فى رسالة للشاعر عمر الشيخ :الإنسان عند “وديع سعادة ” بحث علمي عميق عن شاعر عربي كبير

كتب : محمود دوير

فى واحدة من الدراسات العلمية النادرة التى تتناول شاعر قصيدة النثر الكبير ” وديع سعادة ” حصل الباحث والشاعر عمرو الشيخ على درجة الماجسير من كلية الآداب بجامعة دمنهور وجاء عنوان الرسالة ” الإنسان فى شعر وديع سعادة ” تحت إشراف الدكتور محمد أبو على والدكتور هيثم الحاج على وضمت لجنة المناقشه كل من الدكتور عيد بلبع والدكتور محمد خليفة

وتناول الباحث أهميةَ دراسةِ تجربةِ وديع سعادة التي تُرجمتْ إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والإيطالية والكردية والسويدية وحصل كاتبها على عدة جوائز عالمية وعربية كما أشارت المقدمة إلى أهم الدراسات السابقة – على قلتها

و طرح الباحث تأثر الإنسان ببيئته أمر لا إرادى، لذلك فأثر لبنان وبخاصة قرية “شبطين ” عظيمٌ في وعي سعادة وتجربته فظهر في منجزه الشعرى . وكذلك استشرف وديع سعادة مبكرا أن إقامته في شبطين تحديدًا ولبنان عموما ستنتهى يوما فاحتفى بها في ديوانه الأول ” ليس للمساء إخوة ” واستلهم منها أهم روافد شعريته ككل دون أن يبتلعه الماضي . كما تناول البحثُ كيف أدرك سعادة أن المكان – مهما اغترب – ليس خصما قاسيا كالزمن الذى يتضح منذ الديوان الأول لسعادة كيف تسامى فوق الأيديولوﭼـيا والطائفية والعنصرية إلى رحابة معني الإنسان
نشأة سعادة

ويذكر الباحث أثر حادث مروع محوريّ في نفس سعادة وشعره وهو موت والده حرقا في ظروف غامضة وهو صبى ابن الرابعة عشر كذلك شكلت الأم بكفاحها وشقائها – حتى لحظة ولادته – رافدا عميقا في شعرى

وقد نشأ سعادة في بيئة فقيرة المال غنية الحب، فامتلك القدرة على المحبة دون مقابل و لعل العظمة التي طحنها أبوه وهو طفل ليأكلها حفاظا على حياته أثناء جحيم الحرب العالمية الأولى جعلت سعادة يتعاطف مع الإنسان إلى أقصى درجة فأنسن كل شىء

وحول المسافة بين الذات والآخر في شعرية سعادة يرى ” الشيخ ” أن الذاتية لديه لا تعنى الأنوية، فذاته تشمل الآخر في التقاء مع مفهوم الذات لدى الفلسفة الوجودية فسعادة يصنع ذاته من خلال الآخر: الأب، الأم، ناس القرية، الأصدقاء، المهمشين، الغرباء، الحاضرين، الغائبين

كما تناول البحث الأثر المفزع للحرب الأهلية اللبنانية على وديع سعادة، رغم أنه نجا من فخ الانحياز إلى فصيل ما واليوم الحرب انتهت، ولكن ظل إبداع الشعراء حولها باقي .

وارتباط الذات بالإبداع لا يعني الصورة المنتجَة النهائية للإبداع فحسب، بل يرتبط أساسا بمرحلة تأسيس ذلك الإبداع داخل الذات، عبر الوجدان والضمير والوعي لذلك ارتبطت آلام وآمال ذات سعادة بآلام والآمال ذوات الآخرين كما ربط القدر بين حروف آمال وآلام

وقد عرض البحث لأمثلة من علوم الكيمياء والفيزياء تثبت أن تفاعل نفس العناصر في ظروف مختلفة ينتج نواتج متنوعة كما تناول العلاقة الثلاثية بين الذات والزمن والمكان ويعنى بالزمن: زمن الكتابة، زمن النص، زمن التلقى مما يؤكد أن تماهى الذات مع الآخر لا يعنى تعدد الأصوات أو اختفاء الأنا الفني

كما أشار إلى الفارق بين الغربة والاغتراب، ومفهوم الاغترابِ في الثقافة العربية، وأبعاده، وتناول معني الحنين وقد حرص البحثُ على أنْ يشيرَ إلى أنّ الشعرَ في ذاتِه نوعٌ من الاغتراب عن الجماعة المحيطة بالمبدع وهو بالفعل ما يتضحُ من شعريته وهو في لبنان حيث إنه استشعر اغترابا ما فيها، ولعله اغترابٌ نفسيٌّ فكريٌّ سابقٌ على الاغتراب الكامل فيما بعدُ، أو مؤدٍّ إليه.

والاغتراب يولّدُ الشعورَ بالحنين، وقد شكّلا مع الانتماء ثالوثًا لا يتفرّق في شعره. الذي خالف ما ذهب إليه كثيرٌ من الباحثين في أنّ الاغترابَ يسبب اللاانتماء وهو ما لا نجد له أثرًا في شعرية سعادة والبحث يؤكد أن الحنين قرين الاغتراب دليل على الانتماء

لذلك فالجزء الأول من دواوينه يتجلى فيه أثر الاغتراب داخل الوطن نفسيًّا، وأثر الاغتراب الحقيقيّ خارجه، بينما في الجزء الثاني من أعماله سنجد الاغتراب صار رؤية سعادة للذات، للوجود، للشعر، بخاصة في ديوانه( نص الغياب) الذي يجسد أكثر مراحله ألمًا، فنظن أن مقاومته انتهت، لكن الواقع خلاف ذلك، فالشاعر في تلك الفترة كان في موقف المراجعة ولا أكثر. فذاته لم تغترب عنه كما يحلو للبعض الادعاء حول الشعراء، لكن الشاعر قد يغترب بذاته عمن حوله وعما حوله متعايشا بما يشبه الوعي البديل أو المستعار وهنا تحديدا تصبح اللغة منفى اختياريا للشاعر .

أسئلة الشعر والذات

كما تناول الباحث عددًا من تعريفات اللغة عند بعض العلماء الغربيين والعرب، مع شبه إجماع أن اللغةَ وسيلةُ التواصل بين البشر .

وطرح ” الشيخ “سؤال هل لغة الشعر لها سماتٌ تجعلها لغة خاصة؟ مشيرا أنه بالطبع مفاهيم النقد، وتيارات الشعر تجاوزت فكرة صلاحية ألفاظ ما للشعر دون ألفاظ ولعلّ قصيدةَ النثر أكّدتْ إسقاط أيِّ مفهوم يكرّسُ لشعريةِ لفظةٍ دون أخرى ولغة سعادة أقرب ما تكون إلى لغة المتعلمين، وتعمد البحثُ ألا يقول لغة المثقفين و تنتمي معظم مفردات سعادة إلى معجم الطبيعة، وإلى مفردات عربية مستخدمة في المحلية اللبنانية ومع استمرار تجربته، سنجد أنّ لغته تنتمي إلى اللغة المتداولة أو التداولية
كما توقف البحث بالتحليل لعناوين الدواوين، وعناوين بعض النصوص، مع طرح فكرة خلاصتُها أنّ المفهومَ المتعارفَ عليه بوصف العنوانِ معبّرًا عن مضمون التجربة يحتاجُ إلى مراجعةٍ من المبدع قبل الناقد؛ فالعنوانُ المعبرُ عن التجربة يُعتبرُ ملخِّصًا لها، في حين أنّ التعاملَ مع العنوان بوصفه جزءًا من العمل الفنيّ يُشيرُ ولا يصرّح وهذا ما يتحقق في عناوين وديع سعادة .

