التحول الرقمى.. فرص متجددة لشركات الاتصالات
يجتاح التحول الرقمى Digital Transformation العالم شرقا وغربا، باعتباره المحرك الرئيسى للتغيير الشامل فى المجتمعات، بما يمتلكه من قدرات على التغيير الجذرى لأوجه الحياة، وما يبشر به من تحسين لحياة البشر بشكل كبير، وخلق مجتمعات تتمع بمستويات حياة جيدة، وبما يتيحه للشركات من فرص متجددة لخلق القيمة وتنمية العوائد.
ويقف قطاع الاتصالات المحمولة فى صدارة المشهد كصناعة تشهد تغييرات كبيرة فى أنماط ونماذج أعمالها السوقية، وبصفتها أحد المحركات الرئيسية لعمليات الرقمنة فى جميع أنحاء العالم.
محرك الرقمنة
من الواضح أن الرقمنة ستكون محركا للتحولات التى سيشهدها العالم على مدار السنوات القادمة، وستشمل الرقمنة كل صغيرة وكبيرة من مناحى الحياة، خصوصا، وقد بدأنا نتعايش، ونتأقلم مع الكثير من المفاهيم الجديدة المبتكرة، كالذكاء الاصطناعى، والبيانات الكبيرة، والبلوك تشين، والمدن الذكية، وإنترنت الاشياء، وغيرها.
إلا أن مسار التحول الرقمى يواجه تحديات تحتاج إلى التخلى عن التقنيات القديمة، وبناء نماذج جديدة يمكنها الصمود أما تيار التحولات الجديدة.
ومن المتوقع أن نشهد العديد من الحالات التى ستكون فيها المكاسب الناتجة عن التحول الرقمى غير عادلة بسبب عدم وصول تلك الفوائد إلى الفئات الأكثر احتياجا فى المجتمعات. كما أن الزيادة الهائلة فى تدفق المعلومات العالمية سيؤدى إلى خلق مخاطر جديدة على خصوصية وأمن البيانات. كما ستواجه شركات المحمول تحديات تلبية احتياجات العملاء ومتطلباتهم المتجددة.
السنوات القادمة
من المتوقع خلال السنوات القليلة القادمة، أن يتم استبدال الوظائف التقليدية للشبكات بحلول برمجية خفيفة تدعم واجهات قياسية، أو واجهات برمجة التطبيقات يمكن نشرها على منصات أجهزة منخفضة التكلفة وعالية الأداء. ويقود هذا التحول التكنولوجيات المبنية على الحوسبة السحابية، مثل الشبكات المعرفة بالبرمجيات Software Defined Networks-SDN والوظائف الافتراضية للشبكات Network Functions Virtualization-NFV التى ستلعب دورا محوريا نظرا لما تقدمه من فوائد بفصل طبقات التحكم فى الشبكة، ومعالجة البيانات، وطرق لاستبدال وظائف الشبكة المعقدة بالبرامج الافتراضية سهلة التعامل.
175 زيتا بايت
ومن المتوقع أن يصل حجم البيانات العالمية فى عام 2025 إلى حوالى 175 زيتا بايت (1 زيتا بايت = 1 مليار تيرا بايت = 1 تريليون جيجا بايت) (أنظر الشكل التوضيحى)، مما يعنى أن التدفق فى حجم البيانات سيضاعف بمعدلات ضخمة. وقد أظهرت التقديرات أن خدمات نقل الصوت والمراسلة التقليدية أصبحت متناقصة الإيرادات، فيما تتزايد معدلات إنتاج واستهلاك البيانات.
مبادرة المنتدى الاقتصادى
أطلق المنتدى الاقتصادى العالمى World Economic Forum فى عام 2015 مبادرة: “التحول الرقمى” Digital Transformation Initiative-DTI وهى عبارة عن مشروع مركز لدراسة ومتابعة، وتنسيق الفرص الجديدة، والمواضيع الناشئة عن آخر التطورات فى رقمنة الأعمال والمجتمعات، فى إطار النشاط الأوسع للمنتدى حول كل ما يتعلق بالثورة الصناعية الرابعة.
وركزت المبادرة على دراسة تأثيرات التحول الرقمى على عدة صناعات، وقطاعات، من بينها، صناعة الاتصالات السلكية واللاسلكية، وقضايا الاستهلاك الرقمى، والمؤسسات الرقمية، وغيرها.
توافر التقنيات
أثبتت الدراسات التى قام بها الخبراء الأعضاء فى المبادرة، أن توافر التكنولوجيات الحديثة، مثل: شبكات الجيلين الرابع، والخامس للاتصالات المحمولة، وأجهزة الهواتف الذكية، وتقنيات الذكاء الاصطناعى Artificial Intelligence والحوسبة السحابية، وتحليلات البيانات الضخمة Big Data Analysis سيقود إلى تغيير الطريقة التى نعيش ونعمل ونتفاعل بها، فيما أصطلح على تسميته عليه الثورة الصناعية الرابعة، وأن صناعة الاتصالات السلكية واللاسلكية ستلعب دورا حيويا حاسما فى تمكين هذه الثورة.
