كتب : أحمد مجدي
قال الدكتور عاصم الدسوقى، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة حلوان، إن مصر قبل قيام ثورة 1952 كانت تعيش أوضاعًا متردية، مستشهدا بأحد التقارير الأمريكية التي رصدت تردي الأوضاع في مصر بدقة آنذاك، حيث كشف تقرير صدر فى 1949 تحديدًا في السابع من شهر يناير، تفشى الرشاوى واتساع الفوارق الطبقية في مصر، مما ينبئ بضرورة حدوث حدث سياسي وشيك، وهو الأمر الذى يهدد الاستعمار الانجليزى فى مصر بشكل مباشر.
جاء ذلك خلال ندوة ندوة “52 عامًا على غياب الزعيم – أسرار جديدة من حياة ونضال جمال عبد الناصر”، وذلك في إطار منتدى خالد محيي الدين.
وأكد “الدسوقي” أن مصر كانت تعاني من التفاوت الطبقي، إلا أن ثورة 23 يوليو أعادت للشعب المصرى حقوقه ومقدراته، كما أنها كانت السبب في تأسيس جيش وطني قوي يحمي مصر دون تبعية لأي من كان، تحت شعار واحد هو مصلحة الوطن العليا، فحرر الوطن من الاحتلال وعمل على القضاء على سيطرة رأس المال والإقطاع وبناء اقتصاد وطني قوي وتأييد ودعم حركات التحرر الوطني، عربيا وأفريقيا، وتحقق ذلك على مدى سنوات حكم الراحل جمال عبدالناصر، الذى وضع مبادئ ثورة يوليو أملا فى تحقيقها.
مبادئ الثورة
استعرض أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة حلوان أيضًا مبادئ ثورة 23 يوليو ليشدد على أهمية مبدأ تحقيق الديمقراطية السليمة، موضحا أهمية لفظة “السلمية” التى وضعت بغرض التمييز عن الديمقراطية الملكية، لأن الديمقراطية الملكية حرمت جماهير الشعب المصرى من عمال وفلاحين من التقدم والتمتع بالحرية والبرلمان والسلطة التشريعية من واقع قانون الانتخابات، الذي صدر مع دستور 1923، حيث كان مجلس الشيوخ ممن يدفعون ضريبة الأطيان الزراعية 150 جنيهًا فى السنة الواحدة على ما يمتلكونه من أراضٍ لا تقل عن 300 فدان، والذى كان يمتلك 250 فداناً كان لا يجوز أن يرشح نفسه، وكذلك التأمين الذى كان يدفع وقت الترشح لم يكن يرد للمرشح إلا فى حالة الفوز أو أن يحصل على 5% على الأقل من أصوات الدائرة؛ فمن الذى كان يغامر ويدفع تأمين ترشحه للانتخابات إلا إذا ضمن النجاح؟!.
وقال: كان البرلمان فى يد كبار رجال الأعمال والملاك، وبالتالى القوانين والشرائع التى تصدر كانت لحماية هذه الطبقة على حساب العمال والفلاحين، مشيرًا إلى أن هذا القانون اختزل مجلس الأمة فى ملاك الأراضى الزراعية وأصحاب رؤوس الأموال، أى الاقطاعيين، وفى هذه الحالة ومن الطبيعى أن نجد كل القوانين التى صدرت تصب فى مصلحة الملاك.
ثورة سلمية
وأضاف على النقيض جاءت ديمقراطية ثورة 23 يوليو “السليمة” فبات للعمال والفلاحين مندوبين فى مجلس الأمة بمجرد إجراء الانتخابات لأول مجلس أمة عام 1957، لذا مبدأ الثورة كان فى إقامة مبادرة ديمقراطية سليمة وأن يتيح الفرصة لأبناء الطبقة الوسطى والفلاحين والعمال ليحلوا محل الإقطاعيين فى البرلمان الذى كان مقتصراً عليهم، وكان هناك من يقول إن عبدالناصر قام بكل أهداف الثورة ما عدا تحقيق الديمقراطية بدون أن يضع كلمة سليمة، والأصل فى الديمقراطية الحكم لمن يملك لأن الذى لا يملك لا يحكم، ولا يضمن حماية ملكيته، فلابد من أن يحكم ليضمن حقوقه وعبدالناصر قام بتوسيع الملكية، وعندها شارك العمال والفلاحون فى الشركات التى كانوا يعملون فيها.
