الدكتور عبد الفتاح مطاوع رئيس قطاع مياه النيل الأسبق يكتب للأهالي:الخوف و القلق الإثيوبي من سد النهضة

1

استغربت واستوقفني مؤخراً هذا الكم الهائل من تصريحات العديد من المسئولين، من وزراء وفنيين إثيوبيين، بالعديد من وسائل الإعلام المرئية ووسائل التواصل الاجتماعي، وتصريحاتهم المتكررة والتي هي أشبه بالاسطوانة المشروخة، منذ بداية الإعلان عن وضع حجر أساس سد اكس، و مروراً بمراحل توسعة سعة السد ومراحل إنشائه، و جولات التفاوض اللانهائية حول استكمال الدراسات البيئية للسد، و تشغيل و إدارة مياه السد، الذي انتهى باسم جديد تحت مسمى سد النهضة الإثيوبي العظيم.

 بولوتيكا سد النهضة:

وعلى الرغم من وصول المفاوضين والخبراء من مصر والسودان وإثيوبيا والبنك الدولي ووزارة الخزانة الامريكية، تحت رعاية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، لصيغة توافقية مثالية تراعي مصالح الدول الثلاث عام ٢٠١٩، حيث حينها وقعت مصر، و تحججت إثيوبيا بأن ممثليها للتوقيع لم يستطيعوا القدوم للعاصمة الامريكية واشنطن دي سي بحجة وباء كورونا، وأجلت السودان توقيعها بحجة أنه لابد من توقيع الدول الثلاث. 

عند هذا الحد توقفت عن الكتابة والتعليق على معظم التصريحات الإثيوبية إلا ما ندر، وذلك لوجود صيغة توافقية وهي صيغة واشنطن مطلوب التوقيع عليها وفقط، وكنت  قد كتبت في السابق كتابًا تحت عنوان “بوليتيكا سد النهضة، مصر ودول حوض نهر النيل والعالم” يشرح جوانب هذا الموضوع في مارس ٢٠١٧.

 حديث وزير المياه الإثيوبي السابق:

وكما أشرت في بداية المقال إلى التصريحات الإثيوبية الأخيرة، ومنها حديث لوكالة الأخبار الإثيوبية منشور بموقع اسمه نبض أفريقيا للسيد شيفراو جارسو وزير الموارد المائية الإثيوبي السابق، خلال فترة شهر العسل في العلاقات المصرية الإثيوبية، وهذا الحديث تم إرساله إلى وكالة سي إن إن، وتم نشره على موقعها باللغة العربية في ٢٧ أغسطس الجاري، وكان هذا الحديث لأحد محطات الإذاعة الإثيوبية، وتقديري أن هذا الحديث مفبرك، وليس له علاقة لا بما تعلمه الوزير الأثيوبي في دراسة الماجستير بانجلترا، ولا بما جاء بحديثه عن أن مصر يجب أن تعوض إثيوبيا لاستخدامها مياه النيل التي تأتي من إثيوبيا، وتمثل ٨٦٪؜ من مياه النيل الواردة لمصر، والتي لا يستطيع أي من كان أن يمنعها من الوصول إلى مصر. 

الوزير شيفراو وأنا منذ عام ١٩٩٩ كنا أصدقاء على المستوى الشخصي و العائلي، بالإضافة إلى علاقتنا بالعمل في مبادرة حوض نهر النيل، وبرنامج مشروعات التعاون الفني بين دول حوض النيل الشرقي، مصر والسودان وإثيوبيا، حيث كنت أول مهندس مصري يقيم بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا و يرأس هذا المكتب، من مايو ٢٠٠٢ و حتى ابريل ٢٠٠٣، وذلك من أجل دراسة مشروعات للتعاون تفيد الدول الثلاثة، و لا أذكر خلال وجود السيد شيفراو وزيراً للمياه حتى عام ٢٠٠٧ أي حديث لا من قريب أو بعيد حول أي تعويضات لأثيوبيا، ولم يقل ذلك بعدها وحتى عام ٢٠١١ عندما كان الوزير أسفاو دينجامو هو وزير المياه الإثيوبي الذي حل مكانه. 