البنية الأساسية
استطاع النظام البيئى للاتصالات توفير البنية الأساسية للاتصالات، من حيث النفاذ والانتشار المجتمعى، ووسائط الاتصالات، والتطبيقات. ونتج عن ذلك اعتماد ثورة الاتصالات كعنصر أساسى لتوفير البنية الأساسية لتشغيل الآلاف من المشروعات والمؤسسات، والاستعانة بتطبيقات الاتصالات لتحسين العملية الإنتاجية فى عشرات القطاعات الاقتصادية، وبالتالى، حصول قطاع الاتصالات على حصة معتبرة من نصيب كل قطاع من العائدات. ونتج عن ذلك الاعتماد تمكين صناعة الاتصالات من الحصول على حصة كبيرة من الميزانيات المخصصة لعمليات الرقمنة. وقاد هذا بدوره إلى نفاذ صناعة الاتصالات إلى قطاعات تشغليلة جديدة لم تكن موجودة من قبل، مثل التجارة الإلكترونية نظرا لما توفره من نطاقات اتصالات عريضة (فائقة السرعة) لازمة لنجاح ونمو التجارة الإلكترونية. وكذلك اعتماد الاتصالات عريضة النطاق كشرط أساسى لنجاح تطبيقات السيارات ذاتية القيادة، وإنترنت الأشياء، والمدن الذكية، وغيرها. وأيضا تأكيد نجاح البنية التحتية لقطاع الاتصالات فى ربط الأجهزة المتصلة بالشبكة، وهو ما يمكن أن يحقق وفورات فى تكاليف قطاع الطاقة لصالح المستهلكين، تصل إلى حوالى 170 مليار دولار أمريكى خلال العقد القادم.
تحديات
كل المؤشرات السابقة تبشر بمستقبل واعد لصناعة الاتصالات، كونها تعيش فى بيئة اقتصادية سريعة التغير والنمو، ولكن بشرط تحقيق تقدم فى مواجهة تحديات التغير والتحول الرقمى. فحتى اليوم، لم تفلح صناعة الاتصالات، ولا مشغلى الشبكات، ومقدمى خدمات الاتصالات فى إدراك حجم التحديات المطروحة، وبالتالى، هناك تباطؤ فى الاستجابة للمتغيرات، من حيث تسريع تحويل نماذج الأعمال، وتقديم الخدمات الرقمية التى يمكنها أن تضيف قيمة جديدة للمشغلين أنفسهم. ومن الواضح أن الأمر الأكثر إلحاحا، وبشكل متزايد لمشغلى الشبكات هو البحث عن نماذج أعمال رقمية جديدة للتأكد من مشاركتهم بفعالية فى التغييرات، والقيم المستقبلية التى تنتج عن التحول الرقمي.
المحاكاة الافتراضية
تعتبر وظائف المحاكاة الافتراضية للشبكات Network Virtualization من أهم الوظائف التى يجب أن تتسلح بها الشركات، مع ضرورة النظر فى بنية الشبكة وهيكليتها، وطبقات الأجهزة المادية للقيام بتغييرات أساسية فى نوعية الخدمات المقدمة فى المستقبل.
فرصة جيدة
إن التحول الرقمى المتزايد لحياة المستهلكين والشركات يوفر لصناعة الاتصالات فرصة جيدة لتوسيع مصادر الدخل مما وراء خدمات الاتصالات، من خلال حلول إنترنت الأشياء المتكاملة Internet of Things-IoT، والخدمات الرقمية للمستهلكين والمؤسسات، ونماذج إعادة تصميم الاتصالات الرقمية، بالإضافة إلى تطبيقات الواقع المعززAugmented reality-AR الواقع الافتراضى Virtual Reality-VR.
فهم العملاء
يتطلب الفوز فى التحدى الرقمى الجديد ضمان ولاء العملاء، مما يستدعى من مشغلى شبكات الاتصالات نشر ميزات وأدوات تقدم تجارب رقمية عالية الجودة، وتحقيق تقارب أكبر مع متطلبات العملاء، وتوفير الخدمات الجديدة. وهو ما يعنى أن على شركات الاتصالات استخدام نماذج جديدة للابتكار، وتعزيز استراتيجيات المواهب المتجددةوتحويلها إلى قوى عاملة رقمية.
عوائد الاستثمارات
فى غالب الأحيان لا يرغب مشغلو شبكات الاتصالات فى انفاق المزيد الأموال على تحديث الشبكات إلا بعد الحصول على كل ما يمكنها الحصول عليه من عوائد على الاستثمارات الحالية، قبل التفكير فى ضخ المزيد. وهذا التحدى يقود إلى البطء فى تبنى التقنيات الجديدة للاتصالات الرقمية، أو عدم تحمسهم لتمديد الشبكات إلى المناطق النائية والمعزولة لأنها لن تدر العوائد المتوقعة، وهذا ما يقود إلى تفاقم الفجوة الرقمية فى المجتمعات، لذا يتم التركيز على المناطق ذات الشرائح السكانية الأكثر استعدادا وقدرة على الاستفادة من التكنولوجيا.