وأكمل أنه فى سبتمبر1952 بعد الثورة بشهرين صدر قانون الإصلاح الزراعى الخاص بتحديد الملكية للاراضى الزراعية بـ 200 فدان، والذى قضى على سيطرة الإقطاع على الحكم، حيث كان كبار ملاك الأراضى الزراعية يسيطرون على الحياة البرلمانية والتنفيذية، وكافة المشاريع التى صدرت منذ دستور 1922، وتابع أن أبرز مشاهد ثورة يوليو تحديد الملكية الفردية، ومنع الفصل التعسفى، وصدور قانون التأمينات، وتأميم قناة السويس، وتحديد إيجار الأراضي الزراعية، حيث كان الفلاح لا يملك أرضًاً زراعية ويقوم بتأجير الأرض من المالك بقيمة تبدأ من ٢٥ جنيهًا، لافتًا إلى أن شعار الحكومات كان هو القضاء على الفقر والجهل والمرض، وهذا يعني الاعتراف الرسمي بأن مصر كان بها فقر وجهل ومرض، ثم أضيف هدف بعد ذلك وهو مكافحة الحفاء، وهذا معناه أن الناس كانت “حافية فى الشارع ومش لاقية صندل أو حتى قبقاب”.
وضع الريف
ودلل الدكتور عاصم الدسوقي على سوء وضع الريف والفلاحين في مصر ما قبل الثورة، بموقف الوزير الوفدي أحمد حسين، والذي كان وزيرًا للشئون الاجتماعية، فضلًا عن كونه يملك دكتوراه في التعاونيات من ألمانيا، حين قال اذا استمر الوضع كما هو في الريف فستشهد البلاد ثورة لا محالة، ثم قدم مشروع قانون للحكومة نوقش في مجلس الأمة، كان يطالب فيه بمد الريف المصري بالمياه الصالحة للشرب، والكهرباء، وإنشاء نادٍ اجتماعي لأبناء الفلاحين، على أن تكون التكلفة على الإقطاعيين من أصحاب الأراضي، أو من الحكومة ويتم الخصم تدريجيًا من أصحاب الأراضي، وفوجيء خلال المناقشة في مجلس الأمة بعبداللطيف باشا، يقول له ان تقديم هذا القانون من الوزير يدل على أنه وزير أحمر في الإشارة إلى أنه شيوعي، فما كان منه إلا أن استقال وحذر من وضع الريف وما كان عليه آنذاك، اما عن مشروع تحديد الملكية الزراعية فعبدالناصر لم يستول على أموال الناس، كما يروج خصومه، لأنها في الأساس لم تكن أموالهم بل كانت أراضي للفلاحين منذ القدم وعندما أتت لمصر قبائل من المغرب وأواسط آسيا وكانت تهدد الفلاحين لأخذ اتاوات منهم ظهرت ما يسمى بظاهرة التسحب، أي أن ترك الفلاحون أراضيهم وهربوا، وما كان من محمد علي إلا أن يعطي هذه الاراضي لهذه القبائل بحق الانتفاع حتى يتم زراعتها مقابل ضريبة تدفع للدولة، ثم فيما بعد صدر قانون بالملكية القانونية لهذه الأراضي فأصبحت هناك العزب والوسيات الا أنها في الأساس لم تكن أراضيهم بل استولوا عليها، مشيرًا إلى أنه في عام 1948 قدمت مصلحة الأموال، وهي مثل مصلحة الضرائب الان اقتراحا بأن تحدد الملكية الزراعية على الا تزيد على 500 فدان للمالك الواحدن والا يزيد ايجار الأرض للفلاحين الذين يعملون بها عن 18 جنيهًا في السنة، إذن المجتمع نفسه كان يأخذ اتجاها لتصويب الأمور فجاءت ثورة يوليو وحددت أن الايجار للأراضي الزراعية لا يجب ان يزيد على 7 أضعاف الضريبة وقدرت وقتها بـ 21 جنيهًا سنويًا، فلا استولى عبدالناصر على أراضي أحد بل أعادها لأصحابها، ولم يخترع شيئا بل كانت استجابة لحراك المجتمع نفسه قبل قدومه للسلطة.
الزعيم والإخوان
من جانبه رد الدكتور جمال شقرة، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عين شمس، على الأقاويل أن عبدالناصر انضم يومًا للإخوان، أنه فحص الأوراق الشخصية لعبدالناصر والتي كانت بخط يده، فوجده قد كتب في إحدى الأوراق، أنا في قطار والإخوان في قطار ونمشى في طريقين متوازيين ولم يمكن أبدًا أن نلتقي، علمًا أنه عام 1951 كان في أحد الاجتماعات لتنظيم الضباط الأحرار وقال للجميع: “إن هذه الحركة لا يمكن أن تكون إلا حركة وطنية، ومن يريد أن يكون داخل تنظيم الاخوان أو يتعامل معهم يستطيع أن يخرج من الآن”، وبالفعل خرج في هذا الوقت الضابط عبدالمنعم عبدالرؤوف، وانضم للإخوان، مشيرًا إلى أن تلك الحقائق من خلال المواقف والمستندات تم ذكرها كثيرًا والرد عليها كثيرًا إلى أن خصوم عبدالناصر استمروا في ذكر هذا الأمر وكأنه حقيقة، ولكنه لم يكن يومًا كذلك فعبدالناصر عندما قابل الإخوان يومًا كان يراوغ سياسيًا ليتعرف على كافة القوى السياسية قبل قيامه والضباط الأحرار بالثورة ليكونوا صورة صحيحة عن الوضع السياسي في المجتمع.
حب الجماهير
وتساءل “شقرة” قائلًا: لماذا تجد الشعب المصري يحب ويتذكره عبدالناصر، مجيبًا: لأن هذا الرجل كان يحافظ على مقدرات هذا الشعب، ويتميز بالنزاهة، ووضع مبادئ عامة انسانية تصلح لكل الشعوب المضطهدة، كما كان له قدرة فائقة على التحدي، وللتدليل على نزاهة عبدالناصر قال “شقرة”: أذكر أنني وجدت كتالوج أثاث كان لتاجر إيطالي قديم وكان مكتوب على غلافه بخط يد جمال عبدالناصر كلمة واحدة وهي ( لا ) فحاولت وبحثت كثيرًا لأعرف ما الذي يعنيه ذلك حتى سألت ذات مرة شعراوي جمعة عن هذا السر، فقال لي إنها حكاية غريبة وهو حضرها شخصيًا، وذكر أن تاجرًا ايطاليًا للاثاث كان قد أرسل كتالوج بالمنتجات للرئاسة والعاملين بمؤسسة الرئاسة للاختيار منه والشراء، ويبدو أن السيدة تحية عبدالناصر كانت قد أعجبت ببعض المنتجات ورأت أن تشتري منها لجهاز بناتها عندما يتزوجن، فعلمت عليها بالقلم، وعندما ذهب الكتالوج للرئيس عن طريق سامي شرف يبلغه بالأمر فتصفح المجلة لدقيقة ثم قال (لا) وكتبها بخطه على الغلاف وقال لي، عندما تستطيع أي بنت فقيرة في أي قرية تستطيع أن تشتري مثل هذا الأثاث الفاخر، أستطيع حينها أن اشتري لبناتي مثلهن ثم كتب تلك الكلمة على الغلاف لتراها زوجته وتعرف رأيه في الأمر.
ووصف الدكتورة “شقرة” قرارات مارس بين عبدالناصر وبعض القوى السياسية والإخوان من جانب آخر بأنها قرارات ديمقراطية تمت بمنتهى الحنكة والحكمة، لأن تلك القرارات كشفت الضباب الذي يحيط بالحركة السياسية في مصر كما قال عبدالناصر نفسه ذلك، مشيرًا إلى أن أزمة مارس انتهت بانتصار جمال عبدالناصر، مشيرًا إلى أنه صرح بأن الإخوان يريدون الدولة الدينية، وهو يريد الدولة المدنية.

التعليقات متوقفه