فى عام 1966 كلف ثروت عكاشة احد اهم صناع الثقافة فى مصر “سعد كامل” برئاسة الثقافة الجماهيرية وكان كامل صاحب الفكرة فى إنشاء هذا الكيان قد طالب قبل توليه تلك المسئولية بضرورة تنظيم حفلات لعمال المصانع لدار الاوبرا لمشاهدة فنونها الراقية خاصة فن الباليه حتى يمكن ترقيه ذائقتهم الفنية.
وكانت تجربة قصور الثقافة الجماهيرية عام 1966 على يدى وزير الثقافة ثروت عكاشة والكاتب الصحفى سعد كامل هى المرحلة الثانية فى تاريخ هذا الجهاز.
فقد كان تأسيس قصرى ثقافة الانفوشى وبور سعيد فى عام 1963 فى حين بدات الثقافة الجماهيرية فى النصف الثانى من عام 1966 مع تولى ثروت عكاشة وزارة الثقافة للمرة الثانية واختياره سعد كامل ليكون رئيساً لهذا الجهاز, وتميزت هذه التجربة باعتمادها على مجموعة من الكتاب والفنانين الشبان لقيادة قصور الثقافة بمختلف المحافظاتمن بينهم حسن إمام فى بنها وهانى جابر فى السويس ومحمد غنيم فى دمنهور وعلى أمين ثم محمود دياب فى الإسكندرية ويعقوب الشارونى فى بنى سويف وهبة عنايت فى أسيوط وعلى سالم فى أسوان وعز الدين نجيب فى كفر الشيخ.
وقاد سعد كامل، فريق عمل من الكتاب والفنانين الحقيقين الذى انتشروا فى ربوع مصر وقراها فظهر مسرح الجرن فى القرى وسينما الشارع فى كل المدن والنجوع وتكونت فرق الفنون الشعبية وتحولت هذه المؤسسة الى واحدة من اعظم قلاع المقاومة بالفكر والفن.
وبعد مرور اكثر من نصف القرن على التأسيس وبعد أن تم استبدالها من الثقافة الجماهيرية إلى قصور الثقافة وبعد ان اصبحت القصور تسيطر عليها العمل الروتينى من جهة وغزو الافكار الظلاميه لأحد قلاع التنوير.
ورغم انتشار المواقع الثقافية التى تزيد على 500 موقع فى قرى مصر ومدنها إلا أن أزمة هيئة قصور الثقافة فى مصر صارت صداعا يؤرق كل المهتمين بالثقافة فما بين سوء ادارة من جهة وغياب فعلى لدور تنويرى يقف بقوة فى مواجهة الارهاب سوى بعض الفعاليات الروتينية والشكلية وبعض الاجتهادات الفردية من مثقفين فى مواقع مختلفة.
“الأهالى” اقتربت من المثقفين فى محاولة للوقوف على تشخيص دقيق للأزمة وكيفية الخروج منها فى لحظة تحتشد مصر لمواجهة الإرهاب الذى رزع بذور افكاره فى التربة المصرية.
الشاعر صلاح اللقانى، يقول لا يمكن فحص ملف قصور الثقافة بعيدا عن رؤية وزارة الثقافة للعمل الثقافي ونحن على مشارف العقد الثالث للقرن الحادي والعشرين. لا تتحدد “الحركة” بمقدارها فقط، بل باتجاهها في المقام الأول. بدون تحديد مؤشر البوصلة في اتجاه المستقبل، تضيع الرسالة الثقافية في أسئلة ما قبل العلم، وفي يقينياته.
مؤكدا انه بعد خمسين عاما من تدعيش الوعي المصري بقوة كهنوت وهابي ممول بمليارات البترودولار لا يمكن أن تكون الرسالة الثقافية إلا تقويضًا لهذه الخرائب، وتنوير العقول والقلوب بمعارف الحداثة وآدابها وفنونها. لقد التفتت القوى الظلامية للعمل الثقافي، ودفعت عناصرها المنظمة، والمتعاطفة، للاستيلاء على المشهد، وصبغه بصبغتها، ووضع خاتمها عليه. الحداثة هي الرسالة الثقافية الوحيدة، والمهمة الأساسية التي إن غابت عن الإرادة والعمل انقلبت وزارة الثقافة إلى وزارة الأوقاف.
ويشير الروائى سيد الخميسى، الى ان مشاكل قصور الثقافة هي نفس مشاكل التعليم المصري فلابد من اختيار الموظفين المؤهلين للعمل في الثقافة والمدربين تدريبا جيدا والمؤمنين برسالتهم و طريقة التعيين المصرية المعتادة عن طريق الواسطة جريمة في حق الوطن، مؤكدا ان معظم العاملين في الثقافة هذا الجهاز الخطير في تربية وعي الناس وأذواقهم غير مؤمنين بالدور الثقافي ولا أغالي عندما اقول إن كثيرًا منهم ينتمون لايديولوجية دينية تعادي الفن والمثقفين وتكفرهم.
واشار الخميسى، الى ان الاهتمام بالحجر ولم يهتم بالبشر منهج متبع فى الثقافة وهذه هي المأساة الكبرى .. والحل ان يبدأ من النظر للثقافة بوصفها أمن قومي فهي بأسلوبها الحالي تؤدي عكس المطلوب منها فالثقافة والتعليم أساسا نهضة اي أمة وهذا يحتاج إلى إرادة سياسية اولا تضعهما في اول اولويات اهتمام الدولة.
القاص والروائى سمير المنزلاوى، يضيف أنه يمكن اعتبار هيئة قصور الثقافة فى وضعها الحالى احدى مؤسسات البيروقراطية المصرية التى يبست مفاصلها وصارت شبه عاجزة عن الحركة الحرة.
وتلك الهيئة التى وجدت لنشر الثقافة بين الجماهير فى القرى والنجوع تحولت الى بطريركية نخبوية يتحكم فيها رجال لا يعرف احد لماذا جاءوا ولا كيف؟.
ونتيجة اعتبارها حديقة خلفية لالحاق الاقارب والمحاسيب، تضخمت افقيا لتصير شخصا مغولى الملامح عديم القدرة على الاضافة.
واذا القينا نظرة واحدة على من يقودون المواقع المنبثة فى شرايين الوطن، لندرك حجم الفاجعة، فمعظمهم مع التسامح لايقتنعون بعملهم ولا يدركون معنى مصطلح الثقافة بل بالعكس فهم ينظرون الى الادباء على انهم قوم يعانون صعفا فى قواهم العقلية.
حتى اصدارات الهيئة والملايين التى تنفق عليها، لا جدوى ملموسة من ورا ئها ومعظم السلاسل يسيطر عليها صحفيون اتقاء اقلامهم والسنتهم، ومن ثم تاتى المطبوعات هزيلة ولا تصل حتى لمواقع الثقافة نفسها.
اما النشر الاقليمى ونوادى الادب ومؤتمرات التهريج فكلها كوارث تنخر فى جسد التنوير وتسمح لاتفه العناصر بالقفز فوق كل نشاط.
ويؤكد المنزلاوى، أن الحل يحتاج الى نوايا صادقة ويشكك المنزلاوى فى ذلك لان الهيئة اصبحت على حد قوله مجرد مرحلة للقفز، وكما كان يفعل الوالى التركى الذى يعرف قصر مدته، فيجمع اكبر قدر من الغنائم، فهكذا يفعل قادة ذلك الكيان المريض.
الحل ان يختار القادة بعناية من القمة الى السفح، وان يفصل فى المواقع بين الادارى والاديب، فيكون الادارى للتنفيذ والتنظيم والمرتبات، ويختار اديب او اكثر للاشراف على النشاط الثقافى ولو بالتعاقد، حينئذ يكون العيش فى يد خبازه وتنتهى تلك الاعاجيب التى نراها ونلمسها، مشيرا الى ان الاصدارات توزع من خلال المواقع وتطبع بكميات كافية ويلغى النشر الاقليمى الغث هذه مجرد امنيات لعل بعضها يرى النور.

التعليقات متوقفه