتبرون أن مجد الشعراء يتحقق كلما وفقوا في مضارعة القدماء.

غير أنه لرأي طه حسين في الشعر أهمية بالغة، لأنه كرس جزءا كبيرا من حياته لدراسة الشعر العربي القديم في «حديث الأربعاء»، و«تجديد ذكري أبي العلاء»، و«مع المتنبي» وغيرهما.

وفي دراساته فاق اهتمامه بنصوص الشعر اهتمامه بحياة الشعراء.

ومن يراجع أعمال طه حسين يجد أنه ليس هناك أحد يماثله في القدرة علي وضع اليد علي الحركات الشعرية في عصورها المختلفة، وفرز المنحول منه من الأصيل.

واحتفال طه حسين بالشعر العربي القديم لم يصرفه عن الاهتمام بالشعر والشعراء المعاصرين، مثل البارودي وشوقي وحافظ وخليل مطران وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي وغيرهم.

وما كتبه طه حسين عن هؤلاء القدماء والمحدثين يعد مراجع لا يستطيع باحث جاد في الشعر العربي أن يتجاهلها، وجوهره أن التجديد سنة الحياة، وأن الجديد الحق امتداد للقديم، وليس انفصالا عنه.

كما أن الشعر العربي لم يصرف طه حسين عن الشعر الأجنبي القديم والحديث، الذي أفرد له المقالات والفصول الطويلة.

ومحبة طه حسين للشعر ليست غريبة علي من بدأ حياته شاعرا تقليديا لما لا يقل عن خمس سنين من 1908 إلي 1913، عبر فيها بالشعر الفصحي والعامية عن نفسه وأشواقه وأحوال المجتمع.

ورغم أنه هجر الشعر، مكتفيا بالبحث والتأليف والترجمة، فلم يهجره الشعر، وإنما ظل كامنا في روحه، يتسلل في أسلوبه الجميل، وفي اتساع رؤياه.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق