الشاعر العراقي باسم فرات :عشقي للأماكن جعلني أحترف كتابة ” أدب الرحلات “
باسم فرات شاعر عراقي من جيل الثمانينيات صاحب تجربة شعرية مميزة صدر له عدة دواوين منها ” أشد الهديل ” و” محبرة الرعاة ” وغيرها فاز مؤخراً بجائزة السلطان قابوس ، في أدب الرحلات عن خمسة كتب ألفها في هذا المجال ، استعرض فيها رحلاته إلى بعض البلاد الأوروبية والدول اللاتينية ، وبعض مدن الشرق الأوسط .
* حصلت على جائزة ” السلطان قابوس ” في أدب الرحلة ـ حدثنا عن هذه الجائزة؟
** جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب تمنح سنة للعمانيين ، والسنة الأخرى للمثقفين العرب ، في كل عام تكون المواضيع مختلفة ، لكن ضمن الفروع الثلاثة السابقة الخاصة بها الجائزة ، في هذا العام كانت لعلم الاجتماع ، والفنون في مجال الطرب العربي ، وفي الآداب مجال ” أدب الرحلات ” حجبت جائزة الثقافة ، ومنحت في فرع الفنون للفنان على الحجار ، وفرع الآداب مجال أدب الرحلات ” لي ، الجائزة عن مجمل الأعمال بحيث لا تقل عن خمسة كتب في المجال ، وبالفعل فزت بها عن كتبي ” مسافر مقيم .. عامان في أعماق الإكوادور ” و” الحلم البوليفاري ” و” رحلة كولومبيا الكبرى ” و” لا عشبة عند ماهوتا ” ومنائر بابل إلى جنوب الجنوب ، و” طواف بوذا .. رحلاتي في جنوب شرق آسيا ” و” لؤلوة واحدة وألف تل “” رحلات أعالي النيل “.
* تتنوع رحلاتك إلى مدن مختلفة من العالم ، ماذا أضاف إليك السفر والتجوال ، وماذا أخذ منك ؟
** أضاف لي السفر معرفة بشعوب العالم ، وأن الإنساني هو المشترك بين الإنسانية كلها وأن الاختلاف ثراء للبشرية ، ومثلما يجب أن نحافظ على البيئة مثلما علينا أن نحافظ على الثقافات الصغيرة ، حتى لا تندثر كالأثنيات وغيرها ، واهتمامي باللغات أضافت لي معرفات كثرة والدقة في اللغة العربية التي لا أظن أن لغة تحمل ثراءها ودقتها الدلالية .
مدن العالم
* ماذا يعني السفر بالنسبة لك ؟
** هو بحث معرفي فأنا لا أذهب إلى مدن العالم للسياحة ، لا أكتفى بالكتاب ليمنحني المعرفة ، بل أحاول أن أغوص في ثقافات عديدة من خلال زيارة مواطنها .لكن السفر بكل تأكيد أخذ مني الاستقرار ، حتى أصبح ألااستقرار هو استقراري.
* ما المدينة التي زرتها وتمنيت أن تقيم فيها ؟
** مدينة ” هيروشيما ” اليابانية لأن فيها ستة أنهار ، وأرضها مستوية والجبال ليست بعيدة عنها فهي تقع بين جبال وبحر ، فضلا عن وعي الناس الكثير بالنظافة ، حيث أنني لم أر كناساً ينظف الشوارع والأرصفة والحارات ، بل كان الناس يخرجون مبكراً مع الأطفال والشيوخ لينظفوا الشوارع ويضعون القمامة في الأماكن المخصصة لها . أنا أحب ثلاث عواصم عربية أتمنى أن أعيش فيها ، بغداد ، ودمشق والقاهرة .بغداد عاصمتي ، والقاهرة ودمشق بها نفس العبق التاريخي فالحضارة العربية هي وريثة الشرعية للحضارات الشرقية القديمة مثل الحضارة الفرعونية والعراقية القديمة والسورية الشامية القديمة ، وبقية الحضارات في المنطقة شرقاً وغرباً .
تجربة الاغتراب
* أنت مقيم في مدينة الخرطوم منذ سنوات طويلة ، ماذا أضاف لك الاغتراب وماذا أخذ منك ؟
** الخرطوم والسودان بصفة عامة هي بوابة إفريقيا على العرب والعكس ، وهناك وجدت التمازج بين الثقافة العربية والإفريقية ، بينما أرى أن مصر ثقافتها عربية خالصة ربما للدور القيادي الكبير لمصر في الحضارة العربية والإسلامية منذ القرن التاسع الميلادي وحتى اليوم ، على امتداد أكثر من ألفي عام ، مصر هي في صدارة المشهد الثقافي العربي ، هي وبغداد .
