محمود حامد يكتب: المؤتمر العام التاسع للتجمع.. انطلاقة نحو إعادة بناء الحزب
الاختلاف أمر طبيعي في أي حزب سياسي، بل إن تعدد الآراء والاجتهادات يمكن أن يكون مصدر قوة.. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى خصومة، أو عندما تنتقل المناقشات التي يفترض أن تجري داخل المستويات الحزبية إلى ساحات التواصل الاجتماعي. ليس مطلوبًا أن يتفق أبناء التجمع على كل شيء، وإنما المطلوب أن يعرفوا كيف يختلفون ويحافظون في الوقت نفسه على حزبهم. فمن حق كل عضو أن ينتقد ويعترض ويطرح البديل، لكن مكان هذا الحوار الطبيعي هو الاجتماعات الحزبية والحوار الحزبي الداخلي، ثم الاحتكام إلى لائحة النظام الأساسي التي تحكم عمل الحزب.
من هنا تأتي أهمية المؤتمر العام التاسع لحزب التجمع، وقد دارت عجلته وانتهت كل المحافظات من عقد مؤتمرات المراكز والأقسام، وبدأت المحافظات فى الاستعداد لعقد مؤتمراتها استعدادًا لانعقاد المؤتمر العام في 28 نوفمبر المقبل حسب قرار الأمانة العامة.. وعلينا أن ندرك جميعًا أن المؤتمر لا ينبغي أن يكون مجرد استحقاق انتخابي لاختيار قيادة جديدة، وإنما فرصة لإعادة بناء الحزب، وتجديد مؤسساته، واستعادة حضوره السياسي والجماهيري، وفتح صفحة جديدة تتجاوز خلافات المرحلة الراهنة.. وبعد خمسين عامًا من تأسيس التجمع، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: من سيقود الحزب؟ فالأهم أن نسأل أنفسنا: أي حزب نريد؟، وماذا نفعل لتحقيق ما نريد؟.
رصيد تاريخي مشرف
التجمع يمتلك رصيدًا تاريخيًا مهمًا يمثل انحيازًا إلى العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والدولة المدنية، ودفاعًا عن العمال والفلاحين والطبقات الأكثر احتياجًا، ومواجهة للتطرف، وإيمانًا بقيمة التنظيم والعمل السياسي والحوار، كما ارتبط الحزب بأسماء ورموز كان لها تأثيرها في الحياة السياسية المصرية، وفي مقدمتهم الزعيم خالد محيي الدين. والوفاء لهذا التراث لا يعني العيش في الماضي، وإنما البناء عليه بما يتناسب مع مصر اليوم وأجيالها الصاعدة.
وهنا تبدأ مسئولية القيادة الجديدة التي سينتخبها المؤتمر من خلال خارطة طريق واضحة لإعادة بناء الحزب سياسيًا وتنظيميًا وجماهيريًا ومجتمعيًا. تعالوا نفكر معًا بصوتٍ عالٍ في شكل خارطة الطريق التي نسعى إلى تحقيقها.. وعلى كلٍ منا أن يطرح ما يراه من رؤى لتنصهر جميعها في بوتقة المستقبل الذي نتطلع إليه، وإذا كان لى أن أجتهد فى هذا الإطار، أستأذنكم فى أن أفكر معكم بصوتٍ عالٍ وأتقدم بهذا الطرح إذا كان مناسباً:
رؤية سياسية وتنظيمية
سياسيًا، يحتاج التجمع إلى تجديد خطابه، وتقديم رؤى واضحة تجاه القضايا التي تشغل بال المصريين، من الاقتصاد والأسعار والعدالة الاجتماعية إلى التعليم والصحة والصناعة والزراعة والعمل والحماية الاجتماعية والسياسة الخارجية. نحتاج حزبًا ينتج الأفكار ويقدم البدائل، ولا يكتفي بالتعليق على الأحداث.
وتنظيميًا، طالما تمت عملية إعادة بناء الوحدات الحزبية في المحافظات والمراكز والأقسام، فيجب الاهتمام بتفعيل الاجتماعات، وتحسين التواصل بين القيادة والقواعد، وإعداد كوادر جديدة، ووضع آليات واضحة للتقييم والمحاسبة. فالحزب القوي يبدأ من عضو يشعر أن عضويته لها قيمة، وأن صوته مسموع، وأن أمامه فرصة حقيقية للمشاركة وتحمل المسئولية. ويجب أن يكون الشباب والمرأة في قلب هذه العملية عبر توفير التثقيف السياسي والتنظيمى.
أما العمال والفلاحون، وهما من صميم العملية السياسية للتجمع، فيجب ألا يظلا مجرد عنواين في الخطاب. المطلوب إعادة بناء الصلة بمواقع تواجدهم في المصانع وفي القرى، والتعامل مع قضايا الأجور والإنتاج والأسواق وتكاليف الزراعة والخدمات والتنمية الريفية باعتبارها قضايا سياسية ومجتمعية حاضرة. وينطبق الأمر نفسه على النقابات المهنية والمثقفين وأصحاب المهن المختلفة، عبر حضور يقوم على الحوار حول القضايا المهنية والعامة، من خلال اجتماعات متتالية مع ممثلي تلك النقابات والاستماع إلى مطالبهم وتبنيها طالما تتوافق مع سياسة الحزب وأهدافه.
أما الجماهير، فهي الاختبار الحقيقي.. علينا أن نعترف “سواء لأسباب ذاتية أو أسباب موضوعية” بأن التجمع يحتاج إلى استعادة وجوده في الشارع، وإحياء مقراته، وتنظيم ندوات ومبادرات مجتمعية مستمرة، والاستماع إلى الناس قبل الحديث باسمهم، كي يستعيد الحزب جماهيريته بقدرته على التواصل مع الناس وفهم مشكلاتهم والدفاع عن مصالحهم. ويحتاج كذلك إلى تطوير إعلامه، مستفيدًا من تاريخه الصحفي والفكري، بما يتناسب مع العصر الرقمي، مع الحفاظ على المهنية والتحليل والقدرة على تقديم الفكرة، لا مجرد نشر البيانات.
مسئولية مشتركة بين الجميع
لكن كل ذلك لن ينجح إذا لم نضع قاعدة واضحة لإدارة الخلاف الداخلي. فمن حق أي عضو أن ينتقد القيادة، لكن وسائل التواصل الاجتماعي لا يمكن أن تكون بديلًا عن المستويات الحزبية. وما يكتب على «فيسبوك» قد يثير وقائع غير حقيقية أو يتناول مشكلة معينة، فيعمل على تفاقمها بدلًا من حلها.. والحزب الذي يحول خلافاته إلى معارك علنية يستهلك نفسه قبل أن يواجه خصومه السياسيين.
لذلك، يجب أن نتعامل مع نتائج المؤتمر على أساس أن من يفوز لا يصبح مالكًا للحزب، ومن يخسر لا يصبح خصمًا له.. الجميع أعضاء، والجميع شركاء في المسئولية. ومسئولية القيادة الجديدة أن تجمع خبرة الأجيال السابقة مع طاقة الأجيال الجديدة، وأن تعيد بناء التنظيم، وتجدد الخطاب، وتستعيد الحضور الجماهيري، وتفتح الحزب أمام الشباب والمرأة والعمال والفلاحين والنقابات والمثقفين.
وفي المقابل، فإن مسئولية أعضاء الحزب جميعًا أن يضعوا مصلحة التجمع فوق الحسابات الشخصية، وأن يدركوا أن الموقع التنظيمي ليس غاية في حد ذاته، فنحن لا نحتاج إلى تغيير أسماء فقط، وإنما إلى إعادة بناء شاملة. وهذا هو أفضل ما نقدمه وفاءً للمؤسسين بالحفاظ على القيم التي آمنوا بها، وتطوير أدوات الحزب بما يجعله قادرًا على التعامل مع تحديات الحاضر والمستقبل.
الانطلاق نحو المستقبل
تعالوا نتفق على أن يدخل الجميع إلى المؤتمر بالسؤال الصحيح: ماذا سنفعل بعد أن ينتهي المؤتمر؟.. فالتصفيق ينتهي، والانتخابات تنتهي، والمناقشات تنتهي، وتبدأ المسئولية.. وعندها سيكون الاختبار الحقيقي للقيادة الجديدة: هل تستطيع أن تحول المؤتمر من محطة انتخابية إلى قطار ينطلق مع بداية مرحلة جديدة؟.
لقد أنشأ المؤسسون الأوائل للتجمع حزبًا كان له مكانه في الحياة السياسية المصرية. وعلينا ألا نترك هذا التاريخ يتحول إلى مجرد صفحات في كتاب.. تعالوا نجعل حزبنا العظيم ينتصر على أزماته.. وهذا، في رأيي، هو المعنى الحقيقي للمؤتمر العام التاسع.. وهذا هو الوفاء الحقيقي للزعيم خالد محيي الدين ورفاقه المؤسسين: أن نحافظ على قيمة العمل السياسى والعمل التنظيمى والجماهيرى وقيمة الحوار أيضًا، وأن نبني على ما تركوه، وأن يستعيد التجمع روحه، ويجدد مؤسساته، ويصالح أجياله، ويستعيد علاقته بالناس، ويضع لنفسه طريقًا واضحًا نحو مستقبل نبنيه معًا ونصونه معًا ونفخر به جميعًا.

التعليقات متوقفه