في أعقاب ثورة 23 يوليو 1952 صدرت قوانين الإصلاح الزراعي بهدف أساسي للقضاء على الإقطاع، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإعادة توزيع ملكية الأراضي الزراعية من كبار الملاك على صغار الفلاحين.
وكانت القوانين ترمي إلى تحرير الفلاحين اقتصادياً، ورفع مستوى معيشتهم، وزيادة الإنتاج الزراعي من خلال تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، والحد من النفوذ السياسي والاجتماعي، لكبار الملاك.
وأيضًا لتحسين وضع الفلاحين عبر تمليكهم الأرض، في إطار تحقيق العدالة الاجتماعية، وتحديد الملكية الزراعية بوضع حد أقصى للملكية الفردية للأراضي الزراعية، مع تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر بتثبيت قيمة إيجار الأراضي الزراعية وحماية المستأجرين، بعد مصادرة الأراضي الزراعية الزائدة على الحد المسموح به وتوزيعها على صغار الفلاحين والعمال الزراعيين المعدمين.
واستهدفت قوانين الإصلاح الزراعي دعم الإنتاج الزراعي من خلال تطوير الزراعة وتنظيم استغلال الأراضي لزيادة الإنتاج، ودعم المشروعات التنموية عبر توفير التمويل لمشروعات القرى المصرية.
وشملت قوانين الإصلاح الزراعي أراضي الأوقاف (خاصة الأوقاف الخيرية وأوقاف البر) بهدف إعادة تنظيم الملكية الزراعية وتحقيق العدالة الاجتماعية، وفي حقبة الستينيات، تم توزيع أراضي أوقاف على صغار الفلاحين (فدانين) ضمن تلك القوانين.
واستهدفت القوانين تحويل أراضي الوقف (خاصة الوقف الأهلي) إلى ملكية خاصة للمستحقين، وإدماج أراضي الأوقاف الخيرية ضمن برامج الإصلاح الزراعي لتوزيعها على صغار الفلاحين، حيث تم نقل ملكية مساحات واسعة من أراضي الوقف الخيري إلى المنتفعين (الفلاحين) لزيادة قاعدة الملاك الزراعيين.
وعلى مدى السنوات التالية صدرت قرارات عديدة لتنظيم العلاقة بين المزارعين “المستأجرين” ووزارة الأوقاف، بعد إعادة القانون رقم 42 لسنة 1973 بعض الأراضي الموقوفة إلى وزارة الأوقاف، وأدت هذه القوانين إلى تمليك مساحات كبيرة من أراضي الأوقاف لصغار الفلاحين، وتحولت العلاقة بين الوقف والمنتفعين إلى عقود إيجار طويلة الأجل أو تمليك، وهو ما تم تنظيمه لاحقاً بزيادات في القيم الإيجارية لإعادة تقييم الأراضي، مع تقنين العلاقة بإيجار سنوي عادل.
واستقرت الأمور على هذا النحو على مدى سنوات طويلة، وحتى مطلع العقد الثاني من القرن الحالي، أي قبل 15 عاماً، وظلت الأرض تنتج ويسدد مستأجروها القيمة الإيجارية لهيئة الأوقاف في إطار علاقة جيدة، وفي احترام متبادل، وساهمت تلك الأراضي في الأمن الغذائي المحلي، بل والتصدير، مع ارتفاع معقول في القيمة الإيجارية لصالح وزارة الأوقاف.
وقبل حوالي عشر سنوات وفي عهد وزير الأوقاف السابق، وفي ظل سعي هيئة الأوقاف للتحول إلى هيئة اقتصادية، وجدت في أراضي الأوقاف المطمع الرئيسي، وبدون مقدمات ضاعفت القيمة الإيجارية، بدون أي نقاش أو حوار مع أصحاب المصلحة، وهو ما أضاف عبئاً ضخماَ على مستأجري الأراضي الزراعية، والتي تعيش على منتجاتها ملايين الأسر في أرجاء الجمهورية.
ورغم أنين وصرخات وأوجاع الناس، تجاهلت الأوقاف كل آلام المزارعين، والتي وصلت إلى أن عائد الأرض لا يكفي لتغطية القيمة الإيجارية، بل وصل الأمر أن إجمالي عائد الفدان لا يغطي سوى ما بين 60% إلى 75%، من القيمة الإيجارية، ويضطر المستأجر للاستدانة لتغطية الإيجار.
ومرت السنوات حتى نهاية العام 2025، ومطلع العام 2026، دون أن يتحرك مسؤول للتخفيف من الآلام ووضع علاج لها، وإن خفت بعض الأعراض قليلاً بفعل ارتفاع عوائد الأراضي نسبياً.
لم تمر الأيام هذه حتى فوجئ المستأجرون هذا العام وفي عهد وزير الأوقاف الحالي، بقيام هيئة الأوقاف بضرب المزارعين في مقتل، وإعلان تطفيش المستأجرين، بل ما يمكن تفسيره بقرار “تبوير للأرضي الزراعية”، من خلال قرار رفع القيمة الإيجارية، على مستوى قياسي وصل إلى 48 ألف جنيه للفدان ارتفاعاً من 18 ألف جنيه، بزيادة تجاوزت 166%.
تخيل الناس أن ما تم الإعلان عنه من جانب هيئة الأوقاف هو مجرد شائعة وستنجلي الأمور لاحقاً، إلا أن الحقيقة المرة، هو تأكيد الوزارة على الزيادة، والبدء في ترويع المستأجرين بالغرامات.
الغريب في الأمر أن الهيئة ادعت أن القيمة الإيجارية جاءت بناء على التحديد بالمثل للأراضي المشابهة، وبقيمة أقل 5% عن أسعار السوق، وهو ما أثار موجة غضب في عموم مصر من مستأجري أراضي الأوقاف، واتسعت دائرة الشكاوى يوماً بعد يوم، خاصة مع ارتفاع مستلزمات الزراعة وتكاليفها.
التعريف الطبيعي لمثل هذا القرار أجابت عنه تصرفات وردود الفعل من مستأجري الأوقاف، فقد انهالت طلبات المستأجرين على مديريات الأوقاف (تعالوا استلموا الأرض مش عايزين حاجة منكم)، وقد “فاض الكيل منكم وتصرفاتكم”، وفي نفس الوقت تضاعفت أسعار الأسمدة والمبيدات والسولار وأجور المزارعين، عدة مرات.
طبعاً ردود مسؤولي المديريات لم تتضمن إجابات شافية على صرخات المستأجرين، فهم مجرد موظفين، وكل ما استطاعوا توضيحه، “افضلوا في الأرض، وادفعوا الإيجار، والمتخلف عن الايجار سيتم تغريمه بالقانون، إلى أن يأتي بديل له .. إن وجد!.
تفسيرات المستأجرين لأفعال السادة في وزارة الأوقاف وهيئاتها وقراراتهم وعلى رأسهم معالي الوزير، كانت بمثابة القنبلة، بأن هذه القرار دعوى لتبوير الأراضي الزراعية، مع سبق الإصرار والترصد من الوزارة وهيئاتها، ولمئات الآلاف من أفدنة الأراضي الزراعية في ربوع مصر، في وقت تتكلف فيه الدولة المليارات على استصلاح الأراضي الصحراوية، بينما تدعو الأوقاف لتبوير أجود أراضي مصر.
يبدو أن السادة في الأوقاف الجالسون في التكيفات ويشربون المياه المعدنية، غائبون أو مغيبون عن الواقع، ولم تحرقهم أشعة الشمس الحارقة التي يعمل تحتها مستأجرو الأراضي الزراعية، ويصدرون قراراتهم بناءً على تقييمات مكتبية (مثل الإيجار)، وتحولوا لجباة جدد.
وبدا الأمر الأكثر خطورة أن ما يصدر عن السادة في وزارة الأوقاف من قرارات تخص الأراضي الزراعية، هم من يحملون “أستيكة” لمحو كل أهداف قرارات قوانين الإصلاح الزراعي التي صدرت قبل نحو 70 عاماً بغرض الحماية الاجتماعية لفلاحي مصر، مع عائد مناسب وعائد للأراضي التابعة لهيئات الوقف والبر، إلا أنهم دخلوا في مرحلة ذبح المستأجرين بـ”سكينة تلمة”.
صحيح أن القضية جرى مناقشتها تحت قبة البرلمان إلا أن نتائج المناقشات لا تبشر بالخير في ظل ردود موظفين على رأسهم رئيس هيئة الأوقاف، وليست ردود مسؤولين وسياسيين يراعون في قراراتهم الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لمثل هذه القرارات العشوائية، فالأمر بحاجة لمساءلة الوزير وتدخل السيد رئيس الجمهورية، فمفهوم الإصلاح والوقف يعني استفادة الجميع، ولا يعني تدمير المستأجر وتبوير الأراضي الزراعية.

التعليقات متوقفه