ضد التيار أمينة النقاش تكتب :عود على بدء
هذا موضوع خطير لا ينبغى أن يمر دون توقف، ودون بحث جاد عن حلول عاجلة له، لأنه يتعلق بصحة المواطنين وحياتهم ومستقبل أبنائهم، ومستقبل مهنة باتت فى مهب ريح عاتية. وأظن أن من المفيد والضرورى أن تتاح له الفرصة لكى يدرج على طاولة مناقشات منتدى مصر 2026، الذى دعا إليه الرئيس السيىسى، للحوار حول مستقبل البلاد وقضاياها. والموضوع أعاد طرحه مجددًا، بمناسبة انتهاء امتحانات الثانوية العامة ومرحلة القبول بالجامعات، نقيب الأطباء الدكتور “أسامة عبد الحى “فى حواره على فضائية “بى بى سى. عربى” قبل أيام، حول نسب القبول بكليات الطب الحكومية والخاصة. ما قاله النقيب يوجع القلب، ليس لأنه يكشف عن جديد فحسب، بل لأنه يكرر ما سبق أن حذرت نقابة الأطباء تحت رئاسته من خطورته، مع ذلك لا يزال مستمرًا.
فى دور الانعقاد الأول للفصل التشريعى الثانى، ناقش مجلس الشيوخ قبل نحو ثلاثة أشهر، تعديلات على القانون رقم 19 لسنة 2018، بدعوى ما سمى تنظيم العمل فى المستشفيات الجامعية، وهو عنوان لم يكن له علاقة بهدف التعديلات التى تقدمت بها الحكومة، لأنها ساقت مبررات للتعديل تتحدث عن تعزيز كفاءة النظام الصحى والتعليم العالى، وهو مبرر لا يمكن الاعتراض عليه. أما الذى كان ولا يزل محلا للاعتراض، فهو إدراج الجامعات الخاصة والأهلية والمراكز البحثية وأفرع الجامعات الأجنبية ضمن برامج الرعاية الحكومية الراهنة، التى ينطوى عليها هذا القانون، ويقدم بموجبها الرعاية العلاجية لنحو 70% من المرضى على مستوى محافظات الجمهورية.
كانت نقابة الأطباء قد اعترضت على هذا التعديل فى حينه، ليس هذا فحسب، بل قامت قبل ثلاثين عامًا، برفع دعوى قضائية ضد قرار السماح بالتعليم الطبى والصيدلى فى الجامعات الخاصة والاستثمارية وكسبتها، استنادًا إلى ما أثبتته من افتقاد تلك الجامعات للبنية التحتية اللازمة والعناصر الأكاديمية المؤهلة لتعليم كل التخصصات الطبية. فضلًا عن أن طلابها يلتحقون بها بمجاميع ضعيفة لا تؤهل للالتحاق بمثلها فى الجامعات الحكومية فى القاهرة وعين شمس والإسكندرية، بما ينتهى بتخريج أطباء غير مؤهلين لممارسة المهنة، ويهددون سلامة صحة المرضى، ويسيئون للمكانة العالية التى تحظى بها كليات الطب الحكومية. بالإضافة إلى أن تلك الكليات الخاصة، باتت تستنزف الكوادر الأكاديمية فى الكليات الحكومية، بسبب ما تعانيه تلك الكوادر من ضعف الأجور.
تم تجاهل الحكم الذى نجحت النقابة فى الحصول عليه، وواصلت الجامعات الخاصة إنشاء كليات للطب ليصل عددها لنحو 12 كلية استنادًا إلى فهم قاصر يعتبر أن الطب سلعة، يجرى المتاجرة بها كأى سلعة أخرى، وهو ما يضع التعيلم الطبى موضع المساءلة والتقييم السلبى!.
وضع القانون 19 لسنة 2018 لإنشاء كليات طب خاصة شروطا لتأسيسها، لكنها لم تنفذ، وتجاهلت التعديلات الى أدخلت مؤخرًا على القانون تلك المخالفات، فزاد الأمر تعقيدًا والطين بلة.
فى حواره مع “بى بى سى”، أكد نقيب الأطباء أن الجامعات الخاصة تقبل دارسى الطب بمجاميع منخفضة تصل إلى 50% بما يعنى افتقادهم للمستوى العلمى اللائق والمرتفع، ويفقد الثقة فى امتلاكهم القدرة على استمرار التعلم، بالقدر الذى تحتاجه دراسة صعبة مثل الطب. وأوضح دكتور عبد الحى أن الشرط الذى ألزم الجامعات الخاصة بإنشاء مستشفيات خلال ثلاث سنوات من الإنشاء، قادرة على التعليم والتدريب والتأهيل، لم يوضع موضع التنفيذ. ومعنى كلام النقيب أن التعديلات التى أدخلت على القانون أخيرًا، سوف تسمح لطلاب كليات الطب الخاصة بالقفز على تلك الشروط، حينما يصبح من حق طلابها الذين لم يستوفوا أصلًا شروط القبول، بإجراء البحث والتدريب والتعلم فى المستشفيات الجامعية الحكومية المتخمة أصلًا بالاكتظاظ، وقوائم انتظار للمرضى والأطباء المتدربين، والمرهقة من نقص الأجهزة العلاجية والأبنية اللائقة والموارد اللازمة للتطوير!.
أما أخطر ما كشف عنه نقيب الأطباء، فهو ارتفاع نسب قبول الطلاب العرب الوافدين فى كليات الطب الحكومية، بنسب تتجاوز 60% بعدما كانت قبل عقود سابقة لا تتجاوز 16% فقط، والسبب قدرة هؤلاء على دفع مصاريف باهظة، لا يملكها نظراؤهم من الطلاب المصريين، الذين ينتمى معظمهم إلى أسر تعانى غالبيتها من انخفاض حاد فى مستوى المعيشة، فضلًا عن إخلال ذلك بمبدأ تكافؤ الفرص، وتصاعد التداعيات التى باتت سائدة، وتبث مشاعر سلبية غاضبة بين المصريين وأشقائهم العرب المغتربين.
دراسة الطب ليست سلعة، والأزمة المشار إليها هنا ليست فقط فى السياسات التعليمية السائدة، بل هى أزمة فى السياسات العامة، التى باتت تنظر للتعليم وغيره من الحقوق الاجتماعية كالسكن والصحة والعلاج، على أنها أزمة مالية فقط، وهنا يدق نقيب الأطباء ناقوس الخطر، فانصتوا إليه جيدًا، قبل أن تتع
اظم الكارثة.

التعليقات متوقفه