#هاشتاج: ضبط النفس المجتمعى

من سنن الله فى الكون اختلاف الألوان والألسنة، والآراء، فلم نشهد على مر التاريخ إجماعا على شخص مهما بلغت درجة زعامته أو شعبيته، أو على مشروع مهما بلغت ضخامته، دائما تجد المعارضين، والمشككين، والمشاكسين، وستجد الرافضين، والمتربصين، والطامعين، وغيرهم. الجميع منذ خلق آدم حتى يومنا هذا فى سيرة واحدة، ولم يستجد من محدثات الأمور ما يدفعنا لنفى هذه القاعدة أو تنحيتها من الذاكرة.
لذا، لا ينبغى لكائن من كان أن يعتقد أن بإمكانه تحطيم هذه القاعدة، والحصول على إجماع وموافقة، أو تأييد الجميع. لا أحد فعلها، ولا أحد يمكنه ذلك. هذه طبيعة بشرية، وسنة وجودية.
دائما ستظهر آراء، وأفكار مغايرة، أفكار للهدم، وأفكار للبناء. أفكار صادقة وأفكار ماكرة. ولا سبيل أمام العاقل إلا مقابلة تلك الآراء بالحوار والتفاعل معها، والاستفادة من الجوانب الإيجابية فيها، وهو ما لا يتحقق إلا من خلال «قبول الآخر»، والاعتراف بحقه فى التعبير عن رأيه.
ولا مجال – فى مثل هذه الأحوال – لتسفيه وتخوين الآخر. فهناك دائما أكثر من طريقة فى التفكير، وعلينا قبول هذا التنوع فى الأفكار حتى نتمكن من الوصول لصيغة مناسبة للتعايش. فربما كان رأى معارض واحد أنفع من عشرات الآراء المؤيدة، وربما كانت الاستفادة من تنوعات الرأى داعما قويا للنجاح. والمنافسة دافعا للتفوق والريادة.
طبعا ما سبق لا ينفى أنه على مر التاريخ، دائما، وأبدا كانت هناك عصبة ممن يسمون: «أعداء النجاح» وهؤلاء يلعبون أدوارا معروفة ومحددة سلفا للتشكيك فى كل مشروع، وتقزيم أى إنجاز، وتفسير أى تقدم على أنه الوصول لحافة الهاوية.
لذا، أشعر باستياء بالغ عندما أراقب وسائل التواصل الاجتماعى، فأجد أن مفهوم «أدبيات الحوار» قد سقط تماما من اعتبارات الكثيرين. وأصبح كل واحد متعصبا لرأيه، وليس لديه أى استعداد لتقبل وجود أفكار مختلفة عن فكرته، وبالتالى، تتكون لديه صورة عدائية تجاه الآخر، الأمر الذى أدى إلى سيادة وطغيان لغة سوقية، وانتشرت الاتهامات بالعمالة والخيانة، وأصبح أى حوار لا يخلو من هذه الاتهامات أو مثيلاتها.
وصرنا نرى أفظع ممارسات وأساليب «قمع الآخر». كل من يختلف معنا فى الرأى محكوم عليه ومدان مسبقا، ومن لا يعجبه فهناك «البلوك الشهير» (ما يشبه الحكم بالقطيعة) أو (الإعدام الشخصى الإلكترونى).
وأعتقد أن كل واحد من قراء هذه السطور قد عانى بشكل أو بآخر من مثل تلك الممارسات سواء فى الحياة الواقعية، أو الحياة الإلكترونية، سواء بشكل مباشر، أو غير مباشر، ويتمنى أن تنتهى هذه الموجات من التخوين والعمالة، والإعدام السياسى والفكرى، وأن يحل محلها حوار هادىء عاقل رشيد، لا ينتهى بمشاجرة، أو «بلوك» أو حتى بقطيعة شخصية بين أفراد العائلة الواحدة.
قاعدة الاختلاف فى الرأى، وقبول التنوع تنطبق على الجميع، والجميع معرض لها، الأفراد العاديون، والمسئولون على رؤوس المؤسسات، والهيئات، والوزارات. وهؤلاء بحكم مواقعهم مسئولون عن توجيه المجتمع، وقيادته، وبالتالى فهم الأكثر انفتاحا على الآخر، وتفاعلا معه، ومن واجبهم أن يقدموا القدوة، وأن يظهروا الإلتزام الواجب نحو نفسهم، ونحو المجتمع. وريادة المجتمع نحو صياغة قواعد جديدة للحوار مع الآخر. هذه مسئوليتهم، وهذا واجبهم إذا كنا نريد السير فى طريق الدولة المدنية الحديثة.
لذا فأنا، وأنت، والمجتمع المصرى بأكمله أفرادا ومؤسسات مدعو لضبط النفس، وضبط لغة الحوار. لا يهمنى أن تختلف عنى فى الرأى، وسأدافع عن حقك فى التعبير عن رأيك بشرط أن نتناقش بود واحترام، وبدون سب أو إهانة. من حقلك أن تختلف عنى، وأن ترى الدنيا من منظور مختلف، ولكن ليس من حقك ممارسة أساليب الإهانة والتسفيه، والتحقير، والسخرية، والسب بتنويعاته، والصراخ والصوت العالى. من حقك أن ترفض فكرتى، ولكن ليس من حقك أن ترفض وجودى. من حقك أن تختلف معى حول أى مشروع، ولكن ليس من حقك أن تتهمنى بالخيانة والعمالة، أو أن تتهمنى بالفشل.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy