د. جودة عبدالخالق يكتب:في وداع رفاق الدرب
هاهى سنوات العمر تمضى. وتلك هى أوراق شجرة الأحباب من جيلنا (من الأسرة والرفاق والزملاء والجيران) تتساقط واحدة تلو الأخرى.هم السابقون ونحن اللاحقون. حقا: “كل نفس ذائقة الموت. وإنما توفون أجوركم يوم القيامة.” ندعو الله أن يتقبل من رحلوا في رحابه، وأن يغفر لهم، وأن يتغمدهم بواسع رحمته، وأن يزحزحهم عن جهنم ويدخلهم جنته، وأن يلهمنا وذويهم الصبر والسلوان. إنه على كل شيء قدير. في الأيام القليلة الماضية، تعرضت لخسارة إنسانية فادحة. فقد شاءت إرادة الله في زمن الكورونا أن أودع ثلاثة من رفاق الدرب في أقل من أسبوع واحد: الأستاذ رشاد كامل واللواء دكتور جمال مظلوم والدكتور محمود منصور عبد الفتاح. ومما زاد من مرارة الاحساس بفقدهم أننى لم أستطع المشاركة في تشييع أي منهم الى مثواه بسبب حالتى الصحية المتدهورة.
أبدأ برشاد كامل، أول الراحلين. عمل رشاد بعد تخرجه وطوال حياته في الجهاز المركزى للمحاسبات الذى طالما كان أداة الشعب في كشف الفساد. كان من جيل الستينيات، من زملاء الدراسة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. وجيل الستينيات هذا هو الجيل الذى تربى على حب الوطن دون تمييز، وعاصر كل الأحداث الوطنية الكبرى من انتصارات وانكسارات. تفتح وعينا جميعا على ثورة 23 يوليو 1952. الإصلاح الزراعى في 9 سبتمبر 1952. وتأميم الشركة العالمية لقناة السويس في 26 يوليو 1956. وخروج عساكر الانجليز من قاعدة القنال في 18 يونيو 1956 تنفيذا لاتفاقية الجلاء في 19 أكتوبر 1954. وبدء العدوان الثلاثى على مصر فى 29 أكتوبر 1956، وخروج آخر المعتدين في 23 ديسمبر من نفس العام. الوحدة بين مصر وسوريا 1958، ثم الانفصال في 1961. التخطيط والتأميم. ثم جاء الزلزال بهزيمة يونيو 1967، ونصر أكتوبر 1973. ثم كان الانفتاح، ثم الإصلاح، ثم ثورة يناير 2011 … إلخ. هذه الأحداث الجسام صنعت من جيلنا سبيكة خاصة جدا. وأذكر أنه على امتداد عمرنا لم ينقطع هو مرة واحدة عن تهنئتى بأعياد المسلمين، ولم أنقطع أنا مرة عن تهنئته بأعياد الأقباط. نعتبرها كلها أعيادنا جميعا نحن المصريين. سأفتقد رشاد كثيرا.
أما اللواء جمال مظلوم فقد عرفته منذ حوالى ثلاثين عاما بعد حصوله على درجة الدكتوراه في الاقتصاد. وكانت البداية في سياق العمل العام داخل لجنة الاقتصاد في نقابة التجاريين. رأيت فيه العديد من الفضائل: الرزانة والإخلاص وانكار الذات. واقربت منه أكثر عندما تولى مسئولية مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لوزارة الدفاع، حين شاركت في عدد من أنشطة المركز بدافع وطنى محض. توطدت العلاقة بيننا بسرعة. واكتشفت الكثير عن مساهمته كضابط إشارة وحرب إلكترونية في انتصار أكتوبر 1973، فزاد حبى وتقديرى له. ثم تزاملنا في التدريس في أكاديمية ناصر العسكرية العليا ;وكان آخر أنشطتنا العلمية المشتركة هو الاشراف على رسالة دكتوراه للطالب محمد الزينى في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، عن العلاقة بين الانفاق العسكرى والنمو الاقتصادى. لكن المعلومة التى لم أعرفها عنه إلا مؤخرا وكانت مفاجأة لى تتعلق بنشاطه في الحقل الرياضى كحَكَمٍ دولى محترف لكرة القدم. في كل هذه المراحل عرفته إنسانا نبيلا رقيق المشاعر قليل الكلام، ولكنه كثير العطاء. إنه نموذح للعسكرية المصرية الصادقة.
وثالث من فقدت من رفاق الدرب هو الدكتور محمود منصور عبد الفتاح، الذى كنت أحب أن أناديه دائما ب “أبو الأحناف”. إنه صديقى القادم مثلى من أعماق الريف المصرى، ورفيق درب اليسار. فإضافة إلى كونه بحكم المهنة أستاذا جامعيا وأكاديميا، اختار أن ينخرط في العمل السياسى في صفوف المعارضة كعضو في حزب التجمع؛ حيث شارك معنا في اللجنة الاقتصادية قبل أن ينتقل الى المجلس الاستشاري للحزب. كان أبو الأحناف أيضا مهموما بقضايا الفلاحين والفقراء. وكافح طويلا لتأسيس بنك لتقديم التمويل متناهى الصغر لفقراء الريف، على غرار بنك جرامين (ومعناه بنك القرية) الذى أسسه الدكتور محمد يونس في بنجلاديش عام 1983. ولكنه للأسف لم يستطع الحصول على ترخيص بإنشاء البنك، لأن السلطات خشيت أن يُعْتَبَر تأسيس بنك بهذا الاسم اعترافا رسميا بوجود الفقر في مصر! كما كان أبو الأحناف من أشد المؤمنين بأهمية التعاون كنظام لتحسين أحوال الفلاحين. وسعى لتعديل قانون التعاون بما يضمن حصول المنتجين على ثمار عرقهم. لكن مجموعات المصالح المستفيدة من القانون الراهن قاومت بضراوة دفاعا عن مصالحها. وحتى إشعار آخر، سيظل القطاع التعاونى في المحروسة “حالُه مايل”؛ فما زال نظام التعاونيات عندنا يعمل بنفس أسلوب أبشع أنواع الشركات الخاصة؛ حيث لا ضمير ولا رقابة. ولا عزاء للغلابة.
إلى رفاق الدرب الذين رحلوا، لا أقول وداعا، بل الى لقاء نحسبه قريب. فإنا وإياكم لمجموعون الى ميقات يوم معلوم. و بهذه المناسبة أتقدم الى الأبناء الأوفياء جورج رشاد كامل واحمد جمال مظلوم ووليد محمود منصور وباقى أفراد أسرهم بخالص العزاء. وأستحضر قول رب العالمين: “كل من عليها فان. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.” مرة أخرى، ندعو الله أن يتقبل الرفاق الراحلين في رحابه، وأن يغفر لهم، وأن يتغمدهم بواسع رحمته، وأن يلهمنا جميعا الصبر والسلوان. إنه على كل شيء قدير. آمين.

التعليقات متوقفه