حياة كريمة
وفى هذا الإطار أكد المهندس محمد إبراهيم، رئيس قطاع حوكمة السوق بالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، أن مبادرة “حياة كريمة” ستقوم ببناء 500 برج اتصالات بقيمة مليار و500 مليون من صندوق الخدمة الشاملة لتحسين شبكة الاتصالات. وأعلن أن الجهاز قام بتسهيل عملية نقل العملاء من شركات اتصالات إلي شركات أخرى بسهولة وبنفس الرقم خلال 24 ساعة، وإذا امتنعت الشركة عن ذلك تصل غرامة الامتناع إلى 20 مليون جنيه.
كما أعلن المهندس حسام الجمل، الرئيس التنفيذى للجهاز القومى لتنظيم الاتصالات أن الجهاز بدأ إجراءات تغطية خمس طرق استراتيجية بخدمات التليفون المحمول بتكلفة 324 مليون جنيه عن طريق طرح مناقصة محدودة للشركات المرخص لها إنشاء وتشغيل محطات التليفون المحمول، بحيث يتم الانتهاء من الإجراءات والبدء فى تشغيل الخدمات مع بداية عام 2022. ويقوم الجهاز بتمويل إنشاء محطات التغطية من خلال صندوق الخدمة الشاملة (الصندوق المعني بتمويل مشروعات الخطة القومية للاتصالات والمعلومات ومشروعات البنية التحتية اللازمة لتوفير خدمات الاتصالات الأساسية).
وكان الجهاز قد قام فى وقت سابق بتمويل مشروعات إنشاء وتشغيل وتقديم خدمات التليفون المحمول لـ 17 طريق استراتيجى بمختلف أنحاء الجمهورية، بإجمالى أطوال 2700 كم، وبتكلفة وصلت إلى 862 مليون جنيه.
الميزة التنافسية
ولهذا من المتوقع أن تقوم الشركات بتمكين نماذج أعمال جديدة تتجاوز تلبية متطلبات وتوقعات العملاء المتغيرة. فعلى سبيل المثال، عندما يتم تمكين التقنيات الجديدة كإنترنت الأشياء، وشبكات أجهزة الاستشعار، سيتطلب الأمر شبكات اتصالات مرنة تسمح بالتغطية الشاملة للأفراد والأشياء، وقادرة على القيام بوظائف الشبكات المعرفة بالبرمجيات، والتحليلات، وحماية البيانات الشخصية، والمرونة الإلكترونية، وموثوقية الاتصال، وتعزيز النطاق العريض للاتصالات المحمولة. وستكون الميزة التنافسية فى الخدمات الرقمية، وتقنيات إنترنت الأشياء مدفوعة بقدرة شبكات المحمول على جمع وتحليل مجموعات كبيرة من البيانات الخاصة بحالات الاستخدام، التى تمكنها من استهداف فرص القيمة من خلال تخصيص الخدمات والعروض.
ثقافة الابتكار
يتطلب التحول الرقمى تغييرا فى ثقافة الشركات، حيث ستنشأ معايير جديدة تعتمد على ثقافة الابتكار، والإبداع تتطلب تغييرات فى ثقافة التسلسل الهرمى التنظيمى الداخلى للشركات، مع ضرورة أن يتم ذلك فى إطار معايير الحوكمة مع مرونة التنظيم، وخاصة فيما يتعلق بالإدارة الرشيدة للطيف الترددى.
تدفقات عالمية
من المتوقع أن تصل التدفقات العالمية من السلع والخدمات والتمويل إلى أكثر من 80 تريليون دولار فى عام 2025، بنسبة نمو تقريبية تصل إلى 300 % عما كانت عليه عام 2012 حيث بلغ الرقم وقتها نحو 26 تريليون دولار.
ولإدراك مدى تضخم هذه الأرقام، يكفى أن نعرف أن القيمة الإجمالية لهذه التدفقات على مستوى العالم لم تزد إلا بمقدار 1.5 مرة خلال العشرين سنة بين عامى 1990 و 2012 مما يفتح إمكانات هائلة أمام الشركات والمجتمعات فى خضم ثورة التحول الرقمى.
إنترنت الأشياء
تشير التوقعات إلى احتمال أن يصل عدد الأجهزة المتصلة بالإنترنت إلى حوالى 24.1 مليار جهاز عام 2030 (كانت 7.6 مليار فى عام 2019)، وأن تصل العوائد منها إلى 1.5 تريليون دولار فى عام 2030 (كانت 465 مليار فى عام 2019) طبقا لتقديرات موقع transforminsights. وسوف تعتمد المبادرات التكنولوجية الجديدة مثل الطائرات بدون طيار والمركبات ذاتية القيادة على الاتصال الموثوق والآمن، مما يعنى أن العالم وصل إلى مرحلة يمكن أن يؤدى فيها انهيار شبكات الاتصالات إلى تعريض قطاعات أعمال، وصناعات كاملة، وحياة الملايين من البشر للخطر.

التعليقات متوقفه