#هاتشاج: “مصر والثورة الصناعية الرابعة”
استغرقت البشرية مراحل زمنية طويلة فى رحلتها نحو التطور، وأول ما نعرفه من مظاهر الحضارة كان قبل 2.6 مليون سنة، حينما بدأ الإنسان فى استخدام الأدوات الحجرية البدائية، واستغرق الأمر نحو 300 ألف سنة من التطور (2.3 مليون سنة) حتى بدأ اكتشاف كيفية إشعال النار لاستخدامها فى الطهى. وعلى نفس المنوال كانت تمر آلاف السنين قبل أن يتم اكتشاف شىء جديد يضيفه الإنسان لمنجزاته الحضارية.
ولم تظهر الثورة الأولى فى التاريخ البشرى إلا قبل 200 سنة فقط، حينما بدأت الثورة الصناعية فى نهايات القرن 18 عندما بدأ الإنسان فى عمليات التصنيع الميكانيكى باستخدام المياه والبخار. ومنذ ذلك الوقت بدأت عمليات التحولات الرهيبة، والمتسارعة. فقبل مرور 100 عام على الثورة الأولى، ظهرت الثورة الصناعية الثانية إلى حيز الوجود فى نهايات القرن 19 حيث بدأت عمليات التصنيع الشامل باستخدام الكهرباء، ومحركات التصنيع باستخدام الكهرباء، ومحركات الاحتراق لتزويد الآلات بالطاقة. وبعد مرور نحو 70 عاما فقط، انطلقت الصورة الصناعية الثالثة أى فى حدود 1970 تقريبا، والتى كان عمادها تصنيع الإلكترونيات، وتكنولوجيا المعلومات والكومبيوترات، والروبوتات.
ومع انطلاق عصر الإنترنت، والمعلومات، دخل العالم فى مرحلة تحول جديدة كليا، بالانتقال من الاعتماد على الثروات المادية إلى الثروات المعرفية، الأمر الذى دعا البعض لأن يصفها بأنها ثورة جديدة (ثورة الإنترنت، أو ثورة المعلومات، وغيرها من المسميات).
ومع تزايد معدلات تسارع الثورات، ها نحن نقف على أعتاب ثورة جديدة، يصفها البعض بأنها الثورة الصناعية الرابعة، والتى يمكن القول أن ملامحها بدأت فى التشكل قبل أقل من عامين (بداية من 2014)، وهى ثورة تستهدف ربط عالم الإنتاج المادى بعالم الإنتاج الافتراضى، فهى ثورة تجمع بين عمليات التحول الرقمى، وتكامل سلاسل القيمة المضافة من الخدمات والمنتجات. كما أنها تعتمد على فكرة ترابط الإنسان والآلة، وتكاملهما، وتفاعلهما سويا فى الوقت الحقيقى، مما يؤدى إلى خلق طرق جديدة للتصنيع مختلفة جذريا عما نشهده حاليا، لأنها تستهدف ابتكار طرق تصنيع مرنة، لتحقيق أقصى استفادة ممكنة من الموارد المحدودة المتاحة (مثلا المصنع الذكى الذى يستعين فى عمله بإنترنت الأشياء). وبناء عليه، فإن تحليل البيانات، وتكاملها، والإنتاج المعرفى سيشكلان أهم معالم الثورة التى نقف على أعتابها.
هذه الثورة، احتلت حيزا كبيرا ضمن النقاشات الأساسية التى شهدتها “قمة المنتدى الاقتصادى العالمى عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، التى انعقدت قبل أيام قليلة فى الأردن 19 إلى 21 مايو الحالى، تحت عنوان: “التحول وتمكين الأجيال نحو المستقبل”.
وإذا فكرنا سنجد أن التقنية، والذكاء الاصطناعى، والإبداع والابتكار، ومعالجة وتحليل البيانات، وقواعد البيانات، وريادة الشباب كلها مفردات تحتل مكانة أساسية فى تشكيل ملامح هذه الثورة التى نتحدث عنها، الأمر الذى يتوافق مع العديد من ملامح الاستراتيجية المصرية التى يدعمها الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتى تتولى وزارة الاتصالات بقيادة الوزير ياسر القاضى، تنفيذ الجزء الرئيسى فيها، مما يدفعنا إلى المطالبة بتقديم كافة أوجه الدعم لخطط الدولة للتحول الرقمى، لوضع مصر على الطريق الصحيح، وإتخاذ الأسباب الكفيلة بأن نضع توجهات واضحة تتناسب مع قدراتنا، وتتوافق مع التوجهات العالمية. ولا شك أن أمام مصر، وعليها إنجاز الكثير من المراحل حتى تكون على تكون مستهدة ومؤهلة للمشاركة فى صياغة، وصناعة المستقبل.
هذه المهام الجسيمة هى مسئولية مشتركة، ولا تتعلق بوزارة الاتصالات بمفردها، بل تتطلب تعاونا وتتفاعلا حقيقيا، وصادقا من جميع الوزارات والهيئات، والأجهزة المسئولة فى الدولة.
لا مجال للتأخير، ولا لإضاعة المزيد من الفرص. وعلينا استغلال الفرص المتاحة حتى نستطيع أن ندرك ما فاتنا، لكى تستطيع مصر أن تقدم النموذج، والقدوة، وتستعيد ريادتها للعالم العربى، والأفريقى، بل، والعالم أجمع.

التعليقات متوقفه