د. جودة عبدالخالق يكتب:خدعوك فقالوا: شركاء التنمية!

لقطات
خدعوك فقالوا: شركاء التنمية!

د.جودة عبد الخالق

عزيزى القارئ، كثيرًا ما تسمع كبار المسئولين عندنا يتحدثون عن لقاءات ومحادثات ومباحثات مع أطراف أجنبية يسمونهم شركاء التنمية. حقا، خدعوك فقالوا شركاء التنمية. ومسمى “شركاء التنمية” هذا ما هو إلا تعبير لطيف وخفيف تستخدمه حكومتنا السنية للإشارة الى طرف أجنبى هو في الحقيقة لا لطيف ولا خفيف. اسم على غير مسمى. وللأسف، يبدو أن الحكومة تصدق هذا الوصف. ولكن أخشى ما أخشاه أن يكون الناس قد صدَّقوا هذا الكلام من كثرة ترديده على لسان المسئولين والإعلام. وتقتضى الأمانة توضيح هذا المفهوم للناس حتى يدركوا حقيقة شركاء التنمية هؤلاء. فمن هم الذين يسميهم مسئولونا “شركاء التنمية”؟ وهل هم حقا كذلك؟ إن مسمى” شركاء التنمية” في قاموس حكومتنا يقصد به مؤسسات التمويل الأجنبية، مثل البنك الدولى وصندوق النقد الدولى والبنك الأوروبي للإعمار والتنمية. ويضاف إلى هؤلاء شريحة أخرى تمثل وكالات التنمية التابعة للدول الغربية المختلفة، وأشهرها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (التى تتبع وزارة الخارجية الأمريكية، واسم الشهرة لها “هيئة المعونة الأمريكية”).

هذه المؤسسات تتخصص في تقديم القروض والمساعدات للدول النامية طبقا لنوعين من الشروط. شروط مالية (مثل أجل القرض وفترة السماح وسعر الفائدة)، وشروط غير مالية طبقا لمقتضى الحال. ولكن للأسف الشديد، فإن مسئولينا يركزون دائما على الشروط المالية، ولا يهتمون بالشروط غير المالية رغم أنها هى الأخطر على المجتمع من عدة زوايا. بل إن بعضها يشكل خطرا شديدا على الأمن القومى للبلاد. والواقع ان القاموس الحكومى في هذا المجال ينطوى على قدر كبير من تضليل الرأي العام، مما يستوجب التحذير من خطورته. فمثلا، لدينا في الحكومة وزارة اسمها وزارة التعاون الدولى. لكن كل مهمتها الاستدانة، وليس التعاون. (فالتعاون من الفعل تعاوَنَ. ويقال تعاوَنَ القومُ أى ساعد بعضهم بعضًا). وتطلق الحكومة على الاقتراض من الخارج لفظ “التمويل التنموى” وليس الدين. ولقد دَرَسْتُ نصوص اتفاقات ما يسمى المعونات أو المساعدات الأجنبية على امتداد أكثر من أربعين عامًا. ونشرْت عدة دراسات في مجلات وكتب علمية. وأشير هنا الى دراسة مفصلة في كتاب “الانفتاح: الجذور .. الحصاد .. المستقبل” صدر عام 1984. وللتدليل على الخطورة الشديدة لما يسمى التمويل التنموى، سأعطى مثالا لذلك هو قرض مشروع أسمنت القطامية.

بتاريخ28-9-1978  وَقعَّت الحكومة المصرية اتفاقا مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية “تساهم” بموجبه الوكالة جزئيا في تمويل مشروع لإنتاج الأسمنت في القطامية يتبع شركة أسمنت السويس (التي تأسست عام 1977). الشروط المالية لينة: فترة سماح معقولة، فترة سداد مريحة، وسعر فائده منخفض. لكن الشروط غير المالية يشيب لها الوِلْدان. (1) تقدم الحكومة المصرية من أموالها للمشروع مبالغ لا تقل عن 35.1 مليون دولار أمريكى و 46.5 مليون جنيه مصري (تعادل 119 مليون دولار بسعر الصرف وقتها). (2) تعيد الحكومة المصرية اقراض 58.5 مليون دولار من القرض لشركة أسمنت السويس، وتقدم لها باقى القرض وقدره 36.5 مليون دولار منحة. (3) بيع ما لا يقل عن 20% من أسهم الشركة للقطاع الخاص. (4) رفع أسعار الأسمنت المحلى في مواجهة المستورد، وإجراء مشاورات دورية مع الوكالة بشأن تسعير الأسمنت. (5) بيع ما قيمته 4.6 مليون دولار (حوالى 12 مليون جنيه) من أسهم القطاع العام للمستثمرين. (6) على مكتب بيع الأسمنت المصرى (وهو الجهة المسئولة وقتها عن توزيع الأسمنت على مستوى الجمهورية) تقديم خطة سنوية لتوزيع الأسمنت توافق عليها الوكالة. (7) إعفاء السلع التي تُستَورَد أو تُشتَرى للمشروع، وكذا عقود الخدمة، من كل الضرائب والرسوم.

لقد أصبح للوكالة الأمريكية بموجب الاتفاق حق الفيتو على القرارات السيادية المصرية في مجال تسعير وتوزيع سلعة استراتيجية مثل الأسمنت. ففي مقابل أقل من 100 مليون دولار، سيطروا على تسعير الأسمنت وعلى خطة توزيعه بالكامل! فبأى معنى تكون الوكالة الأمريكية شريكًا تنمويا؟ أليست أقرب الى القوة الأجنبية المهيمنة على القرار المصرى؟ لهذا أصابنى فزع بعد قراءة الشروط التي تضمنها والمذكورة أعلاه. فسألت المرحوم الدكتور حلمى مراد عضو مجلس الشعب وقتها: كيف وافقتم على هذه الشروط التي تهدد السيادة والأمن القومى لمصر؟ فأجابنى الرجل المحترم رحمه الله أنهم وافقوا دون معرفة شىء عن تلك الشروط، اعتمادا على تقرير اللجنة المختصة الذى أوصى بالموافقة على اتفاق القرض، باعتباره يتيح لمصر الحصول على عملة صعبة هي أحوج ما تكون اليها!, تأمَّل عزيزى القارئ كيف أنهم من خلال طُعم المعونات وما تُسميه الحكومة التمويل التنموى يدسون لنا السم فيما نظن أنه عسل.
وللعلم, فإن طريقة حصول مصر علي القروض والمعونات الأجنبية لم تتغير حتي الآن, وما زالت الحكومة تعرض علي مجلس النواب عشرات اتفاقات القروض والمعونات, وتتم الموافقة عليها في الهزيع الأخير من الجلسة, والجلسة شبه خالية.

إهداء: أهدى هذا المقال لكل من رئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء ووزيرة التعاون الدولى، ولكل من يهمه أمر مصر. اللهم إنى بَلَّغْت. اللهم فاشهد.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy