محمود الحضري يكتب :رواية محمد غزلان “صورة على جدار قديم”.. عشق عبر الحدود وإشارات سياسية

بقلم: محمود الحضري

“صورة على جدار قديم” رواية سطرها الروائي والكاتب الكبير والصديق محمد غزلان، معتمدًا فيها على قصة واقعية، وبحث طويل خلال سفره الذي امتد لسنوات للعمل في الجزائر مراسلًا صحفيًّا، وظل يبحث طويلًا عن تفاصيل أدق في العلاقات المصرية – الجزائرية، خاصة في ستينيات القرن الماضي، وما بعدها، ليتأكد من كل معلومة وقصة وحكاية على صفحات الراوية.

وعند قراءة فصول الرواية، ينتاب القارئ شعورًا بمعايشة أحداثها، ويتلمس الحياة تجري بين الكلمات مجرى الدم، ويسيطر على القارئ إحساس قوي تفاصيل حية لعاشق وزوج ومحب، لزوجته التي ضاعت من بين القلب والدم، ومعها ابنته “مليكة”، بين الجزائر (مقر أحداث الرواية)، وباريس (مقر الاختفاء، أو قل الهروب من الحب).

“صورة على جدار قديم” ليس مجرد رواية، بل هي حكايات عن قصة حب، وتاريخ نضال شعب الجزائر وتناقضات المجتمع الجزائري، وحكايات عن جوانب من تراث وتاريخ بلد “المليون شهيد”، وتروي أيضًا صورًا عن مواقف السياسة، وأهداف الجماعات والتكتلات والقوى السياسية، بين اليسار بفصائله، وجماعات الإسلام السياسي، وإشارات لدور المرأة النضالي في الجزائر، والتذكير بالمناضلة “جمليه بوحريد”، والتي أخذت الأضواء، ولكن كان بجانبها أخريات، مثل “زهرة طريف”، و”جميلة بوعزة” وغيرهما.

وتبقى أحداث القصة لتروي حالة خاصة من العشق والوفاء بين جمال شعراوي المدرس المصري المبتعث من بين 70 ألف مدرس مصري، تم ابتعاثهم إلى الجزائر في “معركة التعريب” في محاولات لإزالة تراكمات 130 عامًا من الاحتلال الفرنسي للجزائر، والطرف الثاني من القصة هي المدرسة الجزائرية “فاهيمة رابح” والتي جمعها العمل مع شعراوي في مدرسة بأحد أحياء الجزائر العاصمة، عقب تسكينه في تلك المدرسة بعد مساعدة من يوسف الجزائري “الأزهري” صديق والد جمال شعراوي، الشيخ عثمان شعراوي خلال الدراسة بالأزهر.

تبدأ رحلة الحب بين الحبيبين من مدرسة عبد القادر لوكال المشتركة في حي “باب الواد” بالجزائر العاصمة، التي التحق فيها شعراوي للعمل بها مبتعثًا من مصر، والتي كانت تعمل فيها “فاهيمة” بالكتابة العربية الجزائرية، و(فهيمة) بالكتابة العربية المصرية، بتبادل النظرات الخفية عن الجميع، ومن كليهما للآخر، لتتحول إلى حالة من العشق.

ويكشف لنا الراوي وهو “الابن” في الرواية، أن العاشق “شعراوي” تزوج مرتين من أمه سمية المصرية، ابنة حيه “قلعة الكبش بالسيدة زينب”، وهي الزوجة الثانية، والتي أنجب منها ولد هو “رابح”، وبنت هي “فاهيمة”، أما الزوجة الأولى فهي الحب الأول لشعراوي، وهي “فاهيمة رابح” الجزائرية، والتي أنجبت ابنتها الوحيدة “مليكة”.

الصدفة وحدها كشفت الحقائق والأسرار، عندما قام الابن باستخراج قيد عائلي من السجل المدني، ليقف على حقيقة زواج أبيه مرتين، وأن أمه ليست الزوجة الأولى والوحيدة، ولكن المؤكد أن الحقيقة يعرفها الجد الشيخ “عثمان شعراوي”، والزوجة الثانية “الأم المصرية، لولديه “ولد وبنت”، وظل السر في بير، حتى اكتشفها الراوي “الابن”.

يدخل بنا محمد غزلان في روايته، إلى مرحلة حالة الشغف لمعرفة التفاصيل لقصة حب “مصرية جزائرية”، عبر البحث من جانب الابن رابح، والذي لجأ إلى جده، والذي أحاله بدوره إلى الأب “جمال شعراوي”، لتبدأ مراحل اكتشاف مهمة في حياة العاشق.

رغم الحكايات السياسية في ثنايا فصول الرواية، ظلت قصة الحب هي العمود الرئيسي للرواية، ليتبين مدى الحب، والذي تجسد في تسمية جمال شعراوي، لابنته مشتقا من الاسم الأول والثاني للحبيبة، ليطلق على الولد اسم الأب (رابح)، واسم الحبيبة “فاهيمة” على البنت، ليظل يتردد طول العمر في بيت الزوجية “الزوجة الثانية”، دون أن يكشف لنا الراوي عن حقيقة معرفة “سميحة” بحقيقة اسمي ولديها، ولكن تبقى سميحة في الحياة والمودة مع زوجها العاشق لزوجته الأولى، وفي نفس الوقت يحرص الزوج على شعور زوجته، رغم الكثير من علامات العشق في غرفته، وبين تفاصيل حياته.

اتخذ الروائي، (محمد غزلان) عنوان الرواية (صورة على جدار قديم)، تعبيرًا من تلك الصورة للحبيبة “الهاربة” وابنته منها (فاهيمة – مليكة)، لتظل طيلة أحداث الرواية، الملاذ للعاشق، ليحكي لها في صمت حجم المعاناة من الفراق.

معادلة صعبة يستشفها القارئ، من هذا التوازن لبطل الرواية، في العيش في أحلامه، لرحلة حب قديمة، ونتائجها طفلة لا يعرف عنها شيئا، وبين زوجة صابرة على عاشق لسيدة أخرى، أنجبت له طبيبًا ومُدرسة، وتلك قدرة مهمة لا يستطع عليها أي شخص.

تأخذنا فصول الرواية لمراحل مختلفة، بين الجزائر ومصر، وفرنسا، في سرد تاريخي، وحالة من الطرب، التي تعكس حالة الحب بين “شعراوي وفاهيمة” وخيارات أغاني أم كلثوم، ومحمد عبد المطلب، والمطرب الجزائري الأشهر، “شارل أزنافور”، ومطربين فرنسيين.

وفي الطريق يتعرض الروائي، لتاريخ مصر والجزائر وفرنسا، نظرا للارتباط التاريخي بين “فرنسا والجزائر” وسنوات الاحتلال، ودور التيار اليساري في حرب التحرير وسنوات النضال، والمناطق السياحية في البلدان الثلاثة، وتشابه في بعض التفاصيل، وتناغم “شعراوي وفاهيمة” في الاختيارات، وحالة الحب بينهما.

ونكتشف جانبا مهما في شخصية البطل (جمال شعراوي)، واكتساب حالة من التوزان، في بناء صداقة، مع “سامي أحدادن” اليساري الشيوعي، والشيخ يوسف الجزائري “الأزهري”، ذو التوجه الإسلامي السياسي، و”هيري أدراج” المدرسة الفرنسية والمُنفتحة بتحرر مدروس، والتي اختارت العيش في الجزائر بعد سنوات التحرير.

استطاع شعراوي بطل راوية “صورة على جدار قديم” للروائي محمد غزلان، أن يحافظ على صداقته الثلاثية، رغم الاختلافات الشديدة بينهم، إلا أن بنى علاقة قوية، بينهم، ودون أن يخسر أي منهم، أو ينحاز لطرف دون، وكانوا جميعًا الملاذ له للخروج من حالة العزلة التي عاشها في أيامه الأولى في الجزائر، وعدم قدرته على الاندماج مع زملائه من المدرسين المصريين، والعرب، وفي نفس الوقت لم ينحز أو يندمج، أو ينتمي لأي تيار سياسي، لأي من توجهات صديقيه، وظل الحب هو انتماءه الأول.

ونجح صديقا شعراوي “أحدادن” و “أدراج” في أن يدبرا لقاءات بين الحبيبين، لتصل العلاقة إلى مرحلة الزواج، بعد استشارة عائلتي الحبيبين في مصر والجزائر، لتتم مراسم الزواج، وفق التقاليد الجزائرية، والتي تتشابه في بعضها مع التقاليد المصرية.

وينتقل بنا الراوي في أحداث الرواية بسلاسة بين مصر والجزائر، حيث يحكي موافقة الابن الطبيب على عدم تكرار تجربة السفر للعمل بالخارج، وتحقيق رغبة الجد والأب في افتتاح عيادة طبية ناجحة في قلعة الكبش “موطن العائلة الرئيسي”، لتخدم أهل المنطقة الفقراء، وبأسعار رمزية، لتصبح العيادة عنوانًا لجبر خاطر فقراء منطقته ومن يجاروها، وأبناء أحياء يعيشون حياة العدم.

وتتحول العيادة إلى ما يشبه المركز الطبي، لعمل أطباء في تخصصات مختلفة، خصوصًا الباطنة والعظام، والرمد، وغيرها، وتكون بابًا لزواج شقيقته، وابنة البطل “فاهيمة” من طبيب صديق أخيها وزميلة في العيادة، وسط تفاصيل مصرية عريقة في الزواج وتسهيلات من الأب والجد في زواج الابنة والحفيدة، في بيت بطل الرواية في منطقة الهرم، لتنجب “أدراج” الجديدة في تسميته تعكس وفاء البطل لصديقته الفرنسية، والتي اختار الاسم لأول حفيد “سامي أو أدراج”.

وقصة البيت تأخذ جانبا من الرواية، والذي تم بناؤه على قطعة أرض اشتراها شعراوي من مدخراته من العمل في الجزائر، ولا تمر هذه الحكاية، مرور الكرام، وتدخل فيها الحبيبة، حيث اختارت تصاميم البيت، وأشجاره المثمرة في حديقته، وهو البيت الذي استقبل الحبيبة الأولى وحبيبها، في الزيارة الثانية والأخيرة لها إلى مصر، بينما كانت إقامة الزيارة الأولى في قلعة الكبش.

وقبل ذلك انتقل بنا الراوي لتفاصيل الزواج، ورحلة شهر العسل إلى فرنسا، بصحبة صديقة العائلة “هيري أدراج”، واكتشاف مارسليا وباريس، والتوقف عند عقدة الجيل الفرنسي القديم من العرب، ومواقف هذا الجيل المستمر من كل ما هو عربي، وذلك خلال أول لقاء مع والد أدراج في مارسليا، الذي أبدة امتعاضه من استضافة مصري وجزائرية، ليقررا اختيار مقر إقامة مستقل، فيما قضيا أياما مع شقيق “فاهيمة” في شقته بباريس.

ويدخل التاريخ مرة أخرى، خلال زيارة فرنسا، ويروى البطل للبطلة، قصص المصريين الذين ابتعثهم محمد على باشا في رحلات تعليمية إلى فرنسا، أمثال “رفاعة الطهطاوي، والشيخ محمد عبده، وغيرهما، وكيف رأوا فرنسا وباريس، وانطباعاتهم عن الناس والمجتمع الفرنسي، ومعنى العبارة الشهيرة للشيح محمد عبده عن الفرنسيين “رأيت إسلاما بل مسلمين في فرنسا، ومسلمين بلا إسلام في الدول العربية”.

وفي السياسة تتعرض الراوية عند الحديث عن الخلاف بين الصديق اليساري “سامي أحدادن، والإسلامي “يوسف الجزائري”، حيث يتحدث الراوي عن طبيعة الخلاف بين الإسلاميين السياسيين، واليساريين، فهدف منتسبي الإسلام السياسي، القفز على السلطة عند أول فرصة، بعكس اليسار وهو الدفاع عن الوطن أولا وأخيرًا، وهذا هو نفس المفهوم في رغبات التيار الإسلامي السياسي، في مصر وكل الدول العربية.

وتأتي نكسة 1967، لتكشف هذا الوجه، في شماتة الشيخ يوسف الجزائري، ومعه “الجزائريون الفرانكفيون”، وبعض الأعراب، ليدخل البطل جمال شعراوي في حالة من الاكتئاب، ولكن هنا تأتي الصداقة، التي استطاعت ومن خلال سامي أحدادن وأدراج، والحبيبة فاهيمة، في إخراجه من تلك الحالة، وسط مواقف الشارع الجزائري مع مصر، وموقف الرئيس “هواري بومدين” تجاه مصر العروبة.

وتأتي لحظة الفراق، وفي مفاجأة لم يجد القارئ لها مبررات، يفاجئنا الراوي والروائي، برفض البطلة السفر إلى مصر بصحبة الحبيب العاشق، رغم الاتفاق على ذلك والموافقة عليه، وفشلت كل محاولات أسرة “فاهيمة” والأصدقاء، في اقناعها بالسفر، في نهاية رحلة الابتعاث لمدة سنوات، والزواج لمدة أربع سنوات أو خمس، وإنجاب “مليكة” بعد طول انتظار، ليقرر شعراوي العودة إلى مصر تاركًا حبه، على أمل اللقاء مرة أخرى.

وتستمر الاتصالات وخطابات الغرام، ولكن تتوقف فجأة، ويبدأ العاشق في رحلة بحث عن الزوجة “الحبيبة” والابنة، في رحلة سفر صعبة ومعقدة من مصر إلى الجزائر ثم فرنسا، ولكن دون جدوى، ليعود إلى مصر خالي الوفاض، ليدخل في حالة اكتئاب لسنوات، حتى يقنعه أبوية بالزواج، ليبدأ حياة روتينية، مع الزوجة الجديدة “سميحة” لتنجب رابح وفاهيمة، ويظل في عشقه، حتى يخرجه الابن من تلك الحالة بفتح صندوق أسرار ظل حبيس النفوس لسنوات طوال، كان خلاله “الحزن عنوان كبير” ليبدأ حياة جديدة مع الحفيدة “أدراج” وعالم السوشيال والفيسبوك الذي تعلمه على كبر.

ويتركنا الكاتب في حالة تخمينات، عندما يفاجئ القراء برسالة وصلت الابن الطبيب رابح من عدة جمل قصيرة تقول:

* دكتور شعراوي.. هل أنت من مصر.

*هل أنت من القاهرة من السيدة زينب. – من منطقة قلعة الكبش.

*هل اسم والدك جمال عثمان شعراوي.

*أرسل لي عنوانك بالتفصيل وكيفية الوصول إليك.

*سأنزل إلى القاهرة قريبًا.

*أختك. دكتورة مليكة شعراوي.

ويبقى .. هل ستعود العاشق

ة؟؟؟ الإجابة … في الخيال الدرامي.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy