د.جودة عبدالخالق يكتب : ثورة يناير.. والمستقبل

ثورة يناير.. والمستقبل
د.جودة عبدالخالق

ها هي ثورة 25 يناير تكمل إحدى عشر سنة،وهي قد دخلت بالفعل في عامها الثاني عشرة ..في هذا المنعطف الدقيق، نجد أمامنا من الأسئلة المعلقة أكثر من تلك التي طرحتها الثورة في البداية. وسأتوقف هنا عند مسألتين طرحتهما الثورة على لسان الملايين منذ يومها الأول. أقصد مسألة إسقاط النظام (الشعب يريد إسقاط النظام)، ومسألة الخبز والحرية (عيش .. حرية .. عدالة اجتماعية). ولاعتبارات تتعلق بالمساحة، سأقتصر في لقطة اليوم على مسالة تغيير النظام. في السياق الاقليمى والدولى الراهن، فإن الثورة كان عليها أن تتعامل مع قضيتين شديدتى الحساسية والتعقيد في وقت واحد: تغيير نظام الحكم مع الحفاظ على مقومات الدولة. فالدولة لها دعائم ثلاث: شعب ذو سيادة، يعيش على مساحة جغرافية أو إقليم محدد لا ينازعه أحد، ويختار حكومة تدير شؤونه. فالدولة بهذا المفهوم العلمى تشكل الاطار الحاضن للمجتمع والذى يضمن تماسكه وبقاءه، فضلًا عن تطوره. وبهذا المعنى، فالدولة المصرية هي أقدم دولة عرفها التاريخ.

ولكن الملاحظ في الخطاب العام السائد حاليًا في مجتمعنا انتشار الخلط بين الدولة والحكومة. فكثيرا ما يستخدم المسئولون تعبير الدولة وهم يقصدون الحكومة. وهذه الخلط ليس مجرد التباس أو تشوش في المفاهيم. فهذا النوع من الخطاب ينتج عنه سياسيا اختزال الدولة في الحكومة، وتصبح الحكومة هي الدولة أولًا وأخيرًا. وخطورة هذا التصور أنه في الممارسة السياسية إنما يؤدى عمليا الى تغييب الشعب أو تهميشه، بحيث تصبح الحكومة هي الدولة والدولة هي الحكومة. وبذلك يسقط الشعب من معادلة الدولة. وهذا يجهض إمكانيات التغيير المطلوب لتحقيق أهداف الثورة، أيا كانت. إذ تظل السلطة وكل مقاليد الأمور في ظل هذا التصور حكرا على البيروقراطية، وتغيب السياسة ويتسيد الرأى الواحد. وأعتقد أن من واجب المثقفين وعلماء السياسة، من منطلق الدفاع عن الدولة والحفاظ عليها، توضيح الالتباس القائم هنا. فطرح الأمور باعتبار أن الحكومة هي الدولة ينطوى على خطر شديد لمستقبل الدولة، وبالتالي مصير المجتمع.

أعود إلى موضوع “إسقاط النظام”. وأتساءل: ما الذى تحقق في هذا المجال بعد مرور إحدى عشرة سنة على ثورة يناير؟ وابتداء، لا بد من التأكيد على المقصود بـ”النظام” في سياق الفكر السياسى القائم على مفهوم الدولة. فالنظام ليس مجرد رأس الحُكْم أو السلطة، ولكنه يشمل كل الترتيبات والآليات التي تتعلق بتوزيع واستخدام السلطة في المجتمع. وبناء على ذلك يمكن القول أن النظام القائم وقت اندلاع الثورة لم يسقط؛ فكل ما تحقق في هذا المجال هو الإطاحة برأس النظام فقط. وقد حدث ذلك بتنحى مبارك عن منصب رئاسة الجمهورية في 11 فبراير 2011. أما النظام نفسه كترتيبات وآليات لتوزيع واستخدام السلطة فلم يطرأ عليه تغيير كبير. ورغم حل الحزب الوطنى الديمقراطى بحكم قضائى في أبريل 2011، فالواضح أنه قد تم استنساخه بواسطة أحزاب مستجدة ظهرت بعد الثورة بمسميات أخرى.

في ضوء ذلك نطرح السؤال الشائك: وماذا عن المستقبل؟ كتاب التاريخ يقول إن المستقبل مفتوح حتى النهاية. فالتاريخ يحدثنا أن أسرة البوربون مثلا قد أطاح بها الشعب بعد اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789. لكن تحالف القوى الأوروبية أعاد أسرة البوربون الى حكم مملكة فرنسا بعد الإطاحة بنابليون عام 1814، واستمروا ملوكا لفرنسا حتى اندلاع الانتفاضات الشعبية التى انتهت بثورة يوليو 1830. ومصر لن تكون استثناء من حركة التاريخ. فقط علينا أن نتعامل مع السؤال بروح الفهم الواعى للقوانين الحاكمة لتلك الحركة.
وللموضوع بقية.

تحية قلبية: إلى أرواح شهداء الشرطة البواسل الذين روت دماؤهم الطاهرة أرض معركة الإسماعيلية في 25 يناير 1952.
والى أرواح شهداء ثورة 25 يناير 2011 الأبرار الذين ما زال التاريخ يكتب قصتهم.

24/1/2022

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy