مرفت رجب تكتب:العوج

 

العوج

مرفت رجب

عوجت المذيعة رأسها .. لا أقول أمالتها فقد جاءت العوجة مصحوبة بكلام أعوج مستفز وعلى مدى حوالي ثلاث دقائق واصلت مط الكلام وتقطيعه في تنويعات تشي بالاستهزاء الجارح .. ذلك أنها بدأت بالاستفهام الاستنكاري من غياب موقف عربي موحد .. وأتبعت ذلك بتصور ابتكرته حضرتها وقد قذفت به في وجهنا متسائلة .. هل يمكن أن يكون الحل أن تختص بعض الدول العربية ذات الشأن بالانفراد بإتخاذ قرارات فيما بينها عوضاً عن فشل مجموع الدول العربية في تحقيق ذلك ؟!

أما ما تلا ذلك ، فهو أن مذيعة البرنامج الناطق باللغة الإنجليزية لأنه يقدم على قناة النيل الدولية ـ قامت باستضافة اثنين أحدهما سفير سابق والآخر مسئول كبير سابق في أحد أجهزة الدولة العليا ، المهم أن السؤال الذي طرحته حضرتها كان .. ما الذي يجعل اسرائيل تتمادى في البطش والفتك بالفلطسينيين بلا رادع ؟!

ولقد مضى الضيفان في الإجابة على السؤال والمهم أن الكلام تطرق إلى أمور شتى أرى أن أهم ما جاء فيه هو حديث المسئول الكبير عن أساليب الردع ـ غير النووي ـ تلك التي شرحها بأنها القدرة الإنتاجية للمجتمع بما يمكنه من إيجاد مكان للسلع المصرية في الأسواق الأجنبية ، فلقد دلل المتحدث على كلامه بأن مصر جاء عليها حين من الدهر ـ في الستينيات ـ بلغت صادراتها ما يزيد على ما تصدره كوريا الجنوبية حاليا .. وتوقعت أن تقوم الست المذيعة ببلورة أهم ما جاء على لسان ضيفيها من كلام ، لإيجاد صلة ما أي صلة بما قدمت به للموضوع ، لكنها خيبت ظني ، والأرجح أنها تاهت ودليلي على ذلك أنها بعد المقدمة الطويلة للبرنامج والسؤال الذي طرحته على الضيفين ، كانت تنتهز كل فرصة ممكنة للمقاطعة ، وهي حين تقاطع لا تنطق بأي كلام مفيد ، وأنما تبتلينا بواحد من تعليقاتها الساخرة المستهزئة .. وهي أثناء ذلك وعلى طول البرنامج ، تأتي بحركات لا علاقة لها من قريب أو بعيد بموضوع الكلام ، فهي تارة تسوي شعرها المنسدل بيد وتارة أخرى تمر بكفها على الذراع العارية كأنها تمسح عنها شيئا قد علق .

ماهذا بالضبط ؟! أي عبث هذا الذي رأيت ؟ وأين أجهزة المتابعة والرقابة سواء على مستوى قناة النيل الدولية أو على مستوى القنوات كافة ؟ ولماذا تختار ” المتفرجة” أن يكون هذا الموضوع هو محور الكلام .

الإصلاح

لا أخفى على القارئ الكريم أن أول ما تبادر إلى ذهنى بعد انتهاء البرنامج المشار إليه هو أن الواجب يفرض على أن أقول لتلك المذيعة أنها وأمثالها سبب مباشر في الحال الذي تناولته حضرتها بمنتهى التهكم والاستهزاء .. قد تبدو العلاقة بعيدة ولكنها عندي وعند غيري من الغالبية العظمى الصامتة ، هي علاقة جد وثيقة فالزمن الذي أشار إليه الضيف الكريم ، والذي كانت تحقق فيه مصر اكتفاء ذاتيا من السلع ـ خاصة السلع الاستراتيجية ـ لم يكن يسمح لنوعية تلك المذيعة أن تظهر على المشاهدين بهذا القدر من التبجح والاستهزاء .. في ذلك الزمن كانت اشتهرت لمصر فيه سلع تتلقفها الأسواق الأجنبية لجودتها كان هناك وعي بأهمية الجودة وتطبيق المواصفات .. وكان ذلك يسري على المذيعات كما كان يسري على قائمة طويلة من السلع المتميزة .. لم تكن أي سلعة تحظى برواج لأنها من إنتاج أصحاب النفوذ وكذلك لم تكن المذيعات يظهرن على الشاشة بفضل صلات القرابة أو النسب .. لكن المهم هنا وقد وصلت الأمور إلى هذا الحد فعلينا جميعاً أن نسأل أنفسنا .. كيف نجرؤ على الحديث عن الإصلاح وقد تشابكت المصالح والمحسوبيات والإكراميات إلى هذا الحد الذي جعل المعروض على فضائياتنا يأتي في ذيل القائمة في أي استطلاع للرأي يجري داخل البلاد أو خارجها .

هل هذا هو الوقت ؟!

نعم هذا هو الوقت الأنسب لتسمية الأشياء بأسمائها وهو الوقت الذي يفرض أن يبدأ كل منا بمحاسبة نفسه قبل أن يعلو له صوت بأي نقد من أي نوع ، أو أدنى مطالبة بأي درجة من درجات الإصلاح .

ونظراً لما يتردد حالياً عن قرب خصخصة الإعلام أو كمرحلة أولى خصخصة بعض القنوات الإذاعية والتليفزيونية فلا شك أن الأمر يتطلب تقليص عدد العاملين بتلك القنوات .. وحتى لو كان الهدف ليس الخصخصة وإنما التطوير .. فإن أي محاولة للتطوير لا يمكن أن تتم في ظل هذه الأعداد الهائلة من العاملين .. والعالمون بأبجديات الاقتصاد يعرفون أن كفاءة الإنتاج تقل مع كل زيادة لعدد الأفراد اللازمين للعمل ، أي عمل ، وبصرف النظر عن نوع المنتج .. ولذلك فإن الباحثين الإعلاميين يستطيعون إجراء العديد من الدراسات في كل أنواع الإنتاج الإذاعي والتليفزيوني ، وليتهم ينشرون النتائج التي تٌفصل علاقة مستوى الجودة بعدد العاملين اللازمين لها ، أما عن مستوى هؤلاء العاملين ، فغنى عن القول أن لكل عمل مواصفات ومعايير تتحكم في جودته صعوداً وهبوطاً يرتبط دوماً بدرجة الالتزام بها .

والمقصود باختصار أن الضرورة تلزم بالاستغناء عن العدد الزائد عن الحاجة ، وإذا ظلت الأمور على حالها ، فمعنى ذلك أن معيار الاستغناء سيظل ” شخصيا” والنتيجة المتوقعة ـ لاقدر الله ـ أن تبقى المذيعة موضوع المثال وأمثالها باركين على أنفاسنا على حساب غيرهم ممن قد لا تتوفر لهم نفس الأسانيد ” الشخصية ” .

هل يمكن أن يأتي يوم نجد فيه مؤسسة أو محطة أو قناة إعلامية تقوم بتطبيق القانون ، وتمتنع عن تشغيل أقارب العاملين حتى الدرجة الرابعة ؟

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy