لقطات
6 أكتوبر.. اليوم الفَصْلجودة عبد الخالق
نعم،6 أكتوبر هو اليوم الفصل. إنه اليوم الفصل في حياة الجيل الذى أنتمى إليه، سواء فى مصر أو في سائر بلاد الوطن العربى من المحيط الى الخليج. هو اليوم الفصل بين هزيمة ثقيلة في 1967 (اخترعنا لها اسم النكسة على سبيل التهوين) ونصر مُؤَزَّر في 1973. ولا يعرف الفارق بين هزيمة يونيو 1967 ونصر أكتوبر 1973 إلا من عاصر الحدثين، مثلى ومثل الجيل الذى أنتمى إليه. فقد كانت هزيمة 1967 بالنسبة لنا صدمة مُزَلْزِلة، سببت مشاعر الحزن والضياع والاكتئاب. وقد ارتبطت هذه الانفعالات الكئيبة عندى بالطقس الحار وبسماع أغنية وطنى وصباى وأحلامى ( كلمات أحمد مخيمر وتلحين محمود الشريف وغناء نجاة الصغيرة وعبد الرؤوف إسماعيل). والسبب هو أن الطقس كان شديد الحرارة فى يونيو 1967، وكانت هذه الأغنية الجميلة يتكرر اذاعتها كثيرا بعد حرب 1967. فتلازم وجودهما شرطيا مع كابوس 1967. ولم أبرأ من هذه المشاعر إلا بنصر أكتوبر 1973، فيما يشبه العلاج بالصدمة العكسية.ولذلك فأنا أعتبر هذا عيد ميلادي الحقيقي.
لقد مر على نصر أكتوبر 48 عاما بالتمام والكمال، يعنى عدة أجيال. وأخشى أن يسقط هذا الحدث العظيم من الذاكرة الجمعية والفردية بمفعول مرور الأيام وتلاحق الأحداث. وربما لا يزيد ما بقى منه في ذاكرة الجيل الحالي على طيف باهت أو ذكرى مشوشة. فكتب التاريخ المدرسية لا تكتب عنه الا النَذَر اليسير. كما أن أسلوب الاحتفال الرسمي بالمناسبة أحالها الى مناسبة حكومية، رغم أنها عيد وطني بامتياز. ففي 6 اكتوبر الناس أخذوا أجازة من العمل، فهجروا مكاتب الحكومة ودواوين الوزارات، وسهروا أمام التليفزيون لمتابعة المهرجانات. ونسوا المناسبة، وكأن نصر أكتوبر لا يعنيهم كشعب انما يخص الحكومة وتليفزيون الحكومة رغم أن الشعب هو الذى قدم الدماء والشهداء وليست الحكومة. وللأسف أصبح أهم مظاهر الاحتفاء هو أن يهرول المسئولون الى تهنئة الرئيس بذكرى النصر العظيم.
وبهذه المناسبة الجليلة، تقفز الى ذهنى أربع ملاحظات. الأولى، أن كل من بادرت بتهنئتهم من الأقارب والأصدقاء بمناسبة 6 أكتوبر قائلا “كل سنة وانت طيب/ وانت طيبة” لم يكونوا يتوقعوها. بل ان الكثيرين منهم بدا مندهشا من تهنئتى لهم بلا مناسبة! على عكس الحال في المناسبات الدينية أيا كانت. الثانية، أن نصر أكتوبر يؤكد قيمة الإبداع النابع من البيئة المحلية. نذكر فكرة جندي من أبناء منطقة شمال الدلتا، استنادا الى خبرتهم في اصطياد السمان، بوضع لولب من السلك الشائك أمام فوهات مدافعنا أثناء حرب الاستنزاف لاصطياد مقذوفات مدافع العدو الموجهة بالحرارة الناتجة عن انطلاق مدافعنا. ونذكر اقتراح المجند النوبى أحمد إدريس استخدام شفرة اللغة النوبية فى ارسال واستقبال الرسائل بين قادة القوات المصرية أثناء القتال، فعجز الإسرائيليون عن فكها. كما نذكر فكرة المهندس باقى زكى يوسف، بناء على خبرته في انشاء السد العالى، استخدام مضخات المياه بضغط عال لإهالة الرمال وفتح ثغرات فى الساتر الترابى لخط بارليف المنيع. يعنى لم نلجأ لشركات عالمية ذات خبرة عريقة لتقديم حلول لمشكلاتنا ولا يحزنون. إذن الحل ليس دائما جاهزا عند الغير.
الملاحظة الثالثة، أن أداءنا الجيد في حرب أكتوبر يعود بدرجة كبيرة الى تجنيد حملة المؤهلات واستبعاد الأميين. معنى هذا ان نوعية الفرد المقاتل في 1973 اختلفت تماما عنها في 1967. وهذا يؤكد الأهمية القصوى للقضاء على الأمية، التي هي وصمة عار في جبين شعبنا ووطننا. لكن للأسف، يبدو أن الحكومة لا تولى لهذه الآفة الخطيرة ما يتناسب مع خطورتها من اهتمام. وكم أتمنى أن يخصص الرئيس جزءا من وقته الذى يقضيه في متابعة مشروعات الطرق والكبارى والمحاور لمتابعة جهود الدولة في القضاء على الأمية. الملاحظة الرابعة والأخيرة، أن حرب أكتوبر أظهرت أهمية التضامن العربى. فقد اشترك في القتال قوات من عدة دول عربية. وسال الدم العربى على الأرض المصرية والسورية تأكيدا لعروبتها. وكل ذلك يشير الى أهمية التعاضد والتكاتف في مواجهة الأخطار المحدقة من كل اتجاه. فلا مخرج للعرب مما هم فيه من ضعف وهوان إلا من خلال التضامن العربى.
** صيحة اليوم: (من قصيدة “وطنى”، للشاعر أحمد مخيمر 1914-1978)
بِدَمِ الأَحْرارِ سأُرْوِيهِ … وبِماضي العَزْمِ سأَبْنِيهِ
وأُشَيِّدُهُ وَطَنًا نَضْرَا … وأُقَـدِّمُهُ لاِبْني حُرَّا
Sign in
Sign in
Recover your password.
A password will be e-mailed to you.
الموضوع السابق
الموضوع التالي
تعليق 1
التعليقات متوقفه

الدكتور جودة عبد الخالق محق في خوفه من نسيان الأمة لنصر اكتوبر المجيد ، وساق اسبابا موضوعية لذلك الخوف من فقدان اعظم انتصار مصري وعربي في التاريخ المعاصر.
اضيف اما افضل من اسباب النسيان التركيز علي مشاعرالشعب تجاه هزيمة ١٩٦٧ وانتصار ١٩٧٣ بدلا من الاحداث الاهم للحرب مثل طلعات الطيران الكثيفة ، قصف المدفعية المدمر علي طول الجبهة ، الانزال وعبور القناة ، تدمير الساتر الترابي ، تدمير النقاط الحصينة المنيعة علي طول خط بارليف وكلها اعمال يتعين اعادة تمثيلها للاجيال الجديدة لتري وتشارك في هذه الاحداث مع استعراضات مبهرة لقوات الجيش باسلحته المختلفة ومشاركة من يفوز من المدارس والجامعات بتصميم مسيرة جديرة بالمشاركة ، هكذا نحيي انتصار اكتوبر العظيم.