قصـة ..الموتى لا يقرعون الباب.. إيمان سند
يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com
قصـة
الموتى لا يقرعون الباب
إيمان سند
تنسدل ستائر كثيفة، يمتلئ الجو بالبخار، تهرول دقات القلوب داخل الصدور.. تنتابنا رجفة ربما من السعادة، أو الخوف لا ندرى.. الأن لابد أن نحلق.. ننسحق فى هذا الكون اللامتناهى حتى يقترب كل منا من مبتغاه.. نترقب تلك الساعة من وقت طويل.. لا أعرف كم مر علينا من الزمن، فكل شيء عندنا مختلف.. نحن لا ندرك الأوقات، ولا الأمكنة.. ولكننى سعيد بانطلاقي للإطمئنان عليهم.. هناك ردار يحركنى.. يوجهنى إليهم.. أتساءل هل سيفرحون برؤيتى؟ أقصد هل سيشعرون بوجودى بينهم؟.. هل مازالوا يتذكرونني.. تجرى دموعى رعباً وهلعاً من فكرة احساسهم بالارتياح لمغادرتى… لا استطيع أن أقول موتى- فأنا لست معتادًا على تلك الكلمة- أشعر بنفور عروقى ولا أعرف هل يمكن أن يكون شعوري هذا صحيحاً أم لا ؟… هم من ضيعت عمري من أجلهم.. لم أستمتع بحياتى أبدا كلما أحسست – مجرد إحساس- أنهم فى حاجة إلى شيء… أى شيء… ولكن هل أحببتهم؟.. لم أسأل نفسى أبداً هذا السؤال.. ولكنى واثق من أننى كنت أشعر بالمسئولية تجاههم… كنت أعاملهم على أنهم واقع فى حياتى لا يمكن تبديله، أو إحلاله… ولكن هل كنت سعيداً معهم؟.. أقول لنفسي: ما هذه الأسئلة الصعبة التى تفسد عليك فرحتك بلقياهم… الحقيقة: لا أعرف إجابة لذلك السؤال، ولكن ما أعلمه علم اليقين أنني لم أذق طعم السعادة إلا معها… كانت لحظاتنا المسحورة هي العمر الحقيقي لي.. لم تطلب الكثير، ومع ذلك ضحيت بها من أجلهم… يرتجف بدنى بمجرد تذكرها، مشاعري تجاهها أقوي من الموت ذاته، لماذا أقنعت نفسي بغير ذلك؟!… أعبر بوابات الخوف، يظهر ذلك فى قشعرة البدن، واصطكاك الأسنان، وهل مازال لدى أسنان؟.. أم هو شعور بحكم التعود كأن تزيل أحد أسنانك ومازال لسانك يتحسس مكانها، وتشعر بنفس الألم، وكأنها مازالت موجودة بالضبط… اقترب من السور الحجري.. أرى الأشجار، والفواكه، والأرض المصقولة.. والأرجوحة.. كم كنت أحب تلك الأرجوحة… تُرى هل سأشعر بالسعادة لو استخدمتها الآن؟… يجب أن أجرب لأعرف… يطل وجه صغير.. من أين جاء هذا الوجه؟.. تجرى أمه وراءه… من هذه السيدة ؟ ابنتى ؟! أتطلع إلى وجهها… يا إلهي.. كم مر عليّ من الوقت هناك؟.. إنني أشبه بأهل الكهف… لقد حسبت أنه قد مر فقط يوم، أو يومان… يبتسم الصغير ليّ… هو يراني بالتأكيد… يجري نحوي… أخاف عليه من السقوط… أرفعه.. تجري أمه باتجاهه… تخطفه من يدي… تدسه في حضنها… تتلفت يميناً، ويساراً.. أناديها.. لا تسمعني.. لا تنظر حتي باتجاهي.. تهرول مرعوبة… تظهر زوجتي بعد قليل.. أفرح لرؤيتها.. تبدو على وجهها أمارات الفزع هى الأخري.. تتمتم بكلمات.. تدعو وتبتهل.. أحاول الإمساك بها.. ينتفض جسدها كله.. تصرخ.. لا أعرف ماذا أفعل؟.. ألا يتوقعون رؤيتي مرة أخرى؟… أحاول أن أقول: إنه أنا فلا تخافوا… فى الداخل يجلس ولدى نصف نائم.. ينفث دخان سيجارته للخارج.. يبدو عليه أنه يفكر فى شيء ملتو، يقتفى أثره بعينيه، لكنه يهرب منه.. أبحث عن أي صورة لي، فلا أجد… أين صوري التي كانت على الجدران؟.. لا أعثر على أي شيء يدل على أننى عشت هنا يوماً.. لا ملابس، ولا صور.. حتى كتبى تخلصوا منها، لطالما كرهتها زوجتى، وها قد جاءتها الفرصة للتخلص منها.. لم يشفع حبى لها لتستبقى بعضها.. كتبى الأثيرة التى ماتركتها يوماً، ولا تركتنى.. كانت تقول لى دائماً: أنت تعيش مع كتبك أكثر مما تعيش معى… والآن تركتهما معاً.. ولكن لا بأس فربما تحوي الجنة مكتبة كبيرة… وأين أوسمتى التى كانت كثيراً ماتتباهى بها ؟ حتى هذه تخلصت منها ؟ يالغبائها أنها شرف متوارث لها، ولأبنائها.. إلى هذا الحد كرهت وجودى.. لابد أن التخلص من كل أشيائى قد استغرق منهم الكثير… يبدو أن عنوانى ليس هنا!.. آه تذكرت… كانت هناك بطاقة باسمى، أدسها دائماً فى مكان خفي… لكم أنا سعيد أنى قد وجدت هذه البطاقة… وضعتها فى مكان ظاهر.. رأتها الإبنة ، والأم معاً.. كانتا تحملقان فيها، وتحاولان قراءة الاسم.. قالت زوجتى: ألم نتخلص من تلك الأشياء القديمة؟!.. ردت إبنتى الحبيبة: ربما نسينا هذه.. لا بأس.. مازال يحاول تذكيرنا بوجوده.. لكم أوحشنى ياأمى، لم أعرف مقدار حبى له إلا بعد أن رحل عنا.. قالت الأم: مازلت تعيشين فى بلاهتك القديمة، حبك له وتعلقك به، قالت الأبنة: ولكن أبى كان يحبنا جميعًا ياأمى، ويبادلنا حبا بحب، لا تنسى لقد ضحى بحبه من أجلنا، وعاش تعيسًا لنكون نحن سعداء حتى مات كمدا.. كنت سعيد جدا بكلمات إبنتى حتى قالت زوجتى بمنتهى التصميم: هو لم يكن موجوداً يوماً هنا.. تراجعت من أثر الكلمة.. كانت أشبه بسكين تقطع فى لحمى، ثم ترميه بعيداً عنى.. تباعد بينى، وبينه حتى لا أتعرف عليه، وأفقده إلى الأبد.. لملمت نفسى، وغادرت المكان سريعًا …

التعليقات متوقفه