أحمد صبرى أبو الفتوح .. وتاريخ آخر للحزن                                                                

*بقلم سمير الأمير

لكل روايات أحمد صبرى أبو الفتوح مذاق مصرى خالص، فهى تنويعات سردية دالة على تاريخ المصريين بشكل عام، فى روايته ” الملحمية” عن عائلة السراسوة يمكننا الوقوف على محطات لكفاح البرجوازية الريفية المصرية من أجل تأكيد وجودها والدفاع  عن ملامحها، وفى خضم هذا الصراع تجد نفسها موضوعيا مرتبطة بالكفاح العام للشعب المصرى وهو ما فعله “أبو الفتوح” ببراعة شديدة إذ لا يمكن إنكار دور البرجوازية المصرية فى تشكيل الوعى بالوجود المصرى بشكل عام فعرابى وزغلول ثم عبد الناصر نفسه لم يكونوا سوى تجليات بحث البرجوازية المصرية عن دورها الوطنى فى الاستقلال والتقدم، ولم يغفل”أبو الفتوح” أبدا عن التناقضات التى اكتنفت هذا الدور والتى ربما أدت لعدم  قدرنها على إكمال مشروعها العام  لتحرير الإرادة الوطنية وتقديم مشروع يستوعب المجتمع بكل طبقاته وإن كانت الملحمة قد أكدت نجاح البرجوازية الريفية فى تأكيد وجودها على الأرض ومقاومة تقلبات الزمن والعوامل الخارجية التى فرضها عليها الغرباء بغض النظر عن نتائج هذه المقاومة.

فى رواية “برسكال” بدا أن أبو الفتوح يرصد الحراك الاجتماعى للمصريين وخصوصيته بتأثير ثورة يوليو على هذا الحراك الذى حمل عبد العاطى من هامش المجتمع إلى متنه عبر قوانين تخص هذه البلاد متحررا من الوقوع فى ذهنية لوى عنق الوقائع لتطويعها لمسارات الحراك الاجتماعى كما عرفتها المجتمعات الأوربية، فنرى “المنطق العائلى” هو السائد أيضا ومن ثم يمكن اعتبار كل زيجات عبد العاطى هى وسائلة للالتحاق بالعائلات الكبرى وصولا لتكوين برجوازيته الريفية الخاصة، ثم انهيار هذا المشروع باعتبار أن الزمن قد تجاوز  البرجوازيات الريفية وشكل العائلة بتأثير انهيار المشروع العام وهزيمته وبتأثير الرياح القادمة من السوق الكبرى للعالم الرأسمالى الجديد وعودة التأكيد على الخلاص الفردى فى الدين أو فى الاقتصاد، مما جعل ” برسكال” ابنته وشريكة رحلته تستعين بخبرة شعبية تاريخية فى فرض أبيها على حاضر هذا الواقع وعلى مستقبله بأسطرته وتحويل حتى أبسط سلوكياته “كعربجى” إلى كرامات، فيصبح “عبد العاطى نمش القابض على اللجام الضارب بالكرباج، الذى تبنى له ابنته مقاما يحج إليه المقهورون والغرباء وأصحاب الأمراض والحاجات”.

إن نصا عاما فى كل أعمال أبو الفتوح يعبر عن نفسه بقوة وهو ما يمكن تسميته “بتاريخ الحزن”، ومن ثم تصبح أعمال كملحمة السراسوة وبرسكال تناولا أفقيا ومحاولة كشف لهذا التاريخ، بينما تأتى الرواية الجديدة “تاريخ آخر للحزن” لتتعقب هذا الحزن رأسيا متخذة من عائلة أرسلان كأسياد أو كطبقة مسيطرة مجالا ليس “للكشف” الأفقى كما أسلفنا ولكن لسبر الأغوار و”للاستكشاف” وهو ما جربه من قبل ونجح فيه إلى حد كبير جدا فى روايته “أجندة سيد الأهل”، إذ هى أيضا محاولة للتحليل الداخلى العميق لظاهرة عدم قدرة المجتمع المصرى على إنجاز الثورة،

إننا إزاء تساؤل مهم فى “تاريخ آخر للحزن” ماذا جنت طبقة الملاك من قهر عبيدها؟ غير جدبها وعقمها وعدم قدرتها على الاستمرار، كل هذا تحت تأكيد السارد على قناعته بأنه فى البدء كان هؤلاء الفقراء هم من ضحوا وحافظوا على الوسايا التى لا يمتلكونها بعد هروب أصحابها أمام الاحتلال إبان ثورة عرابى رغم أن كثيرا من العائلات دعمته فى البداية ولكن عندما آلت الأمور للإنجليز فروا أو تراجعوا _ على الأقل من هم على شاكلة عائلة أرسلان_ التى ربما تكون فى بدايتها صنيعة مغامر غريب جاء إلى هذه القرية ثم تسيدها، تماما كما حدث من قبل ومن بعد  وكأن هذه البلاد ” حظ الغرباء”

يجسد أبو الفتوح التأثير الدرامتيكى لثورة يوليو ولزعيمها عبد الناصر على ” تاريخ هذا الحزن” فى شخصية ” المنجى أرسلان ابن صاحب العزة ” عبد الباسط أرسلان ” الذى تزوج من ابنة ” المنجى توبة” ولكنه فشل فى اعتبارهم أصهارا مساوين له إنسانيا” فالمنجى إذن ليس سوى نتاجا لمحاولة لتجسير هوة التناقض الطبقى بين نوعين من البشر عائلة أرسلان أبناء حافظ ارسلان وهم عبد الباسط وعبد المحصى وعبد المغنى وعائلة حلاوية بدءا من حسنين اللهفة وجبريل ومنصور وفتح الله وسيادة ومعالى.

سيشير أبو الفتوح كثيرا إلى عدم قدرة هذه البرجوازية الريفية على الاستمرار كقاطرة للمجتمع وإلى عدم قدرتها حتى على الاستمرار كعائله لأنها ببساطة قد عقمت، وستتضمن تلك الإشارات دوائر للخروج غير مروية ولكنه يجعل كل الأحداث موحية بها وهى أن السبب العام لهذا الحزن الذى مزق قلب “المنجى” وقتله هو فشل عائلته وطبقته فى إدراك فضل المنسحقين طبقيا على هذا الوجود والرفعة، إنه فضل لا علاقة له بالإذعان التام لهذا القهر الطبقى الذى لم يمنع أحدهم من التطوع فى صفوف عرابى دفاعا عن وجود يألفه رغم كل ما يشكله من انسحاق وقهر.

يموت  المنجى أرسلان “هجين” الطبقتين العاجز عن الاستمرار كأبيه، أو معانقة ناصريته ودحض تاريخ الحزن التليد الذى صنعته طبقته، والعاجز عن إدراك أن “معالى حلوية” خادمته  و سليلة خادمة أبيه هى السبيل الوحيد لاستمرار نوعه، يموت وحيدا منفطر القلب نتيجة البكاء والنحيب القادم من إخفاقات الماضى وعدم القدرة على رؤية المستقبل.

إنه” تاريخ آخر للحزن” ، يرويه لنا “أحمد صبرى أبو الفتوح”، لعلنا ندرك فى واقعنا ما عجز أشخاص الرواية عن إدراكه.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy