ضد التيار ..أمينة النقاش تكتب:مصر والأحلاف العسكرية

54

سألنى صحفى أجنبى: هل رفضت مصر الانضمام إلى حلف مكة العسكرى بين السعودية وتركيا وباكستان، أم لم يُطلب منها المشاركة أصلا؟ فضحكت فى كمى، كما يحلو للظرفاء المصريين أن يفعلوا، حين تغلبهم روح السخرية مما يسمعون، فيضحكون منه خفية، لمداراة ضحكهم بطرف الثوب أو كمه، ربما لكى يتجنبوا إحراج أو جرح مشاعر من يسخرون منه .قلت له لو أنى أعرف الإجابة، لكنت نشرتها مانشتا فى صحيفة الأهالى. جاء سؤال الصحفى الاجنبى، فى نفس اللحظة التى أعلن فيها ترامب ترحيبه بالحلف الجديد، وتشبيبه الحار بقادته بما يؤكد دعمه له، لا سيما والدول الثلاث من بين الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة فى الإقليم . وربما أراد ترامب الإيحاء بأن تشكيله لم يكن بعيدا عن واشنطن، حتى ولو بدا الأمر للبعض غير ذلك.

قلت لسائلى ربما تساهم العودة إلى التاريخ و قراءة بعض صفحاته فى الإجابة عن تساؤلك .

فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، أخذ النفوذ البريطانى فى المنطقة العربية يتراجع، وبدأ ما بات يعرف بالحرب الباردة بين القوتين المنتصرين فى الحرب، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى بهدف محاربة النفوذ السوفيتى، وبزعم منع انتشار الشيوعية فى المناطق التى تعدها الولايات المتحدة حيوية للحفاظ على مصالحها، وفى القلب منها دول إنتاج النفط فى المنطقة. ومن أجل الحفاظ على تلك المصالح، دعت الولايات المتحدة إلى تشكيل حلف بغداد فى فبراير عام 1955 ورعته, ودعمته ماليا دون أن تنضم إلى عضويته المباشرة، تاركة لحليفتها الغربية الوثيقة المملكة المتحدة مهمة الإدارة والتنسيق، وربما لإضعافه، انتظارا للحظة انهياره التى تعد حينئذ إيذانا بأفول دور الاستعمار الأوروبى من المنطقة .وتم تشكيل الحلف من العراق وتركيا وإيران وباكستان وبريطانيا.

قاد الزعيم جمال عبد الناصر الحملة ضد الحلف، ووصفه بأنه نوع من “الاستعمار المقنع “وبعد تشكيله بنحو ِشهرين، كان ناصر فى إبريل من نفس العام، يشارك مع قادة العالم الثالث تيتو ونهرو وشوان لاى فى مؤتمر باندونج فى إندونيسيا. ضم المؤتمر عددا من بلدان آسيا وأفريقيا التى كانت قد تحررت حديثا من الاستعمار، وأرسى المبادئ التى تشكلت بموجبها حركة عدم الانحياز فيما بعد، وانطوت على الدعوة للتعايش السلمى واحترام سيادة الدول، وعدم الاعتداء عليها أو التدخل فى شئونها، وجعل المنفعة المتبادلة والمساواة قاعدة التعامل فيما بينها، والرفض القاطع للأحلاف العسكرية .وفى أواخر سبتمبر من نفس العام عقدت مصر صفقة سلاح شهيرة مع الجانب السوفيتى فى العاصمة التشيكية براغ.

وفى تلك السنوات أشاد أعداء عبد الناصر، قبل أصدقائه ببراعته فى توظيف التناقض بين القوتين العظميين فى العالم، الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة، لجنى أقصى المنافع للمصالح المصرية . ولم تكن هزيمة العدوان الثلاثى على مصر، وموافقة الاتحاد السوفيتى على تمويل بناء السد العالى، بعد الرفض الأمريكى الذى كان أيزنهاور قد رهن المساعدة فى بنائه بعقد صلح بين مصر وإسرائيل، سوى علامتين بارزتين لنجاح باهر للسياسة الخارجية فى عهد عبدالناصر، أمتد أثرهما فى العون السوفيتى المادى والمعنوى والعسكرى لمصر، لتحقيق النصر فى حرب أكتوبر.

معنى كل ماسيبق أن مصر الجمهورية قد أقامت علاقتها الخارجية على مبدأين راسخين لا يتغيران: رفض المشاركة فى أحلاف عسكرية ورفض إقامة قواعد عسكرية على الأراضى المصرية .تمكن نظام عبد الناصر من مقاومة كل الضغوط الخارجية للحفاظ على هذين المبدأين بنجاحه فى حشد العالم العربى كله خلفه، كما وضح أثناء العدوان الثلاثى على مصر، وبدأه فى إقامة نظام اقتصادى مستقل، بخطط التنمية الانتاجية الصناعية والزراعية، وببسط حماية الدولة على الفئات الاجتماعية الفقيرة وغير القادة وبناء ركائز للطبقة الوسطى المصرية قائدة التنمية فى شتى جوانبها، مما خلق القاعدة الاجتماعية التى أحاطت بنظامه، وثبتت بتلك السياسات حالة الرضا الشعبى الذى تجلى فى أحلك الظروف وأكثرها صعوبة دعما للدولة وقائدها.

مصر بالقطع ستكون مدعوة للانضمام إلى تحالف مكة الذى يبدو فى ظاهره تحالفا سنيا ضد إيران، لكى يتحقق ما تحذر منه دوما السياسة الخارجية المصرية وهو تحويل الصراع السياسى فى الإقليم إلى صراع دينى ومذهبى يخسر فيه الجميع، وحتى مشعلوه. ومن هنا أجبت سائلى، أن مصر بالقطع لن تقبل بالإنضمام لمثل هذا التحالف أو ما يشبهه.فداهمنى الصحفى الماكر بسؤال آخر: وهل مصر قادرة بوضعها الاقتصادى المأزوم، على مقاومة الضغوط الخارجية لرفض الانضمام إلى هذا الحلف؟ فصمت ودعوت العلى القدير، أن تكون الحكمة حاضرة لمن بيدهم القرار، للبدء بسياسات بديلة ترضى الناس قليلا، وتخرجهم من معاناتهم اليومية القاهرة، فهم أول الخيط لدعم السير فى الطرق المصرية التى تحفظ المصالح، وهم من تم القسم الدستورى لرعاية مصالحهم رعاية كاملة والمحافظة على استقلال وطنهم ووحدة وسلامة أراضيه. اللهم آمين ..

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy