من الممكن أن تطرح أفكارك علي الناس، لكن كيف، وبأي طريقة توصلها لهم؟ في هذه الكلمات الموجزة خلاصة العمل الدرامي وهي أن الأفكار كثيرة، ولكن المهم الاسلوب الذي تصل به للناس، ومن هنا نشعر بالامتنان لكل كاتب ومخرج قدم لنا علي مدي سنوات متابعتنا للدراما التليفزيونية ما رأيناه مهما ومؤثرا ومعبرا عنا، منذ أسامة انور عكاشة ومحفوظ عبد الرحمن وغيرهما من الكتاب، ومنذ محمد فاضل واسماعيل عبد الحافظ وانعام محمد علي وغيرهم من المخرجين، اكتب هذا بمناسبة ظهور مبدع جديد لدراما التليفزيون، يقوم بالدورين معا، الكتابة والاخراج، ليؤكد من جديد هذه القاعدة الخالدة، كيف تقول ما عندك للناس؟، وهو ما رأيناه عبر حلقات مسلسل «وبينا معاد» الذي انتهي عرضه منذ ايام علي شاشة dmc، والذي تدور احداثه حول قضايا الاسرة، بداية من تربية الابناء والبنات من طرف واحد «الأب أو الأم» وغياب الطرف الثاني بالموت أو الانفصال، وقضايا التفاوت بينهم من الطفولة للمراهقة وبدايات العمل، ثم علاقات الاباء والابناء مع الاسرة، والاقارب، والغرباء، وتفاعل الابناء مع حدث مهم وصادم كزواج الأب، أو الأم، «ممن لديه أبناء ايضا، وفي نفس العمر تقريبا»، وهو ما يدفع بالغضب، ونوع من التحدي المكتوم، تجاه شركاء الحياة الجدد، إنها قصة ممكن حدوثها في مجتمعنا، وتعبر عن كثير من الأفكار والسلوكيات، والاكتشافات التي رأيناها عبر المسلسل، وتفاعلنا معها، علي مستويات عديدة.
قصة نادية وحسن
في «وبينا معاد» حصل الممثل القدير «صبري فواز» علي حقه في البطولة في دور حسن المهندس امام «شيرين رضا» وهي ممثلة كبيرة قامت بدور مهندسة ومديرة الشركة لديها اربع بنات تربيهن وحدها بعد انفصالها عن الاب الذي ترك العائلة وسافر للعمل في الخارج وانقطعت اخباره، وفي الشركة تقابل حسن، وتكتشف فيه شخصية جاذبة برغم حرصها علي البعد عن أي علاقات مهما كان نوعها، ولكن الظروف تدفعها للاقتراب منه، لتعرف أنه أب لاربعة مثلها، ولكنهم اولاد «وهنا علامة استفهام فلماذا نفس العدد من الابناء، ولماذا البنات للأم، والاولاد للاب»، لكنه اختيار المؤلف المخرج الذي أراد أن يترك مساحة لكل من الاب، حسن، للتعامل مع اولاده بأسلوب مختلف عن الام، نادية، التي تعاملت مع بناتها بشدة ونوع من الخوف من كل شئ في الحياة، خصوصا الآخرين، ومن هنا كان زواج الاثنين، نادية وحسن، حدثا استثنائيا، وانفجار في حياة الثمانية أبناء، والذين حاولوا إفشال هذه الزيجة، وتآمروا عليها بكل الطرق باعتبارهم أعداء، ولنرى كل منهم، ومنهن، في صراعات فردية وجماعية تكشف الكثير من السلوكيات الظاهرة والمخفية للأجيال الجديدة، وتظهر ما يخفيه البعض حتي عن اقرب الناس إليه من خلال أداء مجموعة من الممثلين والممثلات الجدد الموهوبين، والذين أحسن المخرج اختيارهم وإدارتهم مثل داليا شوقي، وآية سليم وتسنيم هاني وكنزي رماح ومثل أولاد حسن، أسامة الهادي، ويوسف الكدواني ويوسف ابراهيم.
وأبطال آخرون
مساحات أخرى تضيف إلي رؤية المؤلف، وإلينا، قدمها. العمل من خلال شخصيات اخري مثل رمزي « بأداء مدحت صالح في افضل ادواره كممثل»، شقيق نادية، وقصته مع ابنه «خالد أنور» الذي اودعه مدرسة داخلية بعد موت زوجته فكبر الابن وهو يكره اباه ويرفضه، بل يحاول البعد عنه ويأتي تصالحهما متأخرا بعد أحداث ومحاولات عديدة من الاب، ومن امرأتان، الاولي مريضة بمستشفي يعمل به الابن طبيبا «نادية رشاد في دور مختلف» والتي تلتقط اضطرابه، وتعامله كأم، والثانية هي من استطاعت اقناع الاب بزواجها اخيرا «بسمة في دور جميل»، وكل أبطال هذه القصة قدموا اروع أدوارهم، وأضافوا إلي القصة الاولي التي ملأت الشاشة بالحيوية وانتزعت الانتباه الاكبر، إلا أن الثانية، بأبطالها، اضافت الكثير إلي الرؤية التي يقدمها العمل، مع إضافة ثالثة مؤثرة ايضا هي عودة والد الفتيات من العمل بالخارج «محمد سليمان في دور يحيي»، وزوجته «وفاء صادق»، وكيف رفضته بناته اولا، ولكن حسن- زوج الام- تدخل رغما عنها، ليوفق بين الاب وبناته، وكانت زوجة الاب أروع في تدخلها لأجل عودة المودة والحب، وليقدم لنا هذا العمل نموذجا مهما لدوافع الحب والكراهية لدي أجيال مختلفة، ولكل السلوكيات الدافعة للفرقة، ولتلك التي تدفع الي الاتجاه الآخر، وليكتشف الابناء جميعهم انهم خسروا كثيرا حين انفصل الابوان بعد معركة بسببهم، ويكتشفون أن الحياة فقدت الكثير من الونس والمحبة والتفاعل بعدما فقدوا اخواتهم البنات اللواتي كن نصف العائلة، ويتغيرون في اتجاه لم يتوقعوه ابدا، ويصبح حلمهم هو ان تعود نادية لحسن، وتعود العائلة. وهو ما يتمناه المشاهد ايضا ويراه في المشهد الأخير.

التعليقات متوقفه