سد كارادوبي:

وكنا سوياً في اجتماع لوزراء المياه من مصر والسودان وإثيوبيا والفنيين من الدول الثلاث، وتم الاتفاق على اختيار مشروع سد كارادوبي علي النيل الأزرق عام ٢٠٠٤ لدراسته بما يحقق فوائد للدول الثلاث، حيث الطاقة الكهرومائية المولدة لصالح إثيوبيا والمياه المتوفرة من هذا المشروع لمصر ولحماية السودان من الفيضانات و تقليل الطمى الزائد بخزاناتها، وكانت سعة هذا الخزان بحوالي ٢٥ مليار متر مكعب، على أن تتحمل كل دولة نصيبها في التكاليف، وكذا ما تحصل عليه من عائد،  و بالفعل  تم دراسة هذا السد وتم عرض نتائجه في اجتماع بالعاصمة داكار بالسنغال، مع مجموعة من خبراء كل دولة من وزارات المياه والزراعة والكهرباء والتعاون الدولي، وكذا خبراء من البنك الدولي والأمم المتحدة. 

و قد أسفرت النتائج عن أن هذا السد لن يكون ذا جدوى إلا عند شراء مصر والسودان حصة كبيرة من إنتاج هذا السد من الكهرباء. 

ويمكن الحديث عن تطورات إنشاء هذا السد ولماذا لم يتم إنشاؤه حتى الآن ؟ فيمكن الحديث عنه فى مقال آخر. 

أشك أن يكون الوزير الإثيوبي قال ذلك:

وخلال فترة تواجد الوزير الإثيوبى بوزارة المياه فى عام ٢٠٠١ قام بترتيب رحلة ميدانية لوزراء المياه و الفنيين من دول حوض النيل، ومعهم خبراء من البنك الدولي والأمم المتحدة للطيران فوق جميع احواض الأنهار الإثيوبية لمدة ٥٠ ساعة طيران في أسبوع واحد. 

وفي عام ٢٠٠٢ تسنى لي تكرار هذه الرحلة مع السادة رؤساء لجان الزراعة و الري بالبرلمان ومجلس الشورى، وعدد من الصحفيين بالصحف المصرية، ومصورين من التليفزيون، وتم تكرار رحلة الطيران لمدة ٥٠ ساعة بالإضافة إلى زيارة منطقة نجش، حيث الهجرة الأولى للمسلمين، وكذا .كنائس لا ليبيللا 

كذلك قمت بمصاحبة وفد إثيوبي من البرلمان والتلفزيون الإثيوبي والسفيرة الأثيوبية كونجت، إلى اسوان والسد العالي و معبد أبى سمبل وفيلة، وكانت العلاقات على ما يرام.  

وبناء عليه فإن ما نشر على لسان السيد الوزير شيفراو ليس له علاقة لا به ولا بما تعلمه، وإنما هي محاولات إثيوبية حكومية للزج بأسماء إثيوبية محترمة بغرض الفبركة.

الوزير ولغة الدبلوماسي: 

و كان الوزير شيفراو قد تم تعيينه سفيرًا فوق العادة بالسودان، لمشاركته في حوارات المستقبل بالسودان بين أجزائه المتناحرة، وبعدها عمل سفيراً لإثيوبيا في دولة كوريا الجنوبية. 

و لذا لا أعتقد أن ديبلوماسيًّا تصدر منه مثل هذه الدعاوي، وكنت دائماً أقول لزملائي من دول حوض النيل، اذا كنتم تريدون مصر أن تدفع لكم تكاليف المياه الواردة، فإننا فى مصر سنحاسبكم على صرف المياه داخل الحدود المصرية، وبالبلدي الطاق بثلاثة، و كانوا يتوترون مما أقوله لهم، وهو أشبه بالمثل الشعبى المصري الذي يقول: لا تذهبوا لبيع المياه في حارة السقائين.  

يصدرون قلقهم:

و لذا فإنهم يحاولون تصدير قلقهم وإحباطهم لنا، ولذا يجب أن نكون واعين لما يقال.  

و على جانب آخر وبهدف وضع تفسيرات لهذا الإسهال الإثيوبي من التصريحات، والذي يعكس حالة من القلق والكبت والخوف الإثيوبي من سد النهضة الإثيوبي العظيم، فبينما كنت أقرأ مقالًا للسيدة الدكتورة دينا عبد الرحمن في مجلة القاهرة بتاريخ ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦ تحت عنوان “القلق عند سيجموند فرويد، ما لا نستطيع قوله قد يجد طريقاً آخر إلى الظهور “. 

و الفقرات التالية من عرض الدكتورة دينا ستوضح لنا كم القلق الذي يسيطر على عقول الساسة الإثيوبيين. 

تقول الدكتورة دينا أن التفكير الفرويدي يميز بين الخوف من شيء محدد، والقلق بوصفه حالة إنسانيّة أكثر غموضاً، فالخوف يرتبط بموضوع يمكن التعرف إليه: مرض،موت، فشل، أو خطر خارجي، أما القلق فيمكن أن يظهر من دون ان يكون له موضوع واضح، انه شعور بأن شيئا ً ما على وشك الحدوث، بدون أن نعرف بالضرورة ماهية هذا الشيء. 

ويقترب فرويد من التجربة الانسانية قائلاً:  “الإنسان لا يخاف فقط مما يعرفه، و إنما قد يخاف أيضاً مما لا يستطيع أن يعرفه عن نفسه”. 

المجتمع الإثيوبي:

يحتل الصراع عند فرويد بين الرغبة والواقع مكانة محورية، وإذا اقتربنا من المجتمع الإثيوبي وساسته نجد أن طموحاتهم أكثر من إمكانياتهم بكثير.  

الكبت هو أحد الآليات الأكثر شهرة في التحليل النفسي، حيث تبعد النفس فكرة أو رغبة أو تجربة مؤلمة عن الوعي، لكنها لا تختفي بالضرورة، قد تعود في صورة حلم أو عرض نفسي أو سلوك متكرر، أو انفعال يبدو غير مناسب مع الموقف. 

و من هنا يمكن فهم العبارة الشهيرة التي تلخص روح التحليل النفسي، ما لا نستطيع قوله قد يجد طريقاً آخر للظهور. 

إن الخوف من أن سد النهضة بعد اكتمال بنائه وملئه، لم يحقق حتى الآن ولا ذرة من التصريحات الجوفاء، عن خنق مصر، وتعطيش مصر، وبيع المياه لمصر، وأنّ إثيوبيا هي الوحيدة القادرة على تحقيق أكبر الضرر لمصر، ولذا  مرة أخرى لم نشهد لمثل هذه التصريحات أي كرامة، ومن هنا فإن التصريحات الإثيوبية هي تعبير عن قلق داخلي، ناتج من الخوف على ما تم صرفه من مليارات الدولارات، ومن الخوف على تحلل وانفراط العقد الإثيوبي الداخلي، والذى كان يفترض أن سد النهضة وخاصة أي عدوان عليه من مصر، سوف يلم شمل المجتمع الإثيوبي ويجمع قبائله المتناحرة على قلب رجل واحد ضد العدو الأزلي مصر، وهو مالم يحدث. 

كذلك فإن هذا القلق ناتج عما يمكن قوله للمجتمع الإثيوبي عند مواجهته بحقائق عدم القدرة على السيطرة على مياه النهر، الذي ينبع من أراضيها، والتي تتلاشى حقيقتها كل يوم. 

مرة أخرى، يمكن التأكيد على أن الخوف والقلق والكبت الإثيوبى يظهر جلياً في إسهال التصريحات حول خنق مصر، وتعطيش مصر، وبيع المياه لمصر، وغيرها مما لم و لن يتحقق منها شيء، ويظهر أيضاً الخوف والقلق والكبت في أن سد النهضة على أرض الواقع لم يحقق أي منها. 

-الدكتور عبد الفتاح مطاوع 

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy