منتدى خالد محيي الدين يناقش «ماذا بعد الأزمة الأوكرانية»
السفير علاء الحديدي: روسيا تعيد ترسيم المنظومة الأمنية
قال السفير علاء الحديدي، سفير مصر السابق في موسكو وعضو المجلس المصري للشئون الخارجية، إن ما يحدث الآن في أوكرانيا يعتبر نقطة تحول دولي ولا يعرف أحد ما الذي سيحدث لاحقًا، فما زال الوضع في بدايته، والمحللون عندما قالوا إن روسيا ستحتل كامل أوكرانيا في أيام معدودة، ظنوا فيما بعد أن طول المدة يعني فشل روسيا، ولكننا نعرف أن حديث الإعلام مغاير تمامًا عن التقديرات الدولية والعسكرية، ولفهم هذه الأزمة في تقديري يجدر بنا الرجوع 5 سنوات سابقة، ونتذكر أن العالم كان لا ينتبه لروسيا مطلقًا، وكان كل التركيز منصبًا على تنامي دور العملاق الصيني، ثم الحرب التجارية بينها وبين أمريكا، والتي جعلت الجميع في انتظار المواجهة بين البلدين، حتى إن الولايات المتحدة نفسها كانت قد سحبت قواتها من الشرق الأوسط وقالت إن التحديات التي تواجهها في الفترة المقبلة ستكون في أسيا، استعدت أمريكا لمواجهة قد تصل إلى الاشتباك العسكري بينها وبين الصين، وبعض المحللين كانوا أيضا قد قالوا إن حلف الناتو لم يعد له قيمة لأنه في الأساس شكل ليكون في مواجهة روسيا، وهي لم تعد طرفًا قويا في المعادلة الدولية؛ حيث الصدام الاقتصادي القوي بين الصين والولايات المتحدة.
جاء ذلك خلال الندوة الـ 48 من منتدى خالد محيي الدين الذي ينظمه حزب التجمع مساء الأربعاء، بالمقر المركزي للحزب.
وأضاف “الحديدي” انفجرت الأوضاع فجأة لتدخل روسيا أوكرانيا كتحدٍ للقوى الغربية وحلف الناتو لتنقلب التحليلات الدولية رأسًا على عقب، وأصبح هناك من يتحدث عن أن العالم القادم قد يكون ثنائي القطبية، أو متعدد الأقطاب بوجود روسيا كطرف فاعل فيه، الصين التي من المتوقع أن تصبح خلال العشر سنوات المقبلة الاقتصاد الأولى عالميًا، وذلك عبر مبادرتها الحزام والطريق التي ستربط العالم بخط تجاري كأكبر خط تجاري في التاريخ.
وأضاف أعتقد أن الولايات المتحدة كانت في الفترات الأخيرة لا تعطي روسيا حجمها الطبيعي وذلك لأنها في المرتبة الحادية عشرة اقتصاديًا فالناتج المحلي لروسيا يبلغ 1.7 تريليون دولار بينما الولايات المتحدة تبلغ 21 تريليونا، في حين يبلغ الناتج المحلي الصيني 17 تريليون دولار، وبالتالي كانت النظرة الأمريكية تتصور أن هناك سلاما عالميا لا يمكن تعكيره إلا عن طريق الصين من خلال خطوة غزو تايوان.
وأكمل السفير علاء الحديدي أن ما حدث انسي العالم التحليلات التي تتوقع المواجهة الصينية الأمريكية وأصبح الجميع يركز مع روسيا، وشعرت الدول الأوروبية بالخطر على نفسها، وأصبح هناك للعالم معطيات جديدة، وما سيحدث غدًا أصبح متوقفًا على ما يحدث اليوم، وتقديراتي أن روسيا تخطو خطواتها وفق خطة دقيقة موضوعة مسبقًا وتأخذ الوقت الذي تريده في العملية العسكرية في أوكرانيا، لكن الإعلام الغربي يتحدث عن فشلها في العملية العسكرية كنوع من أنواع الحرب النفسية لا أكثر، ولكنهم في الوقت ذاته يعرفون أنه لا توقع يمكن التنبؤ به بدقة يقول إلى أين ستصل روسيا بقواتها تاليًا، وتم طرح التساؤلات عن هل ستكتفي روسيا بشرق أوكرانيا، أم أنها ستحتل شرق وجنوب أوكرانيا، أم أوكرانيا بالكامل، وهل يمكن أن تمتد العمليات العسكرية الروسية لتشمل دول البلطيق، لذلك فنحن اليوم نشهد في أوروبا بناء جدار حديدي جديد، مثلما حدث عقب الحرب العالمية الثانية عندما تم تقسيم أوروبا، ثم انهار هذا الجدار فيما بعد بسقوط جدار برلين، ثم دخلت غالبية الدول الأوروبية في حلف الناتو، ودمجت روسيا في الاقتصاد العالمي، ولم يعد هناك ستار يفصل بين أوروبا وروسيا، ولكننا نعود بقوة الآن لأجواء الحرب الباردة وانقطاع العلاقات التجارية، ووقف نقل التكنولوجيا الغربية لروسيا، لأن الغرب يريد تركيع روسيا اقتصاديًا وتكنولوجيًا ويحاصرها بجميع أنواع الحصار إلا أن يشتبك معها عسكريًا.
وقدر “الحديدي” الوضع أن الولايات المتحدة والغرب يريدون تحويل أوكرانيا إلى أفغانستان جديدة لاستنزاف روسيا لأقصى حد، ومن النتائج التي من الممكن أن تحدث أن ينقسم العالم إلى تكتلات اقتصادية شرقية وغربية عكس ما حدث في الماضي عندما كان انقسام العالم مبنيا على الايديولوجيا، وذلك سيضع روسيا والصين في تعاون مشترك والغرب في الطرف الآخر، مشيرًا إلى أن تحركات روسيا تشير إلى أنها تريد أن تستحوز على شرق أوكرانيا وميناء اوديسا، وتريد خنق شرق أوروبا، كما أن هناك أمرا لا ينتبه له أحد وهو أن هناك إقليما كاملا في دولة مولدوفا به غالبية من السكان الروس، وبه 10 آلاف جندي روسي موجودين بشكل دائم، لذلك ما يحدث اليوم هو أن روسيا تعيد ترسيم المنظومة الأمنية، وهناك دول متاخمة لروسيا وأعضاء في الناتو لديهم حالة استنفار عسكري كامل مثل مولدوفا وفنلندا والسويد، مما جعل ألمانيا تشعر أنه من الضرورة إحياء القوى العسكرية لأنها على الرغم من أنها عملاق اقتصادي لكنها قزم عسكري، ولذلك رفعت ميزانية التسليح العسكري من 1.5 % من الناتج المحلي، إلى ما يزيد على 2% وأمريكا ستحرك قوات أكبر من دول البلطيق وسيعود الناتو بشكل أقوى بكثير مما كان.
وأشار “الحديدي” إلى أن روسيا شبه ابتلعت بيلاروسيا عبر اتفاقيات عسكرية ودمج المؤسسات بين الدولتين، كما انه تحت ذريعة العملية العسكرية الروسية دخلت القوات العسكرية الروسية إلى بيلاروسيا ومنها إلى أوكرانيا، ثم إن هناك قوات عسكرية من بيلاروسيا نفسها ترافق القوات الروسية، كما قال الرئيس البيلاروسي لوكاشينكو أن بلاده على استعداد أن تستضيف صواريخ نووية روسية إذا تطلب الأمر، قائلًا: في تقديري أن الرابح الأكبر من هذه الحرب الروسية الأوكرانية، هي الصين فهي سواء ربحت روسيا أو خسرت ستربح في كل الأحوال.
ففي حال هزيمة روسيا ستعقد الصين اتفاقياتها مع روسيا لاستيراد الغاز والبترول منها بسعر معقول وبكميات ضخمة تعويضًا عن السوق الأوروبية التي قد تجد بديلًا عن روسيا، وأن ربحت روسيا ستضمن الصين وجود حليف عسكري قوي ومنتصر يتشاركان في العداء مع أمريكا والغرب، وهو ما سيكون تقوية لمركز الثقل الدولي الصيني، مضيفًا انه وسط حالة التشكل الدولي التي تحدث هناك دول ليس من مصلحتها أن تتبع إحدى الكتلتين مثل، الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وغيرها من القوى الاقتصادية، ويمكن أن نضيف إليها الدول التي امتنعت عن التصويت لقرار الأمم المتحدة الذي يدين روسيا ليكونوا جبهة تشبه بشكل كبير حركة عدم الانحياز في السابق.

التعليقات متوقفه