عندما تنظر إلى الخرطوم تجد اللسان العربي لكن الصبغة الإفريقية واضحة فيه ، هناك خصوصية في السودان ، أتمنى الاستفادة منها ، ولو تم الاستفادة منها ستكون السودان مؤثرة في محيطها العربي والإفريقي .
حاليا أعد كتابا عن السودان ، وإقامتي فيه لمدة خمسة أعوام ونصف منذ الخامس من أغسطس 2014 .
عودة إلى الشعر
* ألم تأخذك الرحلات المتنوعة وكتابتها من الشعر ؟
** يعتمد الشعر بشكل أساسي على ثلاثة أركان ، الموهبة والقراءات والتجربة الشخصية فعندما تملك الموهبة وأنت تتابع المشهد وكثير القراءة للشعر والأدب وعموم الثقافة . التجربة في أروع صورها هى السفر والاختلاط وبمجتمعات عديدة ومختلفة ثقافيا .
من هنا إن الشعر يجعلني أملك تجربة مختلفة عن أقراني ، وهذا ما انعكس على شعري بحيث أصبح المكان له ميزة على شعري ، أذكر ما قاله لي أحد النقاد ، قال لي : إن ميزتك في الكتابة هي الكتابة عن المدن والأمكنة .
لغة الصورة
* تعتمد في تجربتك الشعرية على فكرة الصورة ، فالصورة هي بطل محوري في رؤيتك الشعرية ـ ما منابع ذلك ؟
** أظن أن علاقتي بالتصوير الفوتوغرافي لها دورها الواضح في بناء قصيدتي .
وربما لأنني أحب الصور الشعرية ، وأرى أن الصورة الشعرية تمنح القصيدة دهشة ومتعة قراءية هو ما نبغيه من الشعر .
الشعر ليس إخباراً ، وإنما هو حذف ، بمعنى أن الشعر مبنى على ما نستطيع قوله في حياتنا اليومية ، ويقودنا إلى التأويل وتعدد القراءات .
* بعد أكثر من ربع قرن من التجربة الشعرية ـ كيف ترى هذه التجربة .
** على الشاعر أن يرى نفسه مبتدئاً حتى لو بلغ التسعين من العمر لأن الشعر إن لم يكن فيه الشاعر يكتبه كأنه تلميذ يكتب لأول مرة ، فسيكون الترهل في القصيدة واضحا في تجربته ، بمعنى أنه على الشاعر أن يكون قلقاً أمام كل نص جديد يكتبه كأنه يكتب لأول مرة .
وعلى الرغم من أن بداياتي كانت مبكرة جداً ، ونشري لتسع مجموعات شعرية ، ولكنني ما أن أكتب قصيدة جديدة حتى أشعر بالقلق بل والخوف ، وحين أعرضها على صديق ما وأنا أمام الحاسوب ، أشعر بقلق وأقوم وأمشي قليلا ، بعد أن أرسلها لصديق وكأني لم أكتب في حياتي مطلقا.
رهان الكتابة
* صدر لك ديوان أخير تحت عنوان ” مبكرا في صباح بعيد ” عن الهيئة العامة للكتاب ، حدثنا عنه ؟ .
** هو الديوان التاسع ضمن مشروعي الشعري الذي أعكف عليه ، منذ بداياتي وأظنني مخلصا للشعر بعد ، ربما أستطيع القول أنني رهنت حياتي للشعر وجعلت من شعري ومعاناتي ، وما مررت به من مآسي شعراً تجلى في هذه الدواوين التسعة ، ويتميز هذا الديوان ، بأنه ضم عديد القصائد التي تحدثت عن بيئتي الأولى حيث العودة إلى العراق بعد حوالي عشرين سنة من النفي لأجد مناطق وشوارع كانت فيها ألفة كبيرة وذلك التصميم المعماري العربي المتصالح مع البيئة استبدل بالخراسانات الكونكراتية ، وتم قضم البساتين المحيطة بمدينتي والتي كانت عبارة عن حزام أخضر يقي المدينة من هجير بيداء شاسعة .
* ما مشاريعك الثقافية والإبداعية القادمة ؟
** كتبت حوالي عشرين نصاً عن الحراك السلمي في العراق وأعد أكثر من كتاب واحد عن السودان ، وآخر عن اليابان وتجربتي في هيروشيما ، وأرجو أن أوفق في كتابة كتاب عن رحلتي إلى ” عُمان ” لكنني أطمح في الكتابة عن كل المدن التي زرتها مثل القاهرة وتونس ولبنان ـ مناطق البحر المتوسط بما فيها مدريد وكرواتيا وغيرها .

التعليقات متوقفه