لغة سعادة وقصيدة النثر

ومن أهم سمات لغة سعادة أنه نجح في إضافة ذاكرة جديدة لكثير من مفرداته فاللغة في ظاهرها بناء مفروض على الأديب من الخارج، أما الأسلوب فهو إمكانات استخدام الأديب لتلك اللغة

و يعرضُ أيضًا إلى ثنائيةِ الصمت واللغة عند سعادة خاصة في فترة مراجعته لذاته ولجدوى الشعرو يشير إلى أن سعادة آمن أن اللغة لا تستطيع التعبير عن كل ما في داخل الشاعر، فهي تراوغ وتخفي وتَغُشنا أحيانا

وفيه يشير البحث إلى أن قصيدةَ النثر عمل فنيٌّ عصيٌّ على التأطير، ومن ثمّ فطبيعة الصورة الفنية فيه ستكون غير خاضعة لمفهوم الصورة المتعارف عليه في الذائقة العربية، وإن كانت لم تتخل نصوص سعادة عن نماذج تلك الصورة.فقد استخدم الصورة البلاغية المعروفة كأحد أهم وسائل تشكيله الصورة الجديدة التي تعتمد على المشهد وتحتفي بالسرد ولديه العديد من الصور المشهدية التي تقترب من عالم السينما والسيناريو من حيث وجود حدث، زمان، مكان، شخوص، حوار.

وطبيعة الصورة من حيث العمق في طبقات تلقيها تطورت عبر الزمن في تجربة سعادة، هذا العمق قد يبدو قلقا عند البعض، وغموضا عند البعض، أو يحقق مستويات من التلقي عند البعض

وهذا في صالح النص، كما أنه يعكس أن شاعر قصيدة النثر لا يختارها كقالبٍ فنيٍّ فحسب بل هو يكتبها استجابة لكونه ينطلق من يقين فكريّ غير مستقر، وليس لديه مرجعية جمالية متعارف عليها فربما يكون لكل نصٍّ قيمه الجمالية الجديدة وآلياتها الجديدة ومفهوم بارت حول لذة النصوص ومتعتها يتصور البحث أنه قد يتحقق في نصوص سعادة

وقد استخدم سعادة الخيال في محاولة تفكيك ما استقر من مفاهيم جمالية، لا لهدمها، ولكن للبناء عليها، لا لتمزيق ثوابت إنسانية بل لمحاولة جمع نثار الإنسان

كما تناول مفهوم الفكر، وعلاقته بعملية الإبداع الشعريّ، بوصفه واحدا من مكونات التجربة الشعرية.وتجربة سعادة بوصفه شاعرًا ممن يصح تسميتهم من أصحاب المشروع الفكري المتنامي لا المتجمد في منجزهم الإبداعيّ

لهذا المشروع ملامحه التي تظهر في جميع نصوصها ومن قبلها تشكلت تلك الملامح في وعيه تراكميا عبر السنوات، مثل الانتماء إلى كل ما هو إنسانيّ والطبيعة ليست موجودات صماء كذلك مراجعة المواقف من اللغة والشعر

والإيمان بالوجود في مقابل الغيبيات التي لا ينكرها كما أن الاغتراب لا يقضي على الانتماء وانشغل فكر سعادة أيضا بأسئلة منها : ماذا أنجز الشعر؟ ومن أنقذ؟ وماذا أوصلت اللغة؟ ولمن؟ لكن يبقى الإنسان مجردا من أي تصنيفات أو مكتسبات أهم ما شغل فكر سعادة

خاتمة وتوصيات

وأشار الشيخ فى خاتمة البحث ألى أهم ما توصل إليه من نتائج مشيرا إلى أن ن قصيدة النثر لم تعد ظاهرة تثبت وجودها وقصيدة النثر امتداد للشعر العربي من داخله، ثورة من أجله، وليست عليه .

كما أن الشعر ليس تسجيلا لأسعد اللحظات . موضحا أن الأب والأمن والآخر والإنسان ككل كلها شكلت أهم منطلقات شعرية سعادة وهدفها وغيرها من النتائج الخاصة بمفهوم الاغتراب، وطبيعة اللغة، والصورة الشعرية التي استفادت من عطاءات الفنون المختلفة، والمشروع الفكري المستمر المتنامي

واقترح الباحث توصيات تنادي بالاهتمام بدراسات أخرى لمنحز قصيدة النثر، ودراسة اللغة بشكل مستقل في أعمال سعادة، وأوصت أيضا بدراسة شعر سعادة بين التأثير والتأثير
ويمثل البحث الذى قدمه عمرو الشيخ أحد الأبحاث الأكاديمية النادرة فى الوطن العربي التى تناولت واحد من أهم شعراء قصيدة النثر العربية

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy