كتب : أحمد مجدي – تصوير : خالد سلامة
قال الكاتب الصحفي عادل نعمان، المتخصص في التراث الإسلامي، ما نزلت آية في القرآن، أو حكم، إلا وكان لها سبب وحادثة وموقف بذاته، وربما يتكرر ويتردد فيصبح حكمًا عامًا، أو يتوقف فيأتينا غيره بمستحدث وبحكم جديد، ويستتبع الأمر معرفة «سبب النزول» لمعرفة الفارق بين خصوصية وعمومية السبب، وإمكانية تكراره أو معاودته من ثباته وتوقفه، وندلل على أهمية معرفة الحدث والواقعة والسبب، وخطورة الجهل به بهذا السؤال الذي جاء على لسان عمر بن الخطاب «كيف تختلف أمة الإسلام ونبيها واحد وقبلتها واحدة؟»، يقصد قرآنها واحد «وجاءت الإجابة على لسان بن عباس: «نزل القرآن فقرأناه، وعلمنا فيما نزل، وأنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن، ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأى، ثم يختلفون في الآراء، ثم يتقاتلون فيما اختلفوا فيه» ومازال المسلمون إلى الآن مختلفين ومتقاتلين لهذا السبب، وهو الجهل بسبب التنزيل، وخصوصية الحكم، وزمانه ومكانه، فليست الأحداث والمواقف متماثلة ومتطابقة، وليست ثابتة جامدة، بل متجددة ومتراكمة، والأهم أن الحكم مرهون بالمصلحة والمنفعة يدور معها وجودا وعدما.
جاء ذلك خلال الندوة الـ 35 من منتدى خالد محيي الدين الذي ينظمه حزب التجمع مساء الأربعاء من كل أسبوع بالمقر المركزي للحزب بعنوان «الفكر الديني بين التراث والتجديد»، وأدارها هذا الاسبوع خالد الكيلاني منسق عام المنتدى.
وأضاف “نعمان” أنه بعد وفاة النبي امتنعت بعض القبائل عن أداء الزكاة لأبى بكر الصديق بحجة أن الحكم في القرآن واضح وصريح، وهو حكم خاص بالنبي ليس غيره، ولم يوافق ذلك أبوبكر، ووافق عليه عمر في البداية، ورفض محاربة مانعي الزكاة، ولم يكن قبوله أمر قتالهم أخيرا إلا خضوعا لرأى وقرار وإصرار الخليفة نفسه على محاربتهم، فماذا لو كان الخليفة الأول هو عمر بن الخطاب؟ وكان رأيه نافذا بحكم خلافته وفهمه للنص، فلا كانت حروب الردة، ومن يا ترى صاحب الحق والسلطة بعد النبي في فهم النص وتعديله؟ ومن يضمن لنا صواب رأيه، ونفاذ بصيرته وصدقه مع نفسه، وبعده عن الهوى والسلطان؟.
وأكمل نعمان: لم يكن لرجال الدين من سبيل للسيطرة على عقول العباد إلا ببلاغة اللفظ، ورقة اللغة، والاعتصام بخوارق الأولين، والاحتماء بتراث الكتبة والناقلين، ويصبح هذا التراث رهنًا لديهم، حبيس أدراجهم، لا يتناوله سواهم، ولو اقترب منه أحد ليكشف المكتوم أو يفضح المستور، لحاربوه واتهموه على الباطل قبل الحق، وإلا تراجعت الصدارة والوجاهة إلى مؤخرة الصفوف، والعز والنعيم إلى الفقر والحاجة، فهل يا ترى يتنازل هؤلاء عن صدارة الصفوف حتى وسط العلماء والوجهاء والمفكرين والفلاسفة والحكام؟، في رأيي أننا لسنا في حاجة عند رجال الدين لتجديد الخطاب الدينى، فلن يجددوه، ولن يرفعوا أيديهم عنه، ولن يفتحوا الباب لغيرهم، هذا إرثهم الموروث، كل من اقترب منه أهلكوه وكفروه وشوهوه، علينا الاعتماد على أنفسنا في تجديده بعيدا عنهم، نبنى ونشيد بناء جديدا نقيم فيه، وهو بداية لعزل هذا التيار وتهميش دوره وتقليل شأنه وتخفيف تغوله وهيمنته على مقدرات ومصائر العباد.
وأكد الكاتب الصحفي أن مهمة تجديد الخطاب الديني الأولى على الدولة، والثانية مهمة المثقفين والتنويريين، وما على الدولة إلا إلغاء التعليم الأزهرى وضمه إلى التعليم العام، وكذلك دمج جامعة الأزهر مع وزارة التعليم العالى والاكتفاء بكلية واحدة لأصول الدين لتخريج الدعاة على قدر احتياج المجتمع، ورفع يد وزارة الأوقاف عن الوقف المصرى العام، وإنشاء جهاز من المتخصصين والخبرات الجيدة لإدارته، حتى تعود المؤسسات الدينية إلى عملها الطبيعى دون هذا الظهير الذي ينمو يوما بعد يوم، ودون هذه الأموال التي تتكاثر وتشغلهم عن مهمتهم الرئيسية، فليسوا رجال مال أو رجال علوم، هم رجال دين فقط لا أكثر ولا أقل، أما المهمة الثانية، تقع على عاتق المثقفين والتنويريين في ظل حماية القانون، فإن الظروف في صالحهم مهما كان الظلام منتشرا، والدروب مغلقة، لأن فكر هذا التيار يدور في حلقة مفرغة، ولولا كمية الجهل على مر التاريخ التي اعتمدوا عليها منذ قرون لما قامت لهم قائمة، ولما وجدوا قبولًا بين الناس يومًا واحدًا، وكلها أمور ليست من جوهر الدين أو قلبه، فلا شغلوا أنفسهم بالعلم أو العمل أو الأمانة أو النظافة أو احترام حق الغير أو الالتزام والانضباط، أو اهتموا بمشكلة نقص المياه وما تواجهه مصر جراء بناء سد النهضة، وكأنهم في وادٍ والبلد في آخر، يتجاوبون مع الدولة والناس، فلم ينصحوا الناس مثلًا بعدم الإسراف في استخدام المياه والاقتصاد فيها وترشيد استخدامها وهكذا، لكنهم شغلوا الناس بشرعية الحجاب والنقاب، وطول الجلباب وقصره، واللحية والسواك، وزواج الصغيرة، ورضاعة الكبير، وتكفير غير المسلم، وجهاد الدفع والطلب، وحق الزوجة في العلاج عند المرض والكفن عند الوفاة، بل وصل الأمر إلى تغييب عقل المسلم، حين اعتبروا أن المحن والمصائب التي تواجه الناس في حياتهم ليس في بُعدهم عن المنهج العلمى والعملى، بل في بُعدهم عن منهج الله وعبادته.
واختتم “نعمان” حديثه بأن الحل: أن يبدأ التحدى واضحًا وصريحًا وعلى المكشوف، ليرفع صوت الحوار عاليًا ولا تخفى مسألة محرجة فى تاريخنا فيها برهان أو إثبات مخافة الحرج أو الخجل من ذكرها، أو خشية التنكيل أو التكفير، وعندنا فى المسألة الواحدة ألف إثبات وبرهان، ولا نكل ولا نمل من مطالبة الدولة بفصل الدين عنها كما فعلت السودان، وهى المهمة الأولى التى تختصر المسافات أيَّما اختصار، وندافع عن كل التهم الظالمة التى أفرط فيها هذا التيار باتهاماته الباطلة للعلمانية وللدولة المدنية، ونرفع عنهما هذا العار المبتذل والمكذوب والمُلفَّق، آن أوان المواجهة الفكرية الصريحة، والحوار العلمى العقلى، واختصار الخرافات والأساطير، وكشف المستور فى تاريخنا، وعودة الدين الحق إلى أصله وبداياته الأولى السامية الإلهية، وهو الهدف والمرتجى، وإبعاده عن السياسة، التى ما تركت جريمة إلا وارتكبتها، وللأسف كانت الأديان حاضرة تراقب وتتطلع.

التعليقات متوقفه