حسين عبدالرازق يكتب :الضريبة.. والعدالة الاجتماعية

47

وسط الضجيج المفتعل حول تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر والذي تنفخ فيه جماعات الإسلام السياسي سواء من السلفيين أو الجماعة الإسلامية أو الإخوان المسلمين، لا يلتفت كثيرون لأحداث وقرارات مهمة تتعلق بحياة الناس اليومية.

وفي الأيام الأخيرة أصدر مجلس الوزراء قرارين مهمين لابد من التوقف أمامهما ومناقشتهما، خصوصا أن تفعيلهما كما قال وزير المالية «ممتاز السعيد» سينتظر إقرار مجلس الشعب القادم لهما «تحديد موعد انتخاب مجلس الشعب كما ينتظر إقرار الدستور الجديد».

القرار الأول هو فرض ضريبة تصاعدية علي الدخول تتراوح بين 10% للأشخاص الذين يزيد دخلهم علي خمس آلاف جنيه وحتي 20 ألف جنيه وصولا إلي 25% – حد أقصي – لمن يزيد دخله علي 10 ملايين جنيه.

ولابد من الترحيب بهذا القرار الذي يعكس تغييرا مهما في موقف الحكم، فقد رفضت الحكومات المتعاقبة قبل الثورة (ثورة 25 يناير) وبعدها مطالبة حزب التجمع منذ تأسيسه عام 1976 بفرض ضرائب تصاعدية علي الدخل تحقيقا لقدر من العدالة الاجتماعية، واعتبر بعض المسئولين المطالبة بفرض ضريبة تصاعدية علي الدخل مطلبا «اشتراكيا»، رغم أن الضريبة التصاعدية مطبقة أساسا في الدول الرأسمالية، وتصل إلي 35% في الولايات المتحدة و40% في المملكة المتحدة و45% في ألمانيا و52% في هولندا، وليس 25% فقط كما تقترح الحكومة في مصر.

وتشير الزميلة «نهلة أبوالعز» في الأهرام الاقتصادي إلي أهمية تطبيق الضريبة التصاعدية في مصر تحقيقا لقدر من العدالة «بين من يربح مئات الملايين ومن يربح الآلاف، وكذلك العاملون بالجهاز الإداري الذين يسددون الضريبة من المنبع، كاشفة عن حقائق دالة مثل تسديد العمال والموظفين ضرائب دمغة علي الرواتب في حدود 5.2 مليار جنيه سنويا بينما يسدد أصحاب المهن التجارية كالأطباء والمهندسين والمحامين 429 مليون جنيه فقط (أقل من ربع مليار جنيه)، وتسديد العمال والموظفين 3.14 مليار جنيه كضريبة دخل ويسدد أصحاب الدخول الأخري 8 مليارات جنيه فقط!، وتشير أيضا إلي ارتفاع الضرائب علي السلع والخدمات التي يتحملها المواطن محدود الدخل لتبلغ حصيلتها 4.39 مليار جنيه عام 2006 – 2007 ترتفع إلي 67 مليار جنيه عام 2009 – 2010 وإلي 2.85 مليار جنيه عام 2011 – 2012.

وتؤكد هذه الحقائق أن قرار الحكومة هو مجرد خطوة لابد أن تتلوها خطوات أخري تستهدف نظاما ضريبيا جديدا يحقق العدالة الاجتماعية وينحاز للفقراء ومحدودي الدخل وليس للأثرياء والرأسمالية الطفيلية، وهي الرأسمالية الغالبة في مصر.

القرار الثاني هو فرض ضريبة 10% علي الأرباح المتحققة من طرح الأوراق المالية لأول مرة في السوق الثانوي، والقرار في جوهره تراجع عن القرار الذي سبق لحكومة عصام شرف أن اتخذته عام 2011 بفرض ضريبة علي الأرباح الرأسمالية، فبعد 72 ساعة من صدور القرار ونتيجة لضغط من المستثمرين في البورصة، أعلنت وزارة المالية أن عمليات تداول الأوراق المالية من أسهم وسندات في البورصة لا تخضع لهذه الضريبة، وقال د. سمير رضوان وزير المالية «إن الضريبة علي توزيعات الأرباح تختلف عن ضريبة الأرباح الرأسمالية والتي تفرض علي ناتج التعامل في الأسهم والسندات والأوراق المالية عند بيعها بالبورصة وتحقيق الأرباح عليها»، وبالتالي فالضريبة التي تعتزم حكومة «هشام قنديل» فرضها «ستفرض علي أول تعامل داخل البورصة فقط وستطبق بعد إقرار من مجلس الشعب المقبل».

والقرار – كما قال الخبراء – يهدف إلي تجنب عمليات التهرب الضريبي التي كان يقوم بها أصحاب الشركات عند قيامهم ببيع شركاتهم أو حصص منها عن طريق البورصة مما كان يؤدي إلي إهدار مليارات الجنيهات علي الخزانة العامة للدولة، وفرض ضريبة علي الأرباح الرأسمالية مطبق في البورصات العالمية في أوروبا وأمريكا، باعتبار أن الأموال المستثمرة بها «أموال ساخنة لابد أن يتحمل أصحابها جزءا من الضريبة المفروضة علي جميع الأنشطة المالية والاقتصادية».

والسؤال المطروح.. هل ستقبل الرأسمالية المصرية هذا النذر اليسير من الضرائب تحقيقا لخطوة محدودة في اتجاه العدالة الاجتماعية، أم ستقاوم – كالعادة – تحمل أي أعباء وتواصل نهب واستنزاف ثروات الشعب المصري دون استثمار حقيقي؟